زواج القاصرات.. إساءة للدين واغتيال للطفولة
د.صلاح السيد ناجى --- د.روحية مصطفى
الخميس، 05 فبراير 2026 - 07:05 م
سيد عبد النبى
يُعد زواج القاصرات من أخطر القضايا الاجتماعية التى تتقاطع فيها النصوص الدينية، والأعراف المجتمعية، والقوانين الوضعية، ومقاصد حماية الطفولة، ما يجعله محل جدل واسع بين الفهم الشرعى الصحيح والواقع المؤلم، فبينما شرعت الشريعة الإسلامية الزواج لبناء الأسرة وتحقيق السكن والمودة، فإن التحدى الحقيقى يكمن فى تحديد السن المناسب الذى تتحقق فيه مصلحة الفتاة الجسدية والنفسية والعقلية، خاصة فى ظل ما أثبتته الوقائع من أضرار جسيمة للزواج المبكر.
وفى هذا السياق، تؤكد الدكتورة روحية مصطفى، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن زواج القاصرات ظاهرة يئن منها المجتمع بصمت، حيث تُفرض الحياة الزوجية على فتيات لم يبلغن الحد الأدنى من النضج الذى يؤهلهن لتحمل مسؤوليات الزواج والأسرة، وترتبط هذه الظاهرة بعوامل عدة، أبرزها الفقر، والجهل، وسوء الفهم الديني، وغياب الوعى بحقوق الطفولة وكرامة الفتاة.
وتوضح أن بعض الأولياء يُقدمون على تزويج بناتهم بدوافع بعيدة عن مصلحتهن، قد تكون مادية بحتة، حين تُزوج الفتاة لرجل يكبرها بفارق كبير مقابل المال، فى علاقة غير متكافئة منذ بدايتها، وغالبًا ما تنتهى سريعًا بآثار نفسية واجتماعية قاسية على الفتاة، وفى حالات أخرى، يُستخدم الزواج المبكر كوسيلة للتخلص من أعباء الإنفاق، فيتحول الزواج من «ميثاق غليظ» إلى صفقة، تتحمل نتائجها فتاة حُرمت من التعليم والأمان والاستقرار.
وتشير أستاذ الفقه إلى خطورة إضفاء غطاء دينى على هذه الممارسات عبر الاستدلال غير المنضبط بزواج النبى من السيدة عائشة رضى الله عنها، مؤكدة أن هذا الزواج كان حالة خاصة بوحى وسياق اجتماعى مختلف، ولا يجوز تحويل الاستثناء إلى قاعدة لتبرير الإضرار بالفتيات، فالشريعة الإسلامية قامت على حفظ النفس والكرامة، ودفع الضرر، وتحقيق العدل، وكل ممارسة تُفضى إلى أذى جسدى أو نفسى لا يمكن نسبتها إلى مقاصدها.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور صلاح السيد ناجي، مدير التوجيه بمجمع البحوث الإسلامية، أن الله شرع الزواج لتحقيق السكن والمودة والرحمة، كما ورد فى قوله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة»، فالزواج فى الإسلام ليس مجرد إشباع غريزة، بل نظام ربانى متكامل يحفظ كرامة الإنسان ويؤسس أسرة مستقرة.. ويضيف أن الإسلام راعى حسن الاختيار، والتيسير، وتحقيق الكفاءة بين الزوجين، وجعل المرأة راعية فى بيت زوجها ومسؤولة عن شؤون أسرتها، وهو ما لا يتحقق فى زواج القاصرات، إذ كيف تتحمل فتاة لم تكتمل مسؤولية نفسها مسؤولية بيت وأسرة؟ مؤكدًا أن زواج القاصرات، سواء قبل البلوغ أو بعده مع عدم القدرة على تحمل المسؤولية، يبتعد عن مقاصد الزواج، ولا يسهم فى بناء الأسرة التى تُعد نواة المجتمع.
ويؤكد أن تحديد سن قانونية للزواج، غالبًا عند 18 عامًا، لا يُعد عداءً للدين، بل إجراءً وقائيًا لحماية الطفولة، وضمان حق الفتاة فى التعليم والصحة والاستقرار، فمواجهة زواج القاصرات لا تكون بالجدل أو الشعارات، بل بإعادة الاعتبار لمصلحة الفتاة وكرامتها، باعتبار حماية الطفولة ضرورة إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون مطلبًا قانونيًا.