أبواب الرحمة لا تغلق
أبواب الرحمة لا تغلق


أبواب الرحمة لا تغلق| تكية الحاجة عزيزة.. «كرم المنايفة» يغمر إمبابة

سحر شيبة

الثلاثاء، 24 فبراير 2026 - 07:56 م

قلوب تبنى وأيادى تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل، حين تصفو القلوب. تتجدد حكايات الخير، بعيدًا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثًا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم، وأن التضامن ليس موسمًا، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرًا يبقى طويلًا فى قلوب وعقول الناس.

كان الجوع رفيق طفولتها والحرمان ظلها الدائم، منذ سنواتها الأولى عرفت الحاجة عزيزة معنى الفقر قبل أن تتذوق طعم الراحة، فأدركت مبكرًا أن الجوع لا ينسى، وأن وجع الحرمان يترك فى القلب أثرًا لا يمحوه الزمن.

عاشت بين دموع الحاجة وقسوة الواقع، فكبرت بروح تؤمن بعظمة العطاء، وقلب لا يعرف إلا الرحمة، ومن ذكرياتها الثقيلة، قطعت على نفسها عهدًا صامتًا بأن يكون الخير طريقها، وأن تتحول حياتها إلى ملاذ لكل جائع، وقلبها مأوى لكل محتاج.

الحاجة عزيزة، صاحبة تكية أحباب الكريم فى قلب إمبابة، تفتح قلبها لـ «الأخبار» لتروى حكاية امرأة صنعت من الألم رسالة، ومن الحرمان مائدة رحمة. بدأت حديثها قائلة: «ولدت فى قرية أشمون بالمنوفية، وعرفت منذ طفولتى طعم الجوع والحرمان، كنت أبكى فى صمت كلما مر أمامى قدر طعام لا أستطيع الوصول إليه، وتعلمت منذ الصغر أن لا شيء يتحقق إلا بالجهد والعزيمة وصدق النية مع الله، تلك الذكريات أشعلت بداخلى وعدًا ألا أترك محتاجًا يومًا، وألا يبيت جائعًا من جيرانى حتى لو اقتسمت معه رغيفى».

وأضافت أنها حين تزوجت وانتقلت إلى منطقة إمبابة، وجدت نفسها بين بيوت متلاصقة ونفوس كثيرة تبحث عن لقمة، ولم يغير ضيق المدينة عهدها، بل زادها إصرارًا على الخير لافتة إلى أنها رأت الأطفال يلهثون من الجوع، ورأت العمال يمرون دومًا دون طعام، فقررت أن تبدأ بتنفيذ عهدها، برغم القلة القليلة من المال التى بحوزتها، إلا أن قلبها كان مليئًا بالعطاء.

وقالت الحاجة عزيزة: «بدأت الحكاية مع سيدتين من جيرانى، كنا نفترش الشارع، ونضع الأوانى على باجور صغير، ونطبخ عدسًا أو مكرونة كنا نتحرك بين الناس ونوزع الطعام بأيدينا، كنت أرجع إلى بيتى سعيدة بعدما يفرغ آخر إناء، لكن قلبى كان ينكسر إذا جاء أحدهم متأخرًا ولم يجد طعامًا، فى تلك اللحظة كنت أشعر بأننى قصرت، رغم بساطة ما أملك».

وأضافت أنه منذ هذه اللحظة بدأ الحلم يكبر بداخلها، وكانت تتمنى أن تطعم المنطقة كلها، وألا يعود أحد خائبًا، وأن تقدم أطعمة تفرحهم، لا تكتفى فقط بسد الجوع.

وأوضحت الحاجة عزيزة أن التجربة كبرت مع مرور السنوات، كما كبر الخير الذى بدأ بخطوات بسيطة، قائلة: «مع الوقت، كبرت وكبر الخير معى، وأنشأت جمعية أحباب الكريم، وبدأ أهل الخير يساعدوننى، كل حسب قدرته، بالجهد أو بالتبرعات، الباجور الصغير أصبح مطبخًا كبيرًا، والحلة الواحدة أصبحت أوانى ضخمة، والعشرات اللى كانوا بييجوا بقوا آلاف».

وأشارت إلى أن العمل اتسع ليشمل الجميع دون تمييز، مضيفة: «النهاردة بنقدم أكتر من ألفى وجبة يوميًا، من غير ما نسأل حد عن اسمه أو ديانته، كل اللى يهمنا إن اللى قدامنا يشبع وياخد كفايته». ولفتت الحاجة عزيزة إلى أن دورها لم يتوقف عند تقديم الطعام فقط، موضحة: «كنت دايمًا أشوف أوجاع تانية غير الجوع. علشان كده بدأت أزوج البنات اليتيمات، أجيب فساتين الفرح، وأدفع أجر المأذون أحيانًا، وأجمع أثاث بسيط يفرح قلب عروسة ما عرفتش الفرح».
وتابعت أن العطاء يمتد حتى اللحظات الأخيرة فى حياة الإنسان، قائلة: «ولو فى حالة وفاة، بغسّل المتوفية بإيدى، وأجهّز الكفن، وأشيّعها كأنها من أولادى».

وتستكمل الحاجة عزيزة حديثها بالإشارة إلى أن العطاء لا يتوقف عند الطعام، قائلة: «فى الشتاء القارس، أفتح بابى على اتساعه لتوزيع البطاطين والملابس على كبار السن والمشردين، فالبرد يقتل أكثر من الجوع، كما أحرص على ترميم الشقق التى أتلفتها الحرائق، وأعيد تسليمها لأصحابها بدهانات وأثاث بسيط، حتى تعود الحياة إلى بيوت فقدت كل شيء، ومعها الأمل».

وتوضح أن ما بدأ بإطعام بسيط تحول مع السنوات إلى تكية مفتوحة، مضيفة: «موائد مطبخى تنتظر كل جائع، وقلبى لا يعرف التوقف عن العطاء. كل يوم أفكر بالغد ماذا سنُطعم الناس، كم وجبة سنعد، مَن يحتاج دواءً ومَن لا يجد كفنًا؟».

وتختتم حديثها معنا قائلة: «قلبى هو ميزان حياتى، وإيدى بتقيس قيمتها بعدد البطون اللى شبعت، وعدد الأرواح اللى لقت شوية دفء وراحة».

وفى شهر رمضان، حيث تتجلى معانى الرحمة والتكافل فى أوضح صورها، تبدو تجربة الحاجة عزيزة انعكاسًا صادقًا لروح هذا الشهر، لا بوصفه زمنًا مؤقتًا للخير، بل مدرسة دائمة للعطاء، فالصيام الذى يعلم الإحساس بالجوع، يتحول هنا إلى فعل يومى يخفف عن الآخرين قسوة الحاجة، ويعيد للإنسان كرامته قبل أن يملأ مائدته.

ما تفعله الحاجة عزيزة لا يقتصر على إطعام جائع أو كسوة محتاج، بل يترجم جوهر رمضان الحقيقى، الرحمة بالفعل لا بالشعارات، والمواساة التى تمتد إلى ما بعد الإفطار والسحور، ففى كل وجبة تعد، وكل بطانية توزع، وكل بيت يرمم، تتجسد قيم الشهر الكريم فى صورة عمل مستمر لا يعرف التوقف بانقضاء الأيام.

وهنا يصبح رمضان نقطة انطلاق لا محطة عابرة، وتتحول موائد الخير إلى عهد يومى مع الإنسانية، تؤكد أن العطاء الصادق لا يرتبط بتوقيت، ولا ينتظر مناسبة، بل يظل حاضرًا ما دام فى القلب نبض، وفى اليد قدرة على البذل.

هكذا تظل «تكية أحباب الكريم» شاهدًا حيًا على أن روح رمضان الحقيقية لا تختصر فى شهر، بل تعاش طوال العام، فى كل فعل رحمة، وكل يد تمتد لتخفف وجعًا، أو تعيد دفئًا، أو تمنح أملًا لمَن ظن أن الحياة أغلقت أبوابها.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة