عمل شجاع لم يطلب الإجماع ولم يسعَ إلى الرضا العام ..فيلم «الست».. حين يتقدّم الفن.. ويتراجع المتلقّى

بوستر فيلم الست

الأحد، 08 فبراير 2026 - 08:14 م

أخبار الأدب

سعاد عوض الله ليست كل الأفلام اختبار حرفة، فبعضُها اختبارً للوعى، وفيلم الست لمروان حامد ينتمى بوضوح إلى الفئة الثانية، فهو عمل لا يقيس مهارة صنّاعه بقدر ما يفضح مستوى استعداد المتلقّى العربى للتعامل مع الفن بوصفه فعلًا تأويليًا لا طقسًا تذكاريًا. دخلتُ الفيلم مثقلةً بتاريخ طويل من الصور المتخشّبة التى صُنعت لأم كلثوم لا عنها، وبالأصح هى صورة واحدة أُعيد تدويرها لعقود حتى تحوّلت إلى مرجعية قسرية، وما فعله مروان حامد فى فيلم السّتّ منذ قراره الأول، أنه رفض الانطلاق من تلك المرجعية، فذهب إلى اختبار الذّاكرة كبديل عن استرضائها، وهذا وحده كافٍ لوضعه فى منطقة صدام، فاختيار منى زكى لم يكن تحدّيًا شكليًا كما بدا لحظة الإعلان عنه  - على الأقل بالنسبة لى - وإنّما موقفًا جماليًا، ذلك لأنّ الابتعاد الجسدى عن أم كلثوم لا تجد فيه نقصًا فى التمثيل وإنما شرطًا له، فأفلام السيرة حقيقة تُبنى على الفهم وليس المطابقة. وكل تجربة سينمائية جادّة من هذا النوع تعرف أن التشابه الشكلى حين يتحوّل إلى معيار، يقتل التمثيل بدل أن يخدمه، ويمكن القول أنّ الممثل الذى يطارد الملامح يتخلّى عن الجوهر، وينشغل بالتقليد بدل إعادة الخلق، فالتمثيل لا يكمن فى حقيقته بمحاكاة شخص غائب واستحضار وجهه، وإنّما بمساءلة أثره وتفكيك حضوره، ومنى زكى أدّت الدور من داخل البنية النفسية، وليس- كما كان الجميع يتمنى - من سطح الصورة، فلم تسعَ- وهى لا تستطيع أصلا - أن تكون أم كلثوم، بل ذهبت إلى فهم آليات تشكّلها؛ من المعاناة والسعى الجاد، إلى السلطة والصرامة، مرورًا بالقلق والتحكّم، ويتجلّى ذلك بوضوح فى اختيارات الفيلم الإخراجية التى تُبقى الكاميرا معها فى لحظات لا غناء فيها ولا استعراض، كتلك التى تسبق الصعود إلى المسرح وما بعد النزول، كذلك فى لحظات الترقّب والسيطرة الصامتة والانتباه المفرط للتفاصيل. وفى هذه المساحات تحديدًا يتشكّل الأداء الحقيقي، إذ لم تعتمد على محاكاة صوت أو استدعاء إيماءة محفوظة، بل على إدارة دقيقة للتوتر الداخلي، فالنظرات كانت التى تسبق القرار محسوبة، والصمت كان أطول من المتوقع بعد الجمل، والجسد ثابت والصوت حازم فى مواضع كان يمكن أن تُؤدَّى بانفعال مباشر. بكل هذه الاختيارات لم تُقدَّم الشخصية كصورة مكتملة تُعرَض على المتلقي، وإنّما كذات تفكّر أمامه وتترك فراغات مقصودة، ولأن التقليد يملأ بينما الفهم يترك أثره فى ما لا يُقال، كان الفراغ هنا هو الدليل، وهذا يعتبر خيار تمثيلى ناضج ينسجم مع تقاليد السينما العالمية فى تناول الشخصيات العامة ذات الأثر التاريخي، حيث الأولوية للتأويل ولا قداسة للصورة. بالنسبة للنص يظهر اشتغال أحمد مراد من خلاله على التفاصيل الهامشية ظاهريًّا، والأقل تداولًا فى وعى المشاهد العام، ونجا من الوقوع فى فخ الشرح أو التفسير المباشر، فجعل من هذه التفاصيل مفاتيح لقراءة الشخصية لا موادًا سردية للاستهلاك، فالسيناريو الذى صاغه مراد كان بمثابة تفكيكًا لما اعتدنا رؤيته أو سماعه عن السّتّ دون أن ننتبه إلى آلياته، وهو بذلك ابتعد عن عملية التجميع لما نعرفه سلفًا، لذلك لم تكن الحوارات معنيّة بتأكيد المعلومات أو تثبيت الوقائع، على العكس من ذلك فقد كانت تكشف العلاقات التى شكّلت الشخصية سواء بذاتها أو بالسلطة أوبالجمهور، أو حتى العلاقة بالصوت على اعتباره أداة هيمنة إضافة لكونه أداة تعبير، إنّ النص هنا يراهن على ذكاء المشاهد ويفترض مشاركته فى إنتاج المعنى لا استقباله جاهزًا، فيُبقى الكثير مما هو جوهرى خارج الكلام المباشر، وبهذا المعنى يُظهِر السيناريو أن السيرة تُكتب عمّا نعرفه عن الشخصية إضافة لما لم يُتح لنا سابقًا معرفته كذلك، وأن القيمة الحقيقية لأى كتابة سينمائية عن شخصية عامة، لا تكمن فى استحضار تاريخها بقدر مساءلة الطريقة التى صُنعت بها صورتها، والآثار التى خلّفها هذا التصنيع على الإنسان المختبئ خلفها. هذا الوعى بكتابة السيرة على اعتبار أنها قراءة بعيدًا عن التوثيق، لا يقتصر على الحوار أو اختيار التفاصيل، وإنّما يمتدّ إلى سؤال أعمق يتعلّق بموقع النظر نفسه داخل الفيلم؛ من يشاهد هذه الشخصية؟ ومن يُسمَح له بالدخول إلى عالمها؟ عند هذه النقطة تحديدًا كان أحد أكثر قرارات العمل ذكاءً هو إدخال شخصية الشاب الجزائرى الذى يبدأ الفيلم وينهيه، حيث لم يكن فقط إضافة درامية بل بنية ووجهة نظر، فهو ليس شخصية مكتملة داخل السرد وإنّما موضع مشاهدة، ويمكننا القول أنه يمثّل المتلقّى داخل الفيلم، والذى بواسطته حرّر المخرج السيرة من الإغلاق التاريخى وفتحها على زمن المشاهد، فمن خلاله تمّ وضعنا فى موقع من يشاهد السّت لأول مرة بكل ما أوتيَ من دهشة. أما عن الموسيقى التصويرية لهشام نزيه، فقد كانت قطيعة واعية مع التقليد العربى المعتاد فى أفلام السيرة الذاتية، فقد أستُخدِمت كعنصر بنيوى موازٍ للصورة بدلًا من كونها رافعة عاطفية مباشرة أو عنصرًا للتضخيم، إذ لا تدخل لتأكيد ما نراه أو لتضخيم أثره، بل كثيرًا ما تأتى فى موقع المغايرة والمساءلة، فبعض مشاهد القوة تُصاحَب بموسيقى متقشفة تكبح الانفعال بدل تصعيده، وفى لحظات النجاح تُترك بلا ذروة موسيقية متوقعة، بينما كان يُفسَح المجال لصمتٍ طويل فى مواضع ينتظر فيها المشاهد تدخلًا موسيقيًا مباشرًا، بهذا الاختيار لم تشرح الموسيقى الشعور ولم تقده، عى العكس من ذلك خلقت مسافة تأملية بين الصورة والمتلقي، مسافة تسمح بإعادة التفكير فيما يُعرَض بدل الاستسلام له عاطفيًا. وهذا يعتبر انسلاخ مخطط له ومدروس مع التقاليد الموسيقية العربية مع هذا النوع من الأعمال، حيث يعتَمَد على الموسيقى غالبًا كتعويض عاطفى عن غياب العمق النفسي، بينما هنا تتحوّل إلى شريك فى القراءة، فتجدها تفكّر مع الفيلم عوضًا عن بكائها عنه كما اعتدنا. وبالحديث عن الإنتاج الضخم لفيلم «الست» فلم يكن واجهة بقدر ما كان ضرورة، حيث أنّ هذا الفيلم حقيقة لا يتعامل مع سيرة فرد فقط وإنّما مع موقع ثقافى وحقبة تاريخية، لأجل ذلك جاءت عناصر الإنتاج من ديكوروملابس وإدارة للكومبارس وبناء المشاهد الجماهيرية كجزء من خطاب الفيلم لا كزينة. ورغم وضوح الرؤية الجمالية للفيلم وجرأته فى مقاربة السيرة بوصفها فعل تأويل لا استعادة، إلا أنّ التنفيذ فى بعض مفاصله التقنية لم يذهب دائمًا إلى أقصى ما تسمح به هذه الرؤية، وهو ما يظهر تحديدًا فى الإيقاع والانتقالات الزمنية والخاتمة، حيث بدت بعض الخيارات أقل صرامة من الفكرة التى يحملها العمل نفسه. فقد تبنّى العمل منذ بدايته خيارًا جماليًا واضحًا يقوم على السيرة التأملية كما ذكر سابقا لا السرد الزمنى التقليدي، أى تقديم الشخصية عبر لحظات دالّة وفجوات نفسية أكثر من تتبّع خطّى للأحداث، غير أنّ الإشكال لم يكن فى هذا الخيار، بل فى عدم اتساق الإيقاع الداخلى الذى حَكم هذه اللحظات، فبعض المشاهد مُنحت زمنًا أطول من وظيفتها الدرامية الفعلية، بينما قُطعت مشاهد أخرى أكثر حساسية فى تطوّر الشخصية بسرعة غير مبرّرة، مما خلق اختلالًا فى التوتر العام للفيلم، حيث أنّ الإيقاع لم يستقر لا كإيقاع بطيئ واعٍ يراكم الزمن النفسي، ولا كإيقاع متحرّك يخدم التحوّلات الداخلية للشخصية، فتجده فى بعض المواضع ظلّ متأرجحًا بين الاثنين، وهذا التذبذب أضعف الرؤية فى لحظات، لأن الفيلم يقوم أساسًا على تفكيك البنية الداخلية لأم كلثوم من قلق وسيطرة ووعى بالمكانة وخوفٍ من الفقد، وهى حالات تحتاج إلى بناء زمنى متراكب لا إلى مشاهد متجاورة، فالإيقاع هنا لم يظهر كزمن نفسى يتشكّل تدريجيًا وإنما كزمن مشهدى متلاحق، والفارق بين الأمرين جوهرى فى فيلم يراهن على العمق لا على الحكاية. الأمر نفسه ينسحب على الانتقالات الزمنية التى اعتمدت فى الغالب على القطع المباشر والقفز بين المراحل، وهو خيار مشروع فى السيرة غير الخطية، لكنه فى بعض المواضع افتقد إلى وظيفة دلالية واضحة، فالقطع السينمائى ليس أداة تقنية محايدة، بل إما أن يخلق صدمة معنى، أو يفتح فراغًا تأمليًا، أو يقيم علاقة نفسية بين حالتين، بينما جاءت بعض حالات القطع هنا إجرائية، تنقلنا من مرحلة إلى أخرى على اعتبار أنها انتقالًا معلوماتيًا لا تحوّلًا داخليًا، مما يجعل هذا يتناقض جزئيًا مع خطاب الفيلم نفسه، الذى يتوجه ضمنيًا إلى الابتعاد عن اعتبار السيرة ما حدث فعلًا بقدر ما هى كيف تشكّل الحدث، مع العلم أن استخدام هذه التنقلات كان موفقًا فى مواضع أخرى، خصوصًا عندما كان يتعلق الأمر بالتحوّل النّفسى لحالة السّتّ. أما الخاتمة، فعلى الرغم من قوتها من حيث القرار، إلّا أنّها جاءت أكثر حدّة وسرعة مما يحتمله المسار التأملى الذى سبقها، فالفيلم يشتغل طوال زمنه على زعزعة الصورة الأيقونية وإعادة الشخصية إلى موقع أقل صرامة قابل للفهم والمساءلة، لكن النهاية بدت وكأنها تخشى ترك المشاهد فى فراغ السؤال، فاختارت قطعًا واضحًا ومغلقًا شعوريًا فى لحظة كان يمكن العمل عليها أكثر، وهذا ليس خطأً دراميًا مباشرًا، وإنّما – كما أقرأه -  تراجع طفيف عن الجرأة التى بنى عليها الفيلم نفسه، إذ استغنى عن الذروة التأملية مقابل نقطة حاسمة. فى المحصلة قد تظهر هذه الملاحظات كدليل على ارتباك الرؤية وضعف فى درجة الثقة بها؛ فالإيقاع خان الرؤية حين لم يلتزم بالكامل بزمنها النفسي، والانتقالات خانتها حين خضعت أحيانًا للمنطق السردى بدل التأملي، والخاتمة خانتها لأنها خافت قليلًا من ترك السؤال مفتوحًا حتى النهاية، وهى عيوب لا تُسقط العمل وإنّما تكشف حدوده، وبذات الوقت لا تلغى كونه عمل واعٍ وشجاع فى طرحه، لكنه تراجع فى لحظات معينة عن أقصى ما كان يمكنه قوله. إلا أنّ المعركة الحقيقية لم تكن على الشاشة، بل نشأت خارجها مع فئة ترى فى السينما اختبار ولاء وتُجَردها عن صنفها الفني، ممارسة تجاهها وصاية ثقافية صارمة، فتجدها تحاكم الفيلم وفق صورة ذهنية محفوظة، مطالبة العمل بالامتثال لها بعيدًا عن أدوات النقد السينمائي، والحالة هنا لا تفرّق بين السيرة كوثيقة والفيلم كقراءة، فهم يريدون من السينما أن تؤرّخ وتطمئن وتكرر، وتبتعد عن التفكير والإزعاج وإعادة البناء، وما يُسمّى هنا نقدًا ليس إلا خوفًا من التجديد وفقدان الصورة لسلطتها وهذا تحديدًا الذى يظهر ما يهابونه جليًّا، ألا وهو الخوف من أن تتحوّل أم كلثوم من تمثال إلى شخصية قابلة للفهم والمساءلة. والعجيب أن هؤلاء النقاد لا يمتلكون أى دليل ينفى ما قدمه الفيلم؛ فرفضهم لقراءة الشخصيات واستنكارهم أى سلوك إنسانى طبيعى لأم كلثوم قائم على أحاديث متداولة وروايات شفوية، وليس على وقائع موثّقة، إنّ الهجوم على فيلم الست يكشف هشاشة هذا الفكر، إذ أنّ كثير من النقاد اعتبروا أى تصرّف إنسانى طبيعى تهديدًا للشخصية وخيانة للرمز، متجاهلين أن السينما تقوم على قراءة الشخصيات وتحليل أثرها النفسى والاجتماعي، وليس فقط محاكاة الصورة الأيقونية أو الوفاء الحرفى للوقائع. من الضرورة بمكان هنا التأكيد على أنّ النقد السينمائى مسؤولية، وليس امتحان ولاء وأداة للحصار، وهو كذلك يفترض أن يكون فرصة لتمكين المتلقى من التفكير العميق والتأمل فى الشخصية، بعيدًا عن التّزمّت أو القداسة المطلقة. فى الغرب مثلًا أفلام مثل Braveheart عن القائد الثورى وليام والاس تعرّضت لانتقادات بسبب ابتعادها عن الأحداث التاريخية الدقيقة، ومع ذلك لم يُتهم صناع الفيلم بالخيانة أو القدح فى شخصية والاس؛ بل نوقشت اختياراتهم الدرامية وفهمهم لتأثير الشخصية فى زمنها، وهذا هو جوهر النقد الفنى الناضج. نفس المنطق ينطبق على الأعمال التى تناولت قادة أو شخصيات تاريخية ودينية كتلك التى تناولت سيرة الفاروق والخلفاء الراشدون ويوسف الصديق، فقد عرضت هذه الأعمال الأخطاء والسلوكيات الإنسانية للصحابة والقادة، من توترات عمر بن الخطاب إلى ضغوط على بن أبى طالب أو لحظات ضعف عاشها النبى يوسف، وكل ذلك دون رغبة فى تشويه الشخصيات، وإنما إظهارًا لتعقيد مسارهم النفسى والاجتماعى وفهمهم كبشر قبل أى رمزية، وفيلم السّتّ من جانبه يواجه هذا التحدى فنياً من خلال لغته السينمائية والموسيقى والبناء النفسى للشخصية، فتحدث بصوته الخاص مبتعدًا عن أى امتثال للصور الذهنية الجامدة، تاركًا المجال مفتوحًا لمواجهة حقيقية بين قراءته التأويلية والنقد الفنى الجاد لها. فيلم الست قدّم أم كلثوم كإنسان قبل أن تكون أيقونة، فكشف تداخل القوة والضعف فى مسارها النفسى والاجتماعي، مؤكّدًا أن قراءة الصواب والخطأ جزء لا يتجزأ من فن السيرة، وأن النقد الحقيقى هو الذى يفتح النقاش ويحتضن الاختلاف، لا من يحاصره تحت شعار الولاء للرمز. ويتفرّع عن هذا الخطاب الوصائى شكلٌ أكثر عدائية وتطرّفًا، تمثّل فى هجوم فئة أخرى على العمل حتى قبل عرضه، وذلك ليس اعتراضًا على رؤيته أو بنيته، بل رفضًا مسبقًا لبطولته من منى زكي، وهنا لا يوجد نقد ولا اختلاف ذائقة، وإنما تصفية حساب مؤجل، يظهر من خلاله تهشيم المكانة الحقيقية للمبدع تحت وطأة رقابة مجتمعية مفروضة على الفن المحلي، رقابة لا تبحث عن العمق أو الجمال، بل عما يطابق ويوافق ويتسق مع أفكار واعتقادات سائدة، يفترض بها أن تكون فردية وشخصية، حيث أن الفكر والمعتقد والمبدأ هى أخص ما قد يكون خاصًا للإنسان، وبقدرة قادر تحولت فى مجتمعاتنا إلى حالة جمعية تشاركية مفتوحة للعامة على كل الأصعدة وبكل الاتجاهات، أفكار وتوجهات أرادوا لها أن تصبح قانونًا مطلقًا يُجَرَّمُ كلّ مخالف لها، فممثلة من الصف الأول مثل منى زكى بتاريخها الفنى الذى يشهد لها بالموهبة والتجدد المستمر، والتى لم تراهن يومًا على جسدها أو جمالها لتتصدر المشهد الفني، ولم تطلب من أحد الاعتراف بمكانتها لأن موهبتها وحدها أكسبتها موقعها؛ تُهاجم وتُحاكم لمشهد واحد لم تهضمه أعينهم، إنها لحظة موقفية تتناقض مع الصورة الأخلاقية الكاذبة التى يصدّرونها عن أنفسهم ولأنفسهم، فلا أحد يلتفت ولا يكترث لموقف أيّ منا من عمل فنى أو فنان بعينه، إلا أنّ تلك الفئة التى تتهافت على عروض أفلام عالمية لممثليهم المفضلين فى الأكشن والكوميديا والرعب، والتى يستحيل أن يخلو أى منها من مشهد واحد جريء فى الحد الأدنى - والجرأة التى نتحدث عنها هنا ندرك تماما ما هي- يبذلون قصارى جهدهم لمحاربة فنانة قادرة على تقديم ما يوازى الفن العالمي، ولو امتلكت هذه الفئة القليل من السلطة والتنظيم لكانت هذه الحرب فى منطقة أكثر خطرًا من الكلام. كل هذه المعارك تكشف صراعًا حقيقيًا على حق التأويل وحرية التعبير الفني، حيث تتحوّل الرقابة والوصاية الثقافية إلى هجوم شخصى على المبدع، وتختزل النقد فى امتحان للولاء لأفكار مجتمعية تمتلكها فئة من فئاته.  فى النهاية يمكننا القول إنّ فيلم «الست» ليس عملًا كاملًا، لكنه عمل شجاع لم يطلب الإجماع ولم يسعَ إلى الرضا العام، لقد قدّم قراءة وترك المجال للاختلاف، لكن الاختلاف شيء ومصادرة حق الفن فى التأويل وشخصنة المواقف، شيء آخر، ولنكن متفقين على أنّ الفيلم يمكن أن يُحَبّ أو يُرفَض، وقد يُناقَش أو يُعاد النظر فيه، أما فكرة تحويل السينما إلى متحف مغلق، وتحويل الذاكرة إلى سلطة، وتحويل الذائقة الشخصية إلى محكمة فهذا ليس نقدًا بل ارتداد ثقافي، وفى هذه الحالة تحديدًا تكون السينما تقدّمت خطوة، بينما المتلقّى للأسف اختار التراجع خطوات.