د. محمد غنيم.. جعل الطب رسالة لعلاج أوجاع البسطاء
الثلاثاء، 17 فبراير 2026 - 09:19 م
حازم نصر
قلوب تبنى وأيادى تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل ، حين تصفو القلوب. تتجدد حكايات الخير ، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم ، وأن التضامن ليس موسما، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس .
ليست قصة تروى، بقدر ما هى أثر باق فى القلوب قبل الصفحات، يحكيها كل من ذاق نعمة الشفاء داخل مركز الكلى بالمنصورة، وتحفظ تفاصيلها بيوت آلاف البسطاء الذين امتدت إليهم يد الرعاية بعد العلاج، دون أن يعرفوا اسم صاحبها، أو ينتبه أحد إلى ما كان يجرى فى صمت، إنها رحلة عطاء لم تتوقف يوما، قادها عالم كبير آمن بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه للآخرين.
الدكتور محمد أحمد غنيم، عالم مصر الكبير، رائد زراعة الكلى فى الشرق الأوسط، ومؤسس مركز الكلى والمسالك البولية بالمنصورة، والأب الروحي لهذا التخصص على مستوى العالم، رجل لم يغادر محراب العلم، فكان ولا يزال، يقضى ساعات طويلة كراهب فى معمله، منكبًا على أبحاث علمية حيوية، فى هذا العمر المتقدم، على أمل الوصول إلى جديد يخفف آلام المرضى فى كل مكان.
ولد الدكتور محمد غنيم فى 17 مارس عام 1939 بحى العباسية، بين أسرة تعشق العلم وتقدسه، انتقل مع أسرته للإقامة بمحافظة الجيزة، بالقرب من كلية الزراعة بجامعة القاهرة، حيث كان والده أحد كبار الأساتذة بها، وفى هذا المناخ تشكل وعى مبكر بقيمة المعرفة والالتزام.
تلقى غنيم تعليمه قبل الجامعى فى مدارس حكومية، وظل هذا التعليم مصدر اعتزاز له، مؤكدا أن التعليم الحكومى فى ذلك الوقت كان تعليمًا جيدًا، لم يقتصر على الدراسة فقط، بل شمل أنشطة فنية وعلمية شكلت جانبًا مهمًا من التنشئة، من غرف الموسيقى والفنون، إلى المعامل، وممارسة الرياضة، والمكتبات، وكلها أسهمت فى بناء شخصية التلاميذ فى سنوات التكوين الأولى.
وبتفوقه الدراسي، التحق بكلية طب القصر العيني، حيث كان طالبًا مثابرًا حافظ على نبوغه، وبعد التخرج، اعتمد على نفسه كعادته، فاكتسب خبرة كبيرة من خلال عمله فى جامعة بنها، حتى جاءت اللحظة الفارقة فى حياته المهنية.
وفى عام 1965، انتقل للعمل بكلية طب المنصورة، ليبدأ أهم مراحل حياته، حيث بادلته المدينة وأبناؤها حبًا بحب، فاستقر بها، ومنها انطلقت مسيرة امتدت لأكثر من 60 عامًا من العمل الجاد المتواصل، ولم تتوقف حتى اليوم.
اختار الدكتور غنيم تخصص المسالك البولية عن قناعة ورغبة فى خدمة أكبر عدد ممكن من المرضى من أبناء مصر، فى وقت كانت تنتشر فيه أمراض بعينها، على رأسها البلهارسيا، التى تسببت فى مشكلات جسيمة للجهاز البولي، فضلًا عن وقوع مصر فى منطقة تعرف بـ»حزام الحصوات»، حيث ترتفع معدلات تكون الحصوات بدرجة كبيرة، ما عزز لديه الإيمان بأهمية هذا التخصص.
حصل على درجة الدكتوراه من القاهرة، ثم سافر إلى إنجلترا وأمريكا، حيث اكتسب خبرات طبية عصرية، وترسخت لديه قيم الانضباط والصرامة فى العمل الطبي، ليعود إلى المنصورة، المدينة التى أحبها، ويؤسس بها أهم قسم للمسالك البولية فى الشرق الأوسط.. كان القسم 4 بالمستشفى الجامعى بالمنصورة مضرب الأمثال فى النظافة والانضباط والرعاية الفائقة للمرضى، ما أكسبه ثقة المجتمع الدقهلاوي، الذى أهدى القسم أول جهازين لغسيل الكلى، واستمر النجاح حتى أجرى الدكتور غنيم أول عملية زراعة كلى ناجحة عام 1976، بإمكانات طبية متواضعة، لفتاة من قرية ميت بدر خميس المجاورة للمنصورة، تبرعت لها والدتها بإحدى كليتيها.. وكان نجاح العملية بداية مبشرة لبرنامج أصبح لاحقًا من أنجح برامج زراعة الكلى فى العالم، حيث قاد الدكتور غنيم فريقًا طبيًا تعلم على يديه، ونفذ أكبر عدد من عمليات زراعة الكلى داخل مركز واحد،
وكانت زيارة الرئيس الراحل أنور السادات لقسم المسالك البولية بمستشفى جامعة المنصورة عام 1978، وتعيين الدكتور غنيم مستشارًا طبيًا له، دعمًا كبيرًا، فتح الطريق لتحقيق حلم تأسيس مركز متخصص للكلى والمسالك البولية.
بدأت رحلة إنشاء المركز كأول مركز متخصص من نوعه فى الشرق الأوسط، وكانت رحلة شاقة مليئة بالتحديات المالية والإدارية والفنية، إلا أن الإصرار والمثابرة تغلبا على العقبات، ونجح فى افتتاح المركز عام 1983.
وأدرك ببصيرته النافذة أن المركز ليس مشروعًا شخصيًا، بل مشروع للوطن، وأن صون ريادته واستمرار تميزه يفرضان وضع ضوابط واضحة وصارمة، تظل حاكمة للعمل داخله، وملزمة لكل من يتولى مسؤولية إدارته من بعده، فسعى غنيم لاستقلال المركز ماليا وإداريا، ووضع قواعد صارمة لعلاج المرضى دون تمييز.. وأكد أن التفرغ الجامعى ضرورة أساسية نظرًا لتعدد مسؤوليات عضو هيئة التدريس من تعليم وبحث علمى وخدمة مجتمع، مع ضرورة توفير رواتب تتناسب مع هذه الأعباء، واقتصار المناصب القيادية على المتفرغين.
د. أحمد بيومى شهاب الدين، رئيس جامعة المنصورة الأسبق وأول مدير للمركز بعد بلوغ الدكتور غنيم السن القانونية للمعاش، أكد أن غنيم سيظل أيقونة مصرية فريدة، وعطاء لا ينفد.
وأشار د. باسم صلاح، مدير مركز الكلى وعضو مجلس علماء مصر، إلى أن أستاذه الكبير لا يزال حتى اليوم يواصل بذل جهوده المضنية المعهودة داخل المركز، الذى منحه كما منح مرضاه خلاصة جهده وفكره ووقته، مؤكدًا أن ما يحظى به من تقدير واحترام من أبناء وطنه، إلى جانب التكريم فى المحافل الدولية، ليس أمرًا مستغربًا.
ولفت جار دكتور غنيم، المحاسب مراد زيادة، إلى أن كثيرين لا يعلمون أن الدكتور غنيم ما زال يقيم فى المنصورة فى الشقة نفسها التى استأجرها منذ أكثر من 60 عامًا، مؤكدًا أن الدكتور غنيم وأسرته يمثلون نموذجًا للنبل الإنسانى والبساطة والتواضع فى تعاملهم مع جميع الجيران.
وروى محمد، أن الدكتور غنيم أجرى لوالده، الذى كان يعمل ماسح أحذية، جراحة كبرى منذ أكثر من 35 عامًا، وتعافى بعدها، وكان محمد حينها طفلًا فى العاشرة من عمره، موضحًا أنهم فوجئوا أن الدكتور غنيم لم يكتف بإجراء الجراحة، بل ظل يرعى الأسرة اجتماعيا حتى وفاة والده بعد عدة سنوات، مشيرًا إلى أنه أدرك مع تقدمه فى السن أن هذا السلوك كان يفعله مع كثير من البسطاء دون أن يعلم أحد، مؤكدًا أنهم لم يتوقفوا يومًا عن الدعاء الصادق له بأن يحفظه الله من كل سوء.