أمريكا وبريطانيا: مراكز متخصصة لمواجهة إدمان الإنترنت والهواتف والألعاب
السبت، 14 فبراير 2026 - 08:35 ص
دينا جلال
ربما اقتصر الإدمان الرقمي منذ سنوات على التحذير منه خوفًا من تأثيره وتبعاته، وربما اعتبره البعض مجرد تحذيرات لا خوف منها أو تحمل اضرارًا بسيطة، ولكن على ارض الواقع هناك من تأثروا بالفعل وهناك من وجدوا انفسهم ضحية للإدمان الرقمي وهو الامر الذي فوجئوا بتبعاته في كافة نواحي حياتهم، مما دفع الكثيرون للكشف عن حالاتهم النفسية والاعتراف بوصولها إلى حد المرض والبحث عن حلول جادة لتلك الازمة.
يوصف الإدمان الرقمي في الولايات المتحدة الامريكية بمشكلة صحية نفسية خطيرة ومتزايدة فهناك ما يقرب من 5% إلى 10% من الأمريكيين معرضون لخطر الإدمان الشديد على وسائل التواصل الاجتماعي، و48% من مستخدمي الإنترنت يعتبرون أنفسهم مدمنين بالفعل أو مدمنين نسبيًا على الأجهزة، وتصل نسبة البالغين الى أكثر من 30% متصلون بالإنترنت بشكل شبه مستمر، ونحو نصف المراهقين متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم، أما الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عامًا فتشير الإحصائيات الى قضائهم 4 إلى 6 ساعات في المتوسط يوميًا، وهو الامر الذي يقود نحو زيادة مخاطر القلق والاكتئاب وقلة النوم والمشكلات السلوكية التي تتشابه او تتنافس مع أعراض إدمان المخدرات.
وظائف الدماغ
رصد المركز الوطني للإحصاءات الصحية خصائص الإدمان وآثاره ومقارنته بإدمان المواد المخدرة لتكشف؛ أن الإدمان الرقمي ينطوي على الرغبة الشديدة، وفقدان السيطرة على النفس، والاستمرار في الاستخدام على الرغم من العواقب السلبية على الصحة ودائرة العلاقات، أما التأثير الجسدي أو العقلي فيرتبط الإفراط في استخدام الشاشات بتغيرات في وظائف الدماغ، وضعف جودة النوم، وزيادة القلق، والاكتئاب، والسمنة، وانخفاض الأداء الدراسي والأكاديمي، وتعد إتاحة الوصول إلى الأجهزة والشاشات على مدار اليوم وطوال أيام الأسبوع هو جرعة الدوبامين التي تبعثها وسائل التواصل الاجتماعي وتخلق عن طريقها حالة الاعتماد، أما استراتيجيات الحلول فيوصي الخبراء باتباع حمية رقمية من خلال وضع حدود صارمة للاستخدام، وتجنب الشاشات عند الاستيقاظ أو قبل النوم، وإنشاء مناطق او اوقات خالية من التكنولوجيا.
تزداد الامور خطورة لتصل إلى حد اللجوء إلى المساعدة المهنية واتباع العلاج السلوكي ومجموعات الدعم، وفي بعض الحالات توصف للبعض الأدوية لعلاج الاضطرابات المصاحبة مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط أو إدمان الألعاب الشديد، وبالرغم من عدم تصنيف الادمان الرقمي رسميًا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية إلا أن الآثار الضارة للاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية معترف بها على نطاق واسع باعتبارها مشكلة صحية عامة خطيرة وصلت الى حد إنشاء مراكز متخصصة لإعادة التأهيل ومواجهة إدمان الإنترنت، الهواتف، الألعاب، والشاشات.
مركز تأهيل
الامر ليس جديدًا وعلاج ضحايا الإدمان الرقمي دخل في حالة الجدية منذ سنوات وهو ما أعلن عنه الإعلام الأمريكي للكشف عن أول مركز لعلاج إدمان الإنترنت في أمريكاReStart أو ريستارت، بالقرب من مدينة سياتل بواشنطن، وبالمصادفة فهو يبعد عشرات الاميال فقط من مقر شركة مايكروسوفت، اعتمد المركز الصحي على مساعدة مرضاه على التخلص من إدمان استخدام الشاشات بشكل مفرط وقضاء اليوم في مهام بسيطة يومية كالطهي والتعليم وممارسة الرياضة ورعاية المنزل، تدير المركز هيلاري كاش، مستشارة نفسية مرخصة الحاصلة على درجة الدكتوراه، بدأت علاج أنواع مختلفة من إدمان التكنولوجيا منذ منتصف التسعينيات، حققت تقدمًا ملحوظا مع معظم مرضاها في عيادتها، وتؤكد هيلاري انه في حالة الابتعاد عن الشاشات والإنترنت لفترة كافية فسوف يتخلص الجسم من السموم للحصول على منظور جديد والتعرف على النفس والعالم بطريقة مختلفة، واشارت إلى أن إدمان ألعاب الفيديو كان الاكثر صعوبة وعنادًا.
نفس الأمر لاحظته الأخصائية الاجتماعية كوزيت راي التي انشأت مركز «ريستارت» في عام 2009، وحولت منزلها؛ ليكون بمثابة حرم جامعي للمرحلة الأولى من برنامج علاج البالغين، تلقى نحو 250 بالغًا العلاج في المركز، وافتتح برنامجا للأطفال من سن 13 إلى 18 عامًا في مكان قريب منذ بداية عام 2017، لاقى إقبالًا كبيرًا، وعند مجيئ أى شخص يعيش في حالة إنكار أو تردد لحاجته للعلاج، فإن ذلك غالبًا ما يتغير خلال فترة إقامته التي تتراوح بين سبعة وتسعة أسابيع».
هروب إلكتروني
تشير هيلاري إلى ملاحظاتها حول المراهقين ممن تركوا وسائل التكنولوجيا داخل مركزها العلاجي لتفاجأ؛ بأنهم يجهلون الطبخ، والتسوق، وغسل الملابس، فهم لم يكونوا مستعدين للعيش كأفراد مسئولين قبل التأهيل، ولا يقتصر الامر على افتقارهم مهارات الحياة فقط بل يفتقرون مهارات تنظيم المشاعر، ومهارات التواصل، والمهارات الاجتماعية وهو الامر الذي يثير قلقًا بالغًا فهم يعتادون الهروب من تلك الامور المعقدة في نظرتهم ويشتتون انتباههم بأنشطتهم على الإنترنت.
أحد افراد المركز العلاجي أو احد مرضاها هو الشاب جيف،22 عامًا، أدمن ألعاب الفيديو بعد انتقاله إلى الجامعة وشعوره بالوحدة والعزلة الاجتماعية، وجد في إحدى الالعاب القتالية الجماعية الشهيرة التقدير والانتماء الذي افتقده، ما أدى إلى فشله الدراسي وطرده من الجامعة ثم من منزل أسرته، عاش فترة من التشرد وعمل بدوام جزئي، قبل أن يلتحق بمركزReStart لإعادة التأهيل، أقام أولا مع أسرته لفترة قصيرة، ثم انتقل إلى شقة مستأجرة تابعة للمركز مع متعافين آخرين، ضمن قواعد صارمة بمنع الالعاب الإلكترونية أو التعامل المبالغ مع الشاشات وانتهت تجربته بتعلم مهارات الحياة والتواصل، واستعاد ثقته بنفسه، وتحسنت علاقته بوالديه، ويستعد الآن للاستقلال والدراسة والعمل من جديد.
بريطانيا
وفي بريطانيا قررت هيئة الخدمات الصحية الوطنية إطلاق أول عيادة او مركز في لندن لعلاج إدمان الإنترنت منذ 7 سنوات ويركز على اضطرابات الألعاب، مع خطط لتوسع خدماته لتشمل أنواع الإدمان الأخرى المرتبطة بالإنترنت على ان يكون مقرًا للعلاج والبحث وتقديم المشورة للأسر، كشفت صحيفة الجارديان أن أحد مستشفيات لندن اطلقت المركز العلاجي بتمويل من هيئة الخدمات الصحية الوطنية للشباب والبالغين، وتزامن القرار مع حالة القلق بسبب الاعتماد على الإنترنت والألعاب، حيث صنفت منظمة الصحة العالمية اضطراب الألعاب كحالة صحية عقلية.
اسست الطبيبة النفسية هنرييتا بودن جونز، مؤسسة العيادة؛لتؤكد أن اضطراب إدمان الألعاب الإلكترونية حظى باهتمام متزايد بعد اعتراف منظمة الصحة العالمية به كاضطراب صحي، واشارت إلى أن الاضطراب لا يشكل وباءً واسعًا، لكنه مدمرًا لمن يعانون منه، خاصة الشباب المهددين بالتسرب الدراسي، وقالت في احدى تصريحاتها: هناك دول أخرى تقدم خدمات مجانية في آسيا، نحن متأخرون جدا، التركيز في البداية على الألعاب الإلكترونية لحماية الشباب من التسرب من المدارس وتشمل الأعراض ضعف السيطرة على ممارسة الألعاب الإلكترونية، والاستمرار فيها أو تفاقمها رغم عواقبها السلبية، وصنفتها العديد من الدول الدول بالفعل كمشكلة صحية عامة رئيسية.
علاج بالفيديو
مركز علاجي آخر او عيادة لعلاج اضطراب إدمان ألعاب الفيديو والإنترنت، يتبع هيئة الخدمات الصحية الوطنية NHS في المملكة المتحدة وتخضع لإشراف المركز الوطني للإدمان السلوكي في المملكة المتحدة بغرب لندن تم افتتاحها في عام 2021، ويستقبل حالات من جميع أنحاء إنجلترا وويلز، ويستخدم جلسات العلاج عبر مكالمات الفيديو احيانا للتواصل مع المرضى الذين قد لا يستطيعون الحضور شخصيًا، وتشير بيكي هاريس مديرة العيادة والمعالجة الأسرية؛ ان العيادة عالجت أكثر من 300 شخص منذ افتتاحها، منهم حوالي 200 حالة في عام 2021 فقط، واشارت الى ان 89% من المرضى الذين يتلقون العلاج في مركز اضطرابات الألعاب الإلكترونية من الذكور، لكن هناك تنوع في الأعمار، وتستقبل العيادة مرضى من سن 13 عاما، مع حالات أقل بين 8 و12 سنة.
اقرأ أيضا: الاتحاد الأوروبي يطلب من تيك توك تغيير تصميمه المشجع على الإدمان