بيلا تار
بيلا تار


فى وداع بيلا تار إله البطء السينمائى

أخبار الأدب

الإثنين، 16 فبراير 2026 - 08:33 م

بيتر براد شو

ترجمة: أسماء يس



حين بدأ بيلا تار (١٩٥٥-٢٠٢٦) مسيرته الإخراجية كان مؤمنًا أن بإمكان السينما أن تغيِّر العالم، لكنه بعد إنجازه لأفلامه التسعة، غيَّر رأيه، وجدها لا تستطيع أن تفعل ذلك، لكنها على الأقل لغة، تستطيع تغييره قليلاً وهذا يكفيه. 

فى السنوات الأخيرة توقف تار عن صناعة الأفلام لأنه ببساطة لا يريد أن يكرر نفسه ويضجر المشاهد فقد فهم بعد غضب الشباب الأول ومحاولاته لإثبات عطب المجتمع أن المشكلات ليست اجتماعية فحسب، بل كونية. ومع شهرته الواسعة كمخرج صاحب بصمة مميزة فى موضوعاتها وتقنياتها لم يرَ فى نفسه فنانًا حداثيًّا، كان يقول: «أنا مجرد صانع أفلام بسيط”!

سيدرك أى مشاهد لسينما بيلا تار أنه اتخذ من البطء واللقطات الطويلة جدًا أسلوبًا وتمسك به على طول الخط. وأمام انتقادات بأن ما يقدمه سينما عنيدة -وربما مملة وغير محتملة- ترفض مسايرة إيقاع العصر اللاهث، كان يرى أن السينما السريعة تخدر المشاهد، بينما تحمله السينما البطيئة مسؤولية النظر. هو إذن لا يختزل الزمن ولا يضغطه مثل السينما التقليدية، بل يمنحه الفرصة ليتمدد، واللقطات الطويلة عنده ليست وسيلة إبهار بقدر ما هى إعلان لرفض فكرة استثمار الزمن أو تسريعه والبطء فى أفلامه منطلق من أن الإنسان لم يعد بطلاً فى هذا العالم، فهو الشاهد على انهياره، وأن الزمن لم يعد يحمل المزيد من الوعود، بل صار عبئًا عليه تحمله حتى النهاية.

شخصيًّا -كواحدة من جمهور أفلامه- لا أجد فى أسلوبه البطىء ما يخالف الجمال، فكادراته شديدة الدقة، والحركة فيها محسوبة وفقًا لإيقاع داخلى صارم، وحتى إن كان جمالاً قاسيًا يؤرخ للخراب ويثير القلق فلن تستطيع أن ترفع عينيك عنه أو تتجاهله. 

معظم أفلام تار اعتمدت على روايات مواطنه -صاحب نوبل- لاسلو كراسناهوراكاى، السوداوية الأبوكاليبسية بتيمتها المفضلة فى التقاط الانهيار الأخلاقى والسياسى ومن ثم فالبطء هو الأسلوب المناسب لعالم تآكلت فيه الحكاية لصالح الحالة، وفقد اليقين فى الحركة، إذ لا شىء يتقدم، وليس أمامنا إلا الاعتراف بأننا فى زمن ما بعد التاريخ، حيث يتكرر السقوط فى دوامة لا تنتهى.

فى حواره الصحفى الأخير (يوليو ٢٠٢٤) لم يتكلم تار عن البطء، تكلم عن القوة التى يرغب فى أن يشعر بها المشاهد بعدما يخرج من السينما.

هنا مقال لـ بيتر براد شو، يودّع فيه بيلا تار الذى رحل عن عالمنا فى يناير الماضى.

يشتهر المخرج المجرى بيلا تار بأفلامه الأبيض والأسود ذات الطابع الوجودى المثير للتأمل وهو هنا يشرح أسباب مغادرته وطنه الأم لإدارة مدرسته السينمائية الخاصة، ولماذا يعشق تشيخوف وهتشكوك وجاس ڤان سانت.

لسنوات طويلة، ظلت أفلام بيلا تار المذهلة غير متاحة فى المملكة المتحدة كان يعتبر عبقريًّا هاربًا من رواد السينما الأوروبية الراقية، وهو فى عالم السينما أشبه بالكولونيل كورتز المختبئ فى أعماق غابة الأفكار.

لكن فى 80 و90 القرن الماضى، بدأت أعمال المخرج المجرى تعرض فى بريطانيا، وقد أذهلت أفلامه الطويلة للغاية الجمهور المتذوق، أو حيرته وغالبًا ما كانت هذه الأفلام مقتبسة من روايات الكاتب المجرى الحداثى الشهير والمعقد [الفائز بجائزة نوبل بعد هذا الحوار بعام- نسخة 2025] لاسلو كراسناهوركاى، وقد تولت زوجته آجنس هرانيتسكى مونتاجها وإخراجها، وتميزت بموسيقى ميهاى فيج. 

اعتزل تار صناعة الأفلام عام ٢٠١١ ليدير مدرسته السينمائية، المعروفة باسم «فيلم فاكتورى»، فى سراييڤو.

تتميز أفلام بيلا تار بلقطات كاميرا طويلة جدًا متصلة ومرنة، أغلبها بالأبيض والأسود، تظهر أناسًا كئيبين، غالبًا ما يسيرون بلا كلل عبر سهول جرداء فى عالم قاتم موحش، وأحيانًا يسكرون بيأس فى حانات قذرة ويرقصون معًا بخطوات غير متزنة، فى احتفال صاخب للأموات الأحياء. 

على سبيل المثال يظهر فيلم «اللعنة» (1988) رجلاً مكتئبًا واقعًا فى حب مغنية كباريه، ويتعامل مع الموقف كشخصية معذبة من شخصيات صموئيل بيكيت. ويتناول فيلمه «تناغمات فيركمايستر» (2000) مجتمعًا بأكمله يستسلم للتنويم المغناطيسى الجماعى، الذى أثاره وصول سيرك غريب، بقيادة شخصية ديماجوچية شريرة تدعى «الأمير»، يعرض شيئًا جذابًا واحدًا: حوت عملاق نافق. لكن فيلمه الأكثر إثارة للدهشة على الإطلاق هو فيلم «ساتانتانجو (1994)، الذى يتناول قصة مجتمع قروى يهمل حياته ليتبع شخصية كاريزمية إجرامية من طائفة دينية، يُزعم أنها عادت من الموت. يمتد الفيلم لسبع ساعات و19 دقيقة، وهو أشبه ببيت مسكون ضخم، فيلم رعب على طراز قوطى أوروبى قروسطى، وملحمة مجنونة من خيبة الأمل واليأس، تذكِّرنا بأعمال جوجول وتاركوفسكى.

عندما أجريت مقابلة مع بيلا تار، كان ذلك عبر مكالمة ڤيديو، وكانت كاميرا التابلت الخاص به معطلة، فتحدث إلىَّ من خلف شاشة سوداء، تتلاشى دلالاتها المجازية أمام دفئه وخفة ظله. وسألته إن كان يستمتع بتدريس الشباب بقدر ما استمتع بصناعة الأفلام، فأجاب بحزم: «لا. صناعة الأفلام أشبه بالمخدرات، وما زلت مدمنًا عليها! لكننى أرغب فى العمل مع الشباب لأننى أريد فقط أن أدفعهم ليكونوا على طبيعتهم، وأن يكونوا أحرارًا، وأكثر ثورية مما كنت عليه… وشعارى بسيط للغاية: لا تعليم، فقط تحرير!». 

فلماذا توقف عن الإخراج بعد فيلمه «حصان تورينو» عام 2011، الذى تخيل مصير الحصان الذى احتضنه نيتشه بدموع قبل انهياره؟ وكيف أسس مدرسة السينما فى الخارج؟ 

“كان الأمر بسيطًا… انتابنى شعور بأننا أنجزنا كل ما أردناه. انتهى العمل، ولكم الخيار فى قبوله أو رفضه. لم يعد من شأنى… أردت أن أكون منتجًا، أعمل مع السينما المجرية الجديدة. كان لدينا مكتب إنتاج، ولن تصدقوا ما كان على مكتبى؛ ما لا يقل عن عشرة مشاريع مختلفة! أحببت العمل مع هؤلاء الناس.

لكن بعد ذلك جاءت هذه الحكومة، هذه الحثالة اليمينية المتطرفة، وقالت بوضوح إن علينا التقدم بطلبات متوافقة مع الشروط الجديدة، وأن علينا تلبية التوقعات، فى النهاية قلت: تبًا! من الأفضل أن أسلم جميع الأفكار والمشاريع والنصوص وأغادر البلاد، لأننى أشعر أن الوضع ميؤوس منه». 

وهذا يقودنى إلى البعد السياسى فى أفلامه ومع استعراض أعماله سنخلص لشىء جديد: حكاية رمزية عن عبادة السلطة، والهستيريا الجماعية، والقابلية للتأثر، مستشرفًا ببراعة سياسات عبادة الشخصية فى الحقبة السوڤيتية، وعوالم القومية والفاشية وڤيكتور أوربان الذى سيأتى لاحقًا. بلا شك فيلم «ألحان فيركمايستر» يستحضر آلام الانتفاضة المجرية عام 1956، وحكم فيرينك سالاشى المتعاون مع النازية من عام 1944 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وها هو يشعر كأن كل ذلك يتكرر من جديد. فهل يعتبر أعماله تحذيرًا من خطر الفاشية؟

كان رد تار عميقًا: «الأمر لا يقتصر على الفاشية فحسب، بل يشمل الشعبوية برمتها… وهذا هو الفرق بين المجر والمملكة المتحدة، لا تزال المجر تفتخر بهذا الهراء. لقد كان كابوسًا، ولا يزال… إن رؤية الناس ينتهجون ذلك جحيم حقيقى وأمر لا يصدق فى القرن الحادى والعشرين... لهذا السبب ولحسن حظى، أعمل فى الخارج، مع شباب تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عامًا”.

وحين تساءلت إن كانوا يتلقون تدريبًا على اللقطات الطويلة والتصوير الكئيب الأحادى اللون؟ دوى صوته من ظلمة شاشة التابلت: «لا! ممنوع عليهم اتباع أسلوبى! عليهم أن يطرحوا أسئلتهم الخاصة... عليهم أن يتحدوا أنفسهم”.
بالطبع، لا يقع الطلاب والشباب فى العشرينات من عمرهم فقط تحت سحر هذا الرجل العظيم، فقد أخرج جاس ڤان سانت فيلمًا بطيئًا بعنوان «جيرى» عام 2002، من بطولة مات ديمون وكيسى أفليك، ويتناول قصة رجلين يضلان طريقهما فى الصحراء ويتجولان فيها بأسلوب تار المميز. يضحك تار وهو يستذكر صديقه القديم ڤان سانت وهذا التكريم: «لقد دعانا لحضور عرض خاص، وشاهدته. قلت: إن أردت فعل ذلك، فبإمكانك… فكما تعلم، يمكنك تقليد الأسلوب، لكن الروح؟ ها! أقسم بالله أننى صديق حميم لجاس، وفى آخر مرة زرت لوس أنجلوس، تناولنا العشاء معًا!”.

من الأمور الأخرى غير المتوقعة فى أفلام تار، الكوميديا السوداء الجافة جدًا، التى تكاد تكون منقرضة. لقد ضحكت بصوت عال عندما أدرك الطبيب البدين السكير فى فيلم «ساتانتانجو»، الذى يؤدى دوره بيتر بيرلينج، الممثل المفضل لدى فيرنر هيرتزوج، أن البراندى نفد منه، وأنه سيضطر إلى شراء المزيد، فقال بنبرة حزينة: يبدو أن علىَّ مغادرة المنزل...». 

يقول تار: «أنت محق تمامًا… قرأت مرة أن تشيخوف قال إنه لم يكتب إلا الكوميديا، ولم يفهم لماذا كان الناس يتعاملون مع مسرحياته على أنها نوع من الدراما. أعتقد أننا كنا نصنع الكوميديا... يمكنك أن تضحك كثيرًا”.

وبعيدًا عن الكوميديا، هناك أفلام الجريمة. فيلمه مع تيلدا سوينتون «الرجل من لندن»، ٢٠٠٧، مستوحى من رواية لچورچ سيمينون، وقد أنتج قبل ذلك كفيلم إثارة بريطانى تقليدى بعنوان «ميناء الإغواء» فى عام ١٩٤٧ من بطولة روبرت نيوتن وويليام هارتنيل، لكن نسخة تار الأكثر بطئًا وتأملاً أشبه بالحلم.

يقول تار: «أحب أفلام الجريمة… هيتشكوك أحد مخرجى المفضلين… لا يمكنك أن تكون متعصبًا أو تقليديًّا، عليك أن تكون منفتحًا!”.


من أكثر المشاهد التى أعجبتنى فى أفلام تار، تلك اللحظة التى يفصح فيها قائد الشرطة الغامض والفاسد فى فيلم «ساتانتانجو» فجأة عن رؤيته للوجود: «الحياة البشرية ذات معنى، غنية، وجميلة، وقذرة!». قد يكون هذا بالفعل وصفًا دقيقًا لأفلامه، لكن ما شعوره عندما يصفها الناس بالتشاؤمية؟


يكتسب صوته نبرة جهورية عميقة: «إذا كنت متشائمًا حقًا، ستصعد إلى السطح وتشنق نفسك، لن تستيقظ فى الرابعة صباحًا وتذهب إلى الريف من أجل التصوير! سؤالى الوحيد هو: كيف شعرتَ عندما خرجتَ من السينما بعد مشاهدة فيلمى؟ هل شعرتَ بالقوة أم بالضعف؟ هذا هو السؤال الأهم... أريدك أن تشعر بالقوة».

وكانت إجابتى الصادقة أننى شعرت بالقوة والضعف معًا بنسبة ثلاثة إلى اثنين. لكنك تخرج وأنت على يقين بأنك شاهدتَ شيئًا مختلفًا تمامًا عن أى شيء آخر فى عالم السينما. 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة