وفاة إدوارد لير

لوحة للفنان: محمود صبرى

الإثنين، 09 فبراير 2026 - 09:24 م

أخبار الأدب

قصة: دونالد بارتلمي ترجمة: كريم عبد الخالق مات إدوارد لير فى صباح يوم أحد من شهر مايو 1888 أُرسِلَت الدعوات قبل الحدث بوقت كافٍ. تقول الدعوات: السيد إدوارد لير.. كاتبُ الهراء ورسّام المناظر الطبيعية.. يطلبُ تشريفكم له.. فى مناسبة نفوقه.. فى سان ريمو، 2:20 صباحًا، 29 مايو.. فى انتظار ردكم. يمكن للمرء أن يتصوّرَ مشاعر المدعوّين. صديقنا العزيز! يستعد للرحيل! إلخ إلخ. السيد لير! الذى لطالما أمتعنا! إلخ إلخ على الجانب الآخر، أخذوا يحسبون سنوات حياته السيد لير! الذى لا بد أن يكون، دعنى أرى.. ثم تليها الكثير من، أتذكّر أول مرة (تصفّحتُ قليلًا مِن) (وقعتُ تحت أسرِ كذا).. لكن فى العموم، استقبلَ معارف السيد لير المناسبة بمزيج من الإجلال والعمليّة، ربما جراء تذكّرهم كلمات أبرز أصدقاء لير، تينيسون:  لابد للعجائز أن يموتوا.. وإلا أصبح العالم متعفّنًا. و: لأن الرجال قد يأتون ويرحلون.. لكننى باقٍ للأبد. استعدَ الناس لحضور وفاة إدوارد لير مثلما يستعدون لقضاء يوم فى الريف جُهِزَت سِلال التنزّه (لأنه سيكون من الخطأ توقُّع كرم ضيافة كبير من السيد لير، مع هذه الظروف) غُلِّفَت زجاجات نبيذ بمناديل بيضاء جُهِزَت الألعاب للأطفال وحدث نقاش حول إحضار الكلب أم تركه (فى الحقيقة، بعض الكلاب التى حضرت وفاة إدوارد لير لم تستطع كبح جماح نفسها؛ حيث انطلقت تلهو عبر غرفة المُحتَضِر، جذبوا الملاءات، واستمروا فى إزعاجهم لدرجة أنهم طُرِدوا من الغرفة). قرر معظم أصدقاء السيد لير أن الوقت الأنسب للوصول إلى الفيلا لا بد أنه منتصف الليل، أو الوصول إلى هذا الحى من الأساس، لكى يتركوا للرجل العجوز متسع من الوقت لتنفيذ أى ملاحظات تطرأ على باله، أو ليقوم بأى شيء يريده قبل المناسبة لقد فهم الجميع معنى التوقيت المحدد فى الدعوة لذلك، وجد الزوار أنفسهم يهبطون من عرباتهم (فى يد خادم لير جوزيبى أورسيني) فى ظلام يكاد يكون تامًا عندما توقفوا ليتبادلوا التحية أدركوا، أو ليطوّقوا أطفالهم التائهين، أنهم وصلوا فى النهاية إلى غرفة كبيرة فى الطابق الأول، حيث اعتاد الفنان عرض لوحاته، ومن ثم عبرَ سلالم مريحة واسعة وصلوا إلى غرفة مشابهة فى الطابق الثاني، هناك انتظرهم السيد لير بنفسه، فى السرير، مرتديًا سُترة تدخين مخمليّة قديمة ونظارة فضية مألوفة بعدستين بيضاويتين صغيرتين صُفَّت عشرات الكراسى ذات الظهر المستقيم ما يشبه نصف دائرة حول السرير، وشُغِلَت سريعًا، بينما وقف الواصلون لاحقًا على طول الحوائط. كانت كلمات السيد لير الأولى: «ليس معى مال!» وكلما وصلتْ مجموعة جديدة من الضيوف إلى الغرفة، كان يكرر الجملة، «ليس معى مال! لا مال!» بدا متعبًا بشدة، لكنه هادئ. بدت لحيته الكثة، الرمادية مع احتفاظها ببعض البُقَع السوداء، أنها لم تُشَذَّب منذ عدة أيام. بدا متوترًا وفورًا بدأ يخطب، وكأنه يمنع أى شخص آخر من أن يفعل ذلك. بدأ بشكر كل من حضر وأنه يتمنى ألا يكون قد ضايقهم بشدة، مشيرًا إلى أن تلك الساعة لم تكن «معتادة للزيارات!» قال إنه عاجز عن إيجاد كلمات قادرة على التعبير عن سروره برؤية كثير من أصدقائه مجتمعين بجواره. بعدها ألقى كلمة قصيرة، مدتها 12 دقيقة تقريبًا، حول عملية إنتاج أعماله الكتابية المختلفة، محاضرة عجز الجميع عن تذكّر محتواها، رغم أنهم أجمعوا أنها كانت ساحرة، وجميلة، وحكيمة. بعدها أذهل ضيوفه بسؤال، نطقه بنبرة أقرب للصياح: «أيجب أن أتزوج؟ هل أتزوج؟ هل أحصل على زوجة؟» ثم قدم السيد لير كلمة قصيرة موضوعها الصداقة قال، الصداقة هى أكثر العواطف ذهبيّة كما أنها، أكملَ السيد لير، أقوى العلاقات البشرية، حيث تتغلب على اضطرابات وعواصف تُنهى عادة العلاقات الأقل رِفعة ثم أشار إلى أن صداقاته تشكِّل الذكريات الأغنى عبر حياته الطويلة. تبع ذلك إلقاء أطروحة حول القطط. عندما وصل السيد لير إلى موضوع الأطفال، بدا على ضيوفه ضجر واضح ( لم يتوقف عن الصياح من حين لآخر «أيجب أن أتزوج؟» و«ليس معى مال!») بعدها عرضَ نسخًا من كتبه، لكن لأن الجميع كانوا قد قرأوها بالفعل، لم يتولّد عنهم أكثر من اهتمام مهذّب بعدها عرض عليهم، واحدة تلو الأخرى، لوحاته المائية، وهى عبارة عن مناظر لمناطق متنوعة وأماكن خلّابة كانت اللوحات، أيضًا، مألوفة لهم، كانت نفس اللوحات التى لطالما عرضها الرجل العجوز للبيع، بخمسة وعشرة جنيهات إسترليني، خلال السنوات الأربعين المنصرمة. انطلق السيد لير بعدها فى غناء نَص لتينيسون على طريقته الخاصة، بينما يعزف على ماندولين ورغم أن صوته كان واهنًا ويتهدّج من وقت لآخر، نالت الأغنية تصفيقًا حارًا. فى النهاية طلبَ من خدمه أن يُحضِروا إلى الغرفة لوحة زيتية ضخمة، أبعادها على الأقل سبعة أقدام فى عشرة، تصوِّر جبل آثوس. انطلقت همهمات استحسان، لكن لم يبدو على الرسام أنها أرضته، حيث اتخذ مظهرًا شاحبًا للغاية. فى تمام الثانية والربع قدّم السيد لير عددًا من الأنشطة ظل مغزاها مبهمًا للمشاهدين. وفى الثانية والثلث مد يده إلى خزانة السرير، وأمسك قلمًا عتيقًا كان قابعًا فوقها، ثم مات فى الحال أُخذ له قناع موت ثم تحرك الضيوف فى صف طويل، وهم يبكون دون تكلّف، إلى عرباتهم. اتفق هؤلاء الذين حضروا وفاة إدوارد لير، أنه كان فى المجمل، عرضًا مملًا نوعًا ما لماذا رأى أنه من المناسب أن يقرأ الأبيات القديمة نفسها، ويغنى الأغنيات المألوفة نفسها، ويعرض اللوحات المعروفة نفسها، ويمر عبر مؤلفاته نفسها مجددًا؟ لماذا الدعوات؟ ثم أدركوا شيئًا: أن السيد لير كان يفعل ما اعتاد فعله دائمًا ولذلك، لم يكن يفعل شيئًا مميزًا حوّل السيد لير المميز إلى غير مميز. لقد قدّم، فى الحقيقة، سوء فهم لطيفًا، وودودًا. لذا بدأ الضيوف، مع مرور الوقت، يتأملون المسألة فى ضوء تاريخي أخبروا أصدقاءهم عما حدث، أعادوا تمثيل أجزاء من الحدث لأطفالهم وأحفادهم. كانوا يعيدون إلقاء دندنة الرجل لجملة «ليس معى مال!» بنبرة تهكميّة، ويستشهدون بتعليقاته المتفرّدة عن الزواج. أصبح موت إدوارد لير حدثًا شهيرًا للغاية، مع مرور الوقت، لدرجة انطلاق إحياءات للحدث فى كل بقاع البلد، بنجاح كبير. يمكن أن تشهد موت إدوارد لير إلى الآن، فى المدن الأصغر حتى، عبر معالجات طُعِّمَت بتفسيرات جديدة، وتصحيحات نصّية، وتنويعات شكلية أحد هذه التنويعات كان غريبًا حقًا؛ لا أحد يعرف كيف حدث قدّمت الفرقة المسرحية العرض بالطريقة التقليدية، بينما ظهر لير وهو يصرخ، ويرتعش، ويهزّه الغضب.