ندوات معرض القاهرة للكتاب
ندوات معرض القاهرة للكتاب


فى ندوات معرض القاهرة للكتاب |حضور متفاوت وأسباب متعددة

عائشة المراغي

الأحد، 01 فبراير 2026 - 10:06 م

أيام قليلة ويسدل معرض القاهرة الدولى للكتاب؛ الستار على فعاليات دورته السابعة والخمسين، بحفل فنى عنوانه «غنا القاهرة» وهو أحد مستجدات تلك الدورة، فلأول مرة تُقام حفلات فنية فى الافتتاح والختام، وإلى جانبها تم استحداث عدد آخر من الأفكار والمبادرات، غايتها إثراء المعرض وجذب الجمهور، وهو ما تحقق؛ إذ أعلنت الهيئة العامة للكتاب وصول عدد الزوار إلى مليون خلال اليوم الثانى بعد الافتتاح.

هذا الإقبال الكبير والزحام ليس بجديد على دورات معرض القاهرة للكتاب، فهو يمثل «عرسًا ثقافيًا» كما درجت تسميته، يستعد له المثقفون والناشرون والجمهور قبل انطلاقه بشهور، وتستعد له – كذلك – الهيئة العامة للكتاب، ببرنامج ضخم من الفعاليات الثقافية، لكنها لا تعلن عنه سوى يوم الافتتاح، وأحيانًا قبل يوم أو يومين من الافتتاح كما حدث فى سنوات سابقة وقد اعتدنا أن يصحب ذلك اعتراضات أو نقد من البعض، وأن نجد بعض الندوات مليئة بالجمهور وأخرى خاوية لا يحضرها سوى أشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.

حدث ذلك مجددًا فى دورة هذا العام من المعرض، وبصرف النظر عما أثير حول الأمر من أقاويل وآراء تخص الأهداف والنوايا؛ نتوقف قليلًا لنطرح عددًا من الأسئلة التى يبدو أن جدواها لا ينضب أبدًا: هل الاستحداث والتطوير فى الأفكار لم يصِب برنامج الفعاليات الثقافية؟ وما أسباب تلك الظاهرة من غياب الجمهور عن بعض الندوات وخاصة الشعر – إن جاز لنا وصفها بظاهرة –؟ هل ما يحدث يعكس أزمة تنظيم ودعاية ومكان أم أن الصورة أكثر تعقيدًا؟ وما المقترحات التى يمكن أن تقودنا لحل هذه الإشكالية؟ 




بين «العزوف» و«سوء التنظيم»

يرى د. محمد نصر الدين الجبالى، أستاذ اللغة الروسية بكلية الألسن جامعة عين شمس؛ أن الحديث عن ضعف الإقبال على الندوات الثقافية فى معرض الكتاب لا يمكن تعميمه بوصفه ظاهرة شاملة ويوضح أنه أثناء وجوده فى المعرض خلال الأسبوع الأول، لاحظ بنفسه أن بعض الندوات شهدت حضورًا كثيفًا وكانت القاعات ممتلئة بالفعل كما أن المسألة لا ترتبط بدورة المعرض الحالية تحديدًا، فبعد انتقال المعرض إلى مقره الجديد حدث نوع من الانفصال بين الجمهور والأنشطة الثقافية.

يقول: «إن أحد أبرز الإشكالات يتمثل فى موقع قاعات الندوات، فالأصلح والأجدى هو أن تكون هذه القاعات فى قلب حركة الجمهور، وسط دور النشر وأجنحة العرض، لا فى أماكن منفصلة إذا نظرنا للندوات التى تُعقد فى الأسفل، سواء داخل أجنحة الدول أو جهات مثل المركز القومى للمرأة أو غيرها من المؤسسات، سنجدها ممتلئة بالحضور لوجودها فى نطاق حركة الزوار المباشرة ولأن الدخول إليها يتم بعفوية ومن دون حواجز، بينما القاعات الموجودة فى الطوابق العليا تبدو معزولة – إلى حد ما – بما يخلق لدى الزائر إحساسًا غير مباشر بأن هذه المناطق غير متاحة للجميع».



ويضيف الجبالى سببًا آخر يراه جوهريًا فى العزوف النسبى، وهو توقيت الإعلان عن البرنامج الثقافى للمعرض إذ يشير إلى أن البرنامج لم يُعلن رسميًا إلا يوم 21، أى مع يوم الافتتاح نفسه، فى حين أن كثيرًا من المشاركين والمهتمين يأتون من محافظات أخرى أو من خارج مصر ويحتاجون إلى وقت مسبق لترتيب سفرهم والتزاماتهم ويرى أن الإعلان عن البرنامج قبل أسبوعين أو عشرة أيام على الأقل ــ حتى لو طرأت عليه تعديلات لاحقة ــ كان سيمنح الجمهور فرصة أفضل للتخطيط والمشاركة.

مضيفًا: «آليات الدعاية – كذلك – يشوبها قدر من التقصير، فالاكتفاء بنشر البرنامج على منصات رقمية أو مواقع متخصصة لا يصل فعليًا إلا إلى نسبة ضئيلة جدًا من الجمهور. لماذا لا يتم تعميم برنامج المعرض رسميًا على الجامعات وإرساله إلى إداراتها لتقوم بدورها بتوزيعه على الكليات والأقسام المختلفة؟ ولماذا لا تُستخدم القنوات المؤسسية لوزارة الثقافة فى إخطار الجامعات والمدارس بكل الفعاليات أسوة بما يحدث فى أنشطة أخرى؟ فطلبة المدارس هم الشريحة الأهم والأكثر قابلية للتأثر، ومساحة خصبة لتكوين الذائقة وبناء العلاقة الأولى مع الثقافة والفنون». 



يقترح الجبالى أن يتم إدماج حضور الندوات والأمسيات ضمن برامج الرحلات المدرسية، بدلًا من الاكتفاء بجولات عامة داخل المعرض دون توجيه ثقافى حقيقى، بما يتيح للطلاب الاستماع إلى الشعراء والكتّاب، والتفاعل معهم، وتكوين تجربة إنسانية وثقافية.

أما فيما يخص طبيعة بعض الندوات، فيقول د. محمد: «هناك أمسيات شعرية تضم عددًا كبيرًا من المشاركين، يصل أحيانًا إلى 13 أو 14 شاعرًا فى مدة لا تتجاوز ساعة ونصف، ما يجعل مشاركة كل شاعر مقتصرة على أربع أو خمس دقائق فقط. هذا الشكل يفرغ الندوة من مضمونها، ويحوّلها إلى عرض أسماء سريع لا يتيح للجمهور فرصة حقيقية للتعرف على التجارب الشعرية أو متابعة اتجاهات وتيارات الكتابة، فلم لا يتم وضع محاور واضحة للأمسيات والإعداد لها جيدًا».



الإعلام وصناعة النجومية

من جهتها، ترى الشاعرة د. نجاة على؛ أن الندوات الثقافية مسألة مركبة وليست خاصة بمعرض الكتاب وحده. وتستعيد تجربة سابقة حضرت فيها ندوة عن طه حسين، شارك فيها أساتذة وأسماء كبيرة جدًا، ومع ذلك لم يكن الحضور سوى عدد محدود، رغم نشر خبر عن الندوة وتوافر عناصر الإعلان، وهو ما يشير إلى حالة عزوف عام نسبى عن الندوات الجادة، مقابل ميل الجمهور إلى الأنشطة الخفيفة.

وتضيف: «المشهد متباين، ولا يوجد مقياس دقيق يمكن من خلاله الحكم على حضور الناس أو انصرافهم عن الندوات أتذكر مثلًا منذ عامين وجود طابور طويل من المراهقين ينتظرون توقيع كاتب عربى معروف لديهم، وهو ما يؤكد أن المسألة ليست فى المعرض ذاته، بل فى طبيعة الجمهور وما يجذبه فلو كان هناك لاعب كرة أو نجم سينما داخل المعرض، لامتلأ المكان بالكامل، لأن الإعلام يلعب دورًا أساسيًا فى صناعة النجومية، والكاتب فى الغالب لا يُقدَّم بوصفه نجمًا».



وتشدد د. نجاة على أن الثقافة لا يمكن أن تؤدى رسالتها فى غياب الإعلام، وأن المطلوب ليس مجرد تغطية خبرية، بل نقل الفعاليات بشكل كامل، والتعامل مع الحدث الثقافى بوصفه شأنًا عامًا. كما تقترح التفكير فى أشكال جديدة للفعاليات بدلًا من الصيغة الكلاسيكية، مثل تنظيم ندوة شعرية مصحوبة بالموسيقى أو مزج الفنون ببعضها لجذب جمهور أوسع. وتستطرد: «فى تقديرى؛ لا يجب تحميل هيئة الكتاب أو إدارة المعرض المسؤولية كاملة، فالعائق الأساسى يرتبط بالإعلام وبُعد المكان، إلى جانب كثرة الفعاليات وتجاورها وتزامنها، وما ينتج عنه من توزع الجمهور».



النخبوية وتكرار الوجوه

تذهب د. ناهد راحيل، الأكاديمية والناقدة، إلى أن ضعف الإقبال لا يمكن رده إلى عامل واحد، لكنها ترى أن أحد الأسباب الجوهرية يتمثل فى طبيعة الندوات ومحاورها، التى تبدو فى كثير من الأحيان بعيدة عن ذائقة الجمهور العام وموجهة أساسًا إلى فئة نخبوية محدودة من النقاد والكتّاب والأكاديميين. تقول: «إن هذا الطابع النخبوى، سواء فى العناوين أو فى اللغة المستخدمة داخل الندوة، يخلق حاجزًا نفسيًا ومعرفيًا لدى الزائر العادى، فيشعر أن هذه الفعاليات لا تخاطبه أو لا تمس اهتماماته المباشرة.

ولا يعنى ذلك التقليل من أهمية الندوات المتخصصة، فهى ضرورية وحيوية لأى حراك ثقافى جاد، لكن الإشكال يكمن فى هيمنتها شبه الكاملة على برنامج الفعاليات، مقابل غياب أو محدودية الندوات الحوارية التفاعلية التى تلامس القضايا اليومية للقارئ، أو تناقش الكتب والأفكار بلغة مبسطة وجذابة». 



كما تشير راحيل إلى عامل آخر يتمثل فى تكرار نمط الفعاليات وموضوعاتها من دورة إلى أخرى، بل وأحيانًا تكرار الضيوف والزوايا التحليلية نفسها، بما يجعل جزءًا من الجمهور يشعر أنه يعرف مسبقًا ما سيقال، فتفقد الندوة عنصر المفاجأة والجذب؛ فضلًا عن اختيار شخصيات أدبية أو فكرية بعينها، وغياب أخرى عن المشهد، وكأن الندوات والفعاليات قد أصبحت حكرًا على مجموعة ما، حيث تحول بعض المتحدثين إلى حضور دائم شبه ثابت، فى مقابل تهميش متحدثين آخرين، سواء من أجيال جديدة أو من تخصصات مختلفة، كانوا قادرين على تقديم رؤى وأسئلة مغايرة. 



أما عن مقترحاتها للتغلب على تلك الإشكاليات، فتقول: «أرى أن تنويع طبيعة الندوات بات ضرورة ملحّة، من خلال المزج بين الأكاديمى والجماهيرى، وإعادة صياغة عناوين الفعاليات بأسلوب أكثر جذبًا ووضوحًا، دون الإخلال بالمحتوى، كما أن إشراك جمهور الشباب، والاستفادة من كتّاب مؤثرين فى الفضاء الرقمى، واعتماد أساليب تفاعلية مثل النقاش المفتوح أو الأسئلة المباشرة أو ورش الكتابة، يمكن أن يسهم فى كسر الحاجز بين المنصة والجمهور. وفى النهاية؛ نجاح المعرض لا يقاس فقط بعدد الزوار، وإنما بقدرته على تحويل هذا الزخم الجماهيرى إلى مشاركة ثقافية حقيقية وحية».

فشل ودوائر مغلقة 

وبقدر من الاتفاق مع د. ناهد؛ يقدم الشاعر إسلام معتوق قراءة فى المشهد أكثر حدة، إذ يقول: «الفعاليات المقامة – فى رأيى – فاشلة تمامًا، ويتم الادعاء بنجاحها داخل أوساط محدودة فقط، هى فى الأساس نفس الأوساط التى تعيد طرح الأسئلة ذاتها وتداول الوجوه نفسها ما يحدث أن الأشخاص أنفسهم يتكرر حضورهم فى كل الندوات، وعلى كل المنصات، وفى كل المسابقات، ويحصلون على مساحات واسعة ومتعددة داخل الأمسيات، رغم أن بعضهم – من وجهة نظرى – لا يستحق هذا التكرار، فى حين توجد أسماء أخرى ذات جودة إبداعية أعلى لا تحصل على أى فرصة. تكرار هذه الوجوه يستفز جموع الكتّاب والمثقفين، خاصة أن معرض الكتاب لا تتجاوز مدته أسبوعين، والوقت فيه ضيق، فى مقابل عدد هائل من الكتّاب والمبدعين فى مصر.

وقد لاحظنا جميعًا خلال الفترة الماضية موجة سخط على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث عبّر كثير من الكتّاب عن استيائهم من عدم وجود أسمائهم ضمن الفعاليات. وبالمناسبة، اسمى أنا أيضًا غير موجود، رغم أن كتبى حصلت على جوائز كبرى داخل مصر، ومع ذلك هناك من هم أفضل منى ولم تتم دعوتهم عن قصد، رغم أنهم حاصلون على جوائز مهمة ولديهم تجارب مؤثرة، خاصة فى شعر العامية، لكنهم خارج الحسابات.


وعن مقترحاته للتطوير؛ يقول معتوق: «إذا كنا نبحث عن حلول حقيقية، فلماذا لا يتم الاستعانة بأسماء جماهيرية قادرة على جذب الجمهور؟ ولماذا لا يُترك للجمهور نفسه مساحة الاختيار، من خلال تصويت واضح وعلنى على الصفحة الرسمية للمعرض؟ بدلًا من الاختيارات التى تتم «من تحت الطاولة». يمكن للجمهور أن يعبّر عن رغبته، إلى جانب لجنة فنية تُقيم الجودة ولا تكرر الأسماء ذاتها كل عام، وبذلك نضمن عدالة الاختيار وتنوع الأصوات. فالمشكلات تكمن فى سوء التنظيم، وسوء توزيع أموال الدولة، وتهميش الجمهور، وتحويل الثقافة إلى نشاط مغلق يحضره الكتاب وأصدقاؤهم للتصافح والتقاط الصور».

الأثر قبل العدد 

على الضفة الأخرى؛ يقدم على قطب مقاربة أكثر هدوءًا، قائلًا إن دورة هذا العام أفضل من العام الماضى، وإن أزمة الحضور متكررة وليست جديدة، لكنه لا يفضّل أن تتحول إلى «شخصنة»، لأن جزءًا من الانتقادات ــ فى رأيه ــ نابع من هذا المنطلق. ويضيف: «مع كامل احترامى لجميع الأطراف، ليس من المنطقى أن أغضب أو أهاجم القائمين على المعرض لمجرد أننى لم أكن حاضرًا فى محور كنت أتمنى المشاركة فيه.

أعتقد أننا تجاوزنا هذه المرحلة، وأصبحنا أكثر نضجًا من ذلك فالفعاليات الثقافية تشغل جانبًا مهمًا من جوانب معارض الكتب، وتعد نشاطًا حيويًا؛ حيث يصافح القراء وجوه كتابهم من خلال حفلات التوقيع، ويستمعون ويتداخلون عبر فعاليات النقد، ويلتقون ويتفاعلون فى أمسيات الشعر هذا هو المغزى من وجود الفعاليات الثقافية التى تعمل على فتح قنوات بين المبدع والمتلقى.

وكم أرخنا لوجودنا فى المعرض عبر تذكرنا لحضور فعالية معينة، فأنا مثلًا أتذكر حضورى لندوة الأستاذ أنيس منصور، وأخرى للأستاذ إدوار الخراط، وفعاليات المقهى الثقافى».

ويشير قطب إلى ضخامة البرنامج وتنوعه هذا العام، وأن تزامن الفعاليات قد يؤدى إلى توزيع الحضور، مضيفًا: «يكفى هذه الدورة أن يكون أيقونتها الأستاذ نجيب محفوظ بما يحمله هذا الاسم من رصيد ذهبى فى الأفكار والرؤى والإبداع.

كما أن هيئة الكتاب قامت بجهد كبير فى ربط الكتاب بالقارئ وتجلى ذلك فى إتاحة مئات الإصدارات بسعر مناسب. كل ما نحتاجه هو الإعلام الثقافى الذى يلقى الضوء على هذه الجهود المشكورة طوال العام وليس فى توقيت انعقاد المعرض فقط، فهذا يتيح للمتلقى فرصًا أكبر للاقتراب من المنجزات الأدبية شعرًا ونثرًا والتفاعل معها، ومن ثم الحرص الدائم على الحضور الفاعل فى كل الفعاليات».

دعاية تحتاج تطويرًا

ومن اللجنة التنفيذية للمعرض؛ يرى الشاعر والكاتب الصحفى عزمى عبد الوهاب، المسؤول عن نشاط «كاتب وكتاب»، أن مسألة الحضور لا يمكن فصلها عن طبيعة النشاط وسياقه. ويضرب مثالًا بندوة كتاب أحمد أبو الغيط التى اكتظت فيها القاعة بالحضور بسبب طبيعة المتحدث والوفد المصاحب له.

وفى المقابل، يتحدث عن «مأساة الشعراء» قائلًا: «كان مقررًا لى المشاركة فى إحدى أمسيات المعرض، وطلبت أن أكون المتحدث الأخير، لكننى فوجئت عند صعودى إلى المنصة بأن القاعة لم يكن بها سوى شخصين فقط. والسبب فى ذلك، من وجهة نظرى، أن كل شاعر يعتقد أن الجميع جاء ليستمع إليه هو، فيُلقى قصيدته ثم يغادر القاعة. وهكذا يكون من نصيب الشاعر الأخير ألا يجد من يستمع إليه.

الأدهى من ذلك أن بعض الشعراء أنفسهم كانوا يقفون خارج باب القاعة أثناء الأمسية، وهو ما يدفعنى للتساؤل؛ لماذا لا يتابع الشعراء تجارب بعضهم البعض؟ وأرى أن أزمة الشعر داخل المعرض هى امتداد مباشر لأزمته خارجه.

فالشِعر، بل الأدب عمومًا، لم يعد له جمهور واسع بالمعنى الحقيقى كما أن السياق والزمن اختلفا، ففى الماضى حدث أن كان نزار قبانى يلقى شعره على المنصة، ودخل يوسف إدريس، فلم يجد مكانًا وجلس على الأرض ليستمع إليه. هل يمكن أن يتكرر هذا المشهد اليوم؟ هل يوجد شاعر بمستوى أقل حتى بنسبة خمسين فى المئة لديه استعداد حقيقى للجلوس والاستماع إلى غيره؟».

يشير عبد الوهاب إلى أن ما يُكتب اليوم، غالبًا ما يكون جمهوره هم مستهلكوه أو كاتبوه أنفسهم، أما الجمهور العام فقد جرى تهميش هذه الفنون بالنسبة له، مضيفًا: «هذا التهميش لم يحدث صدفة، بل جرى عبر الإذاعة والتليفزيون والصحف، فلم يعد الناس يهتمون بهذه الفنون.

حتى دور النشر، التى من المفترض أن تطبع الكتب وتعرضها، ترفض الشعر بحجة أنه لا يبيع، وتطلب من الشاعر أن يطبع ديوانه على نفقته، وهو ما حرم الشعر من الوجود بجوار الرواية وغيرها من الأجناس الأدبية. إضافة إلى ذلك، فإن الشكل المعمارى والتنظيمى الحالى للمعرض، رغم أناقته، فرض نوعًا من العزلة بين الجمهور والأنشطة الثقافية.

فهذه الأناقة لها ثمن، وقد صنعت حاجزًا بين القاعات والجمهور، كما أن توقيت انعقاد بعض الندوات لا يناسب شريحة واسعة من الزوار. فعندما تُعقد الندوة فى السادسة مساءً، يكون كثير من الناس قد بدأوا الاستعداد لمغادرة المعرض، خصوصًا القادمين من مسافات بعيدة، وبالتالى لا يفكرون فى حضور ندوة فى هذا التوقيت. وأخيرًا، فإن كثافة الندوات وتزاحمها تجعل الجمهور فى حيرة حول ما يتابعه أو يتركه. فى الماضى كان الناس يتجولون ويستريحون داخل الندوات والأمسيات، أما الآن فالحضور يقتصر غالبًا على من يأتى خصيصًا لحضور ندوة بعينها. فكرة الحضور العفوى أو المصادفة أصبحت نادرة، وهو ما جعل الجمهور بطبيعته محدود العدد».

ومن جهة أخرى؛ يرى جودة الرفاعى، مسؤول نشاط «ملتقى الإبداع» أن الكتاب والمتحدثين فى الندوات يتحملون قدرًا كبيرًا من مسؤولية المقاعد الخاوية، لأنهم لم يجيدوا الدعاية لندواتهم، موضحًا: «الهيئة تعلن عن أنشطتها عبر الصفحة الرسمية للمعرض وبرنامج فعالياتها، لكن الكتّاب أنفسهم عليهم دور فى الترويج لندواتهم، من خلال دوائرهم وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعى، ولذلك نجد تباين فى عدد الحضور بين ندوة وأخرى. أحيانًا يكون هناك نشاط قادر بالفعل على جذب الاهتمام، لكن ضعف الإعلان عنه يحول دون ذلك».

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة