إريك إيمانويل شميت
عندما يقتل الكاتبُ المؤلِّف
الإثنين، 16 فبراير 2026 - 08:42 م
إريك-إيمانويل شميت
ترجمة: أصالة لمع
يظن المؤلف أن قيمة النص تأتى منه أما الكاتب فيدرك أن القيمة تنبع من النص نفسه.. المؤلف متلذّذ أما الكاتب فناسك!
«يجب أن تقتلوا أعزاءكم!»
هذه توصية تُنسب عادةً إلى فوكنر اسمه يزن كثيرًا فى المكتبات بالنسبة لآرثر كويلر كوتش، صاحب العبارة الحقيقى، وهو ناقد بريطانى بات اليوم منسيًّا إلى حدٍّ يسمح بسرقة أقواله دون أن يعترض كان يقول: «فى كل مرة تشعر فيها باندفاع يراودك لكتابة مقطع استثنائى الجودة، استجب له بكل حماستك… ثم احذفه قبل أن ترسل مخطوطتك إلى الطباعة. اقتل أعزاءك».
ما «العزيز»؟ إنه ذلك المقطع الذى نكتشف فيه فجأةً كم نحن رائعون عبارة براقة استعراض بلاغى. فكرة حاسمة. تحليق ساحر. وصف أخّاذ. مشهد يُدار بجرأة واثقة. باختصار، لحظة نقع فى حبّها حتى نخجل، ونعيد قراءتها بصوت عالٍ لكل من نصادفه مقتنعين أننا نملك البرهان على أننا نجيد الكتابة. «العزيز» هو المكان الذى يجد المؤلف فيه متعته فى ذاته نفسها.
لكن الرضا عن الذات ليس معيارًا أدبيًا. فإذا كانت فقرة لا تخدم مجمل السرد، أو تبتعد عن بنيته، أو تكسر إيقاعه، يجب الإعراض عنها لا يهمّ الإلهام: لا شىء يجب أن يتفوّق على صرامة الاختيار وباسم الانسجام العام، نمحو شظايا المرايا التى نتأمل فيها أنفسنا بإعجاب.
ولِمَ يحذف المؤلف ما يحبّه أكثر؟ لأنه لا يصير كاتبًا حقًّا إلا حين يقلب العلاقة الهرمية بينه وبين كتابه: فيغدو العمل أهمّ من صاحبه فاصلاً بين ما تمليه عليه عاطفته الخاصة وما تفرضه ضرورة النص، يأخذ مسافة نقدية من ذاته، يقيس وظيفة كل جملة، يقدّر ما يدعم أو يعيق تقدم عمله، ويحرص على دقة الأسلوب.
فى المحصّلة، كل كاتب هو قاتلٌ لنفسه يتخلى عن مجده الصغير، ويترك مكانه للكتاب، الذى ينصرف إلى تلبية متطلباته فى الحقيقة، الكاتب الحقيقى يقتل المؤلف حياته تبدأ مع هذا التنازل. المؤلف يظن أن قيمة النص تأتى منه؛ أما الكاتب فيدرك أن القيمة تنبع من النص نفسه المؤلف متلذّذ، والكاتب ناسك. بتعبير آخر، المؤلف يزرع نرجسيته، والكاتب يمحو نفسه أحدهما يتباهى، والآخر ينحنى.
متى أقول إن النص قد اكتمل؟ عندما لا أعود أرى نفسى فيه عندما لا أجد فيه تزيّنًا ولا مجاملةً للنفس عندما يكون الجهدُ قد محى كل أثر للجهد عندما تتوارى المشقّة أمام البداهة عندما يدير النصّ ظهره لى، ويتقدم وحده، متحررًا من عبء مولّده الثقيل.
كان مايكل أنجلو يزعم أن النحّات يحرّر الشكل من الرخام بإزالة ما يحاصره. ما الذى يخنق الشكل الأدبى؟ المجانية، العادات الأسلوبية، اللمسات المتكلّفة، الرغبة فى الإبهار، اتباع موجات الموضة، ابتذال العصر، السعى إلى التميّز، واللحاق بإغواءات حداثة خارجية وسطحية: كل ما يعجب المؤلف أكثر مما ينبغى، وينتهى إلى إرهاق القارئ الكاتب الجيد لا ينحت فى الحجر، بل ينحت فى كبريائه. التقليم، والتكثيف، والتنقية: أفعال حاسمة فى نضج النص ونضج صانعه، حتى يتحول المؤلف إلى كاتب.
وهكذا، فإن «قتل أعزّائه» أى قتل المؤلف فى داخلنا ليس فعلاً هدّاماً؛ بل على العكس، هو انفتاح نحو حركة خلّاقة. الانسحاب يتجلى كمسار شاعرى، تجريد يسمح بالاقتراب من الكتاب.
نصيحتى؟ اقتلوا! فالنثر يحتمل الغرور بشكل سيئ، والرواية لا تُبنى لا عبر تكديس صفحات جميلة ولا عبر إشعاع شخصية نرجسية، بل بهندسة مشيّدة بصبر، وبعمل واعٍ، يكون أحياناً مؤلماً.
الأدب يولد مما يقبل الكاتب أن يضحّى به. قتل «أعزّائه» هو القضاء على المؤلف وعندها فقط يمكن للكاتب أن يظهر.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
وظيفة الشاهد
ليست مجرد محاكاة للماضى: كتابة رواية تاريخية بأسلوب جديد
راهب بيت لحم
بعد فوز روايته بجائزة الجونكور
الرجل الكامن وراء الأسطورة
زينب السجينى.. دوائر الألفة والونس
لماذا السير الذاتية أقدر الكتب على تحدى «الطبيعى»؟
رشيد بنزين: الأدب لا يعيد الأموات لكنه يحفظ المقاومة
بعد حصولها على جائزة جونكور للشباب: ناتاشا أبانا: الرواية هى الجملة الأولى









