التبرع بالجلد جائز للضرورة| الفقهاء: صدقة جارية تنقذ مصابي الحروق
د. محمود مهنى -- د. علاء الغريزى
الخميس، 12 فبراير 2026 - 09:46 م
سيد عبد النبى
التبرع بالجلد بعد الوفاة لإنقاذ مصابى الحروق يعد جائزًا شرعًا، ويُصنف ضمن أبواب التبرع بالأنساج لعلاج مرضى الحروق الخطيرة، لكونه وسيلة لإنقاذ نفوس من الهلاك، ولا يتعارض مع كرامة الإنسان إذا تم دون مقابل مادى وبموافقة مسبقة أو إذن الولي. يُعتبر التبرع بالجلد صدقة جارية، ويهدف لتغطية جروح الحروق الشديدة لمنع العدوى وفقدان السوائل فى هذا الشأن.
أكد د. محمود مهنى عضو هيئة كبار العلماء على أن التبرع بالجلد البشرى بعد الوفاة لاستخدامه فى علاج وإنقاذ أطفال الحروق، يُعد من القضايا الطبية المعاصرة التى تحتاج إلى نظر فقهى منضبط بمقاصد الشريعة الإسلامية. وأنه لا مانع شرعًا من إجراء عملية زراعة وترقيع الجلد عن طريق الانتفاع بجلد الإنسان الميت إذا كان هناك ضرورة داعية لذلك مع مراعاة أن يكون ذلك بعيدًا عن البيع والشراء والتجارة بأى حال، كما يشترط وجوب مراعاة الضوابط الشرعية والقانونية الضابطة لعملية نقل الأعضاء والأنسجة الآدمية إلى الحي.
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء أن جسد الإنسان له حرمة عظيمة فى الإسلام حيًا وميتًا، إلا أن الشريعة راعت حالات الضرورة القصوى التى يتوقف عليها إنقاذ الأرواح أو رفع الضرر البالغ، لافتًا إلى أن حالات الحروق الشديدة، خاصة لدى الأطفال، قد تستدعى تدخلات طبية دقيقة، من بينها ترقيع الجلد، إذا تعيّن ذلك وسيلة للعلاج، مع مراعاة أن يكون النقل بمركز طبى متخصص معتمد ومرخص له بذلك مباشرة بدون أى مقابل مادى بين أطراف النقل وضرورة ألا يؤخذ من جسد الميت إلا بقدر الحاجة، إذ إن ما أبيح للضرورة فإنما يقدر بقدرها مع ترميم مظهر جسد الميت بعد نزع النسيج الجلدى منه وتكفينه بما يناسب لذلك مرة أخرى واتخاذ كافة الإجراءات والضوابط التى تبعد هذه العملية من نطاق التلاعب بالإنسان ومن دائرة الاتجار بالأعضاء والأنسجة الآدمية ولا تحوله إلى قطع غيار تباع وتشترى، بل يكون المقصد منها التعاون على البر والتقوى وهذا لا يكون إلا فى التبرع وليس البيع.
وأشار «مهنى» إلى أن عددًا من المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء المعاصرة ناقشت مسألة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، وانتهت إلى جوازها بضوابط واضحة، ويقاس على ذلك التبرع بالجلد، باعتباره إجراءً علاجيًا يُؤخذ بقدر الحاجة ولا يمس كرامة المتوفى أو هويته الإنسانية.
وأكد أن من أهم الشروط الشرعية فى هذا الشأن تحقق الوفاة يقينًا، ووجود حاجة طبية حقيقية لإنقاذ حياة المصاب أو منعه من الهلاك أو التشوه الشديد، مع ضرورة موافقة المتوفى قبل وفاته أو الحصول على إذن الورثة بعد الوفاة، مع التشديد على تحريم أى صورة من صور البيع أو الاتجار.
وشدد على أن صيانة كرامة جسد الإنسان واجبة شرعًا، وأن أى إجراء طبى يجب أن يتم دون عبث أو امتهان، مبينًا أن التبرع إذا تم دون مقابل مادي، وفى إطار إنسانى منضبط، فإنه يدخل فى باب التعاون على البر والإحسان.
وأن الشريعة الإسلامية شريعة رحمة، راعت مصالح الناس ودفع الضرر عنهم، وأن الفقه الإسلامى قادر على التعامل مع المستجدات الطبية الحديثة بما يحقق حفظ النفس ويصون كرامة الإنسان فى آنٍ واحد.
وأكد د. علاء فتحى الغريزى، من علماء الأزهر الشريف، أن الأصل فى الشريعة الإسلامية هو حرمة جسد الإنسان حيًا وميتًا، فلا يجوز العبث به أو الانتقاص منه، مستدلًا بقول النبى : «كسر عظم الميت ككسره حيًا»، وهو ما يرسخ مبدأ صيانة كرامة الإنسان بعد وفاته، باعتبار أن الجسد ليس ملكًا لصاحبه، وإنما هو أمانة من الله تعالى.
وأوضح أن الفقه الإسلامى راعى فى الوقت نفسه حالات الضرورة والحاجة العلاجية الملحّة، ووضع لها قواعد تضبط الأحكام، من بينها: «الضرورات تبيح المحظورات»، و«الضرورة تُقدَّر بقدرها»، فإذا تعارضت مفسدة انتهاك جزء من جسد الميت مع مفسدة أعظم تتمثل فى هلاك نفس حيّة أو تعرضها لضرر بالغ، قُدِّم إنقاذ الحي.
وأشار إلى أن عددًا من الفقهاء أجازوا التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بشروط واضحة، منها: تحقق الوفاة يقينًا، ووجود ضرورة طبية حقيقية، وموافقة المتوفى قبل وفاته أو إذن الورثة بعدها، مع التشديد على أن يكون التبرع دون مقابل مادي، وصيانة كرامة جسد الميت وعدم التمثيل به.
وأضاف أن التبرع بجلد الميت يُعد أولى بالجواز من التبرع ببعض الأعضاء الأخرى، لأنه لا ينقل صفات أو أنسابًا، ويُستخدم أساسًا فى علاج الحروق الشديدة والتقرحات، سواء لإنقاذ حياة المصاب أو لتخفيف آلامه الشديدة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، مؤكدًا أن ذلك يدخل فى باب الصدقة الجارية والتعاون على البر والإحسان متى التُزمت الضوابط الشرعية.