أحلام شاب يتيم
الجمعة، 06 فبراير 2026 - 08:12 م
داليا جمال
فى هذا العالم، يبدأ اليُتم بفقدان الأب أو الأم، لكنه لا ينتهى هناك.
اليُتم الحقيقى يتجدد كل مرة يُسلب فيها الإنسان آخر ما تبقّى له من أمان.
هناك أطفال لم يحفظوا ملامح آبائهم، ولم يعرفوا دفء بيوت العائلة، أطفال كانت دار الأيتام أول ذاكرتهم، وأول حضن، وأول وطن، بين جدرانها تعلّموا المشى والكلام والحلم، وكبروا وهم يظنون أن هذا المكان، بكل قسوته وحنانه المحدود، هو العالم كله.
الطفل اليتيم لا يرى من الدنيا سوى ما تسمح به أسوار الدار، لا أقارب يزورونه، ولا أم تنتظره على باب المدرسة، ولا أب يحتضنه ليلة العيد، إخوته أطفال مثله، جمعهم الحرمان قبل أن يجمعهم الاسم. تمرّ الأعياد ثقيلة بلا دفء، بلا لَمّة، بلا يدٍ تربت على القلب وتقول: «أنت لست وحدك».
يكبر الفتى داخل جدران المأوى متعلّقًا به كما يتعلّق الغريق بقشه، يظن بسذاجة أن هذه الجدران ستظل تحميه من العالم… حتى تأتى الصدمة الكبرى.
فعند بلوغه الثامنة عشرة، تصرّ الدنيا على تجديد يتمه مرة أخرى، فالقانون يقر بأن عليه الرحيل عن الدار لا لذنب ارتكبه، ولا لخطأ اقترفه، ولكن لأنه بلغ سنًا محددة، فى ليلة وضحاها يصبح شابًا بلا عنوان.
يخرج إلى الشارع وحيدًا: بلا أسرة، بلا عمل، بلا مأوى، يُطلب منه أن يكون قويًا ومسئولًا ومنتجًا، بينما لم يمنحه أحد أدوات النجاة، ثم نندهش إذا سقط، ونسأل بدهشة مصطنعة: لماذا انحرف؟
أى ضمير تشريعى يقبل أن يُلقى شاب أعزل إلى المجهول باسم القانون؟
وأى عدالة هذه التى تعاقب إنسانًا لأنه كبر؟
وهنا يجب أن تتدخل الدولة لا بوصفها جهة طرد، بل بوصفها آخر ظهرٍ لهذا الشاب.
فإما أن تمتد الحماية القانونية لعدة سنوات بعد سن الثامنة عشرة، حماية انتقالية لا تُبقيه طفلًا ولا تلقى به رجلًا قبل الأوان، أو يمكن توفير سكن انتقالى آمن له بسيط، لكنه ثابت، يمنحه عنوانًا بدلًا من الشارع.
وفتح مسارات عمل حقيقية، بتدريب مهنى إلزامى قبل الخروج من الدار، وربط هؤلاء الشباب بمشروعات الدولة والقطاع الخاص، لا بمنطق الشفقة، بل بمنطق الحق.
ولماذا لا يتم إنشاء صندوق وطنى لدعم خريجى دور الرعاية، يضمن لهم الحد الأدنى من الدخل فى سنواتهم الأولى، حتى يقفوا على أقدامهم.
والأهم هو توفير دعم نفسى وتأهيل اجتماعى، لأن من خرجوا من الدار لا يخرجون بأسنان وأقدام فقط، بل بجراح غير مرئية.
القانون لا يجب أن يكون بابًا يُغلق، بل جسرًا يُعبر عليه.