أحمد زويل.. عالم جعل الذرات تحكى أسرارها

أحمد زويل

الأربعاء، 25 فبراير 2026 - 09:23 م

حازم بدر

قلوب تبنى وأيادٍ تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل ، حين تصفو القلوب. تتجدد حكايات الخير ، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم ، وأن التضامن ليس موسما، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس . العطاء عالم بلا حدود يغطى كل مناحى الحياة فهو ليس فقط بذل للأموال في سبيل الخير لكنه أيضا عمل بإخلاص واتقان ونقاء في السريرة ونبل في الهدف وأيضا ابتكار علمى يمنح تيسيرا للبشرية.وفى عالم يموج بالاكتشافات العلمية، قليلون هم مَن يتركون بصمة تجعل الزمن نفسه شاهدًا على عبقريتهم، وعالمنا الراحل أحمد زويل، الذى يمر ثمانون عامًا على ميلاده، كان واحدًا من هؤلاء. لم تكن مسيرته مجرد رحلة أكاديمية من مدينة دمنهور إلى معهد كاليفورنيا للتقنية، بل كانت تحولًا جذريًا فى كيفية فهم العقل البشرى للتفاعلات الكيميائية، وفى دور العلم كأداة للنهضة المجتمعية والسلام العالمي، فزويل لم يرْ الذرات وحدها، بل رسم خارطة طريق لنهضة الأمم من خلال «ثلاثية العلم والتكنولوجيا والمجتمع»، مجسدًا رؤية متفردة تربط بين المعرفة والإبداع والخدمة الإنسانية. وُلد أحمد زويل فى السادس والعشرين من فبراير 1946 بمدينة دمنهور، ونشأ فى مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، فى أسرة غرس فيها الوالدان منذ الصغر قيمة المعرفة والتميّز الأكاديمي. التحق بجامعة الإسكندرية، حيث ظهرت عبقريته منذ مراحل البكالوريوس، وحصل على درجة البكالوريوس فى العلوم بمرتبة الشرف عام 1967، ثم الماجستير فى علم الأطياف عام 1969.دفعه فضوله العلمى العميق إلى متابعة دراسته بالولايات المتحدة، حيث حصل على الدكتوراة من جامعة بنسلفانيا عام 1974 تحت إشراف روبن هوكستراسر، مع التركيز على التحليل الطيفى عالى الدقة للمواد الثلاثية، ثم واصل أبحاث ما بعد الدكتوراة بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، قبل أن ينضم عام 1976 إلى معهد كاليفورنيا للتقنية كأستاذ مساعد، ليبدأ مسيرة علمية شكَّلت ثورة فى الكيمياء الفيزيائية. «الفيمتوثانية» قبل زويل، كانت التفاعلات الكيميائية تُفهم على أنها عمليات «قبل وبعد»، بينما بقيت اللحظات الانتقالية بين المواد المتفاعلة والنتائج النهائية صعبة الرصد، وكأنها صندوق أسود. كانت سرعة اهتزاز الذرات فى الجزيئات تصل إلى نحو 1000 متر فى الثانية، مما جعل أى تصوير تقليدى مستحيلًا. ابتكر زويل تقنية «النبضة-المسبار» التى تعتمد على نبضات ليزر فائقة القصر، لتكون «أسرع كاميرا فى العالم»، وتعمل هذه التقنية على مرحلتين، الأولى نبضة الضخ لتحفيز التفاعل، تليها نبضة المسبار لأخذ لقطة دقيقة لما يحدث للجزيء، وبتكرار هذه العملية آلاف المرات مع ضبط الفارق الزمنى بين النبضتين، استطاع زويل وفريقه، تصوير حركة الذرات أثناء التفاعل، وكشف الحالة الانتقالية للجزيئات، مثل تفكك جزيء «يوديد السيانيد» خلال 200 فيمتوثانية فقط. والفيمتوثانية، وحدة زمنية تساوى جزءًا من مليون مليار جزء من الثانية، وشَبَّه زويل هذا النطاق بالنسبة للعقل البشرى بالفرق بين ثانية واحدة و32 مليون سنة، مشيرًا إلى أن الحجم الهائل للفجوة التى ردمها ساعد على دراسة الديناميكا الجزيئية، وأثبت أن الذرات ليست ساكنة، بل تهتز وتدور باستمرار، ويمكن تصوير هذه الحركة إذا تم استخدام نبضات ليزر أقصر من زمن الاهتزاز الجزيئي، ما أحدث تحولًا جذريًا فى فهم التفاعلات الكيميائية الحقيقية. نوبل 1999 وفى 12 أكتوبر 1999، مُنح زويل جائزة نوبل فى الكيمياء بمفرده، تقديرًا لجهوده فى دراسة الحالات الانتقالية للتفاعلات الكيميائية، ولم يكن هذا الفوز مجرد تقدير علمي، بل رمز لإمكانات الشباب العربى فى المنافسة العالمية. وأصبح أول عالم ناطق بالعربية يحصل على نوبل فى مجال علمي، وهو إنجاز ألهم أجيالًا جديدة من الباحثين. ولم يتوقف طموحه عند حدود كيمياء الفيمتو، ففى العقد الأخير من حياته، طوَّر مع فريقه، تقنية التصوير الميكروسكوبى الإلكترونى رباعى الأبعاد التى دمجت بين التفاصيل المكانية للأبعاد الثلاثة والدقة الزمنية للفيمتوثانية. وهذه التقنية فتحت أبوابًا جديدة لدراسة البيولوجيا الفيزيائية، بما فى ذلك حركة الإلكترونات داخل الموصلات، وطى البروتينات، وتغير شكل الفيروسات عند تفاعلها مع الأدوية، وهو ما ساعد فى تطوير أدوية الجيل القادم. العطاء الإنسانى والمجتمعى بعد نوبل، لم يكتف زويل بمكانته العالمية، بل أسس حلمه فى مصر عبر مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، التى تمثل نموذجًا متكاملًا للتعليم والبحث والابتكار، تضم المدينة جامعة للعلوم والتكنولوجيا، ومعاهد بحثية متميزة، وهرمًا للتكنولوجيا يربط البحث بالصناعة.. لقد حققت المدينة إنجازات سريعة، منها تصدّر الجامعات المصرية وفق تصنيف «تايمز للتعليم العالي»، وفوز فريق الروبوتات بالمركز الأول فى مسابقة عالمية. وكان زويل مفكرًا استراتيجيًا يرى أن التعليم الجيد يقود إلى علم جيد، والعلم الجيد يولد تكنولوجيا فَعَّالة، وعبر كتابه «عصر العلم»، دعا إلى تطوير عقلية نقدية قادرة على الابتكار، مؤكدًا أن الفارق بين الشرق والغرب لا يكمن فى الذكاء، بل فى دعم الناجحين وتمكينهم، كما عمل دبلوماسيًا علميًا، وكان أول مبعوث علمى للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط لتعزيز التعاون فى الصحة والتعليم والطاقة كأداة لتحقيق الاستقرار. التواضع والارتباط بالمجتمع وعلى الرغم من شهرته العالمية، ظل زويل متواضعًا ومتمسكًا بمصريته، ولم يغير سيارته طوال 40 عامًا فى كاليفورنيا، ولم يشعر أبناؤه بأي تغير فى نمط  حياته، كما يحكون بأنفسهم، وظَلَّ يواصل العمل العلمى حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ناشرًا أكثر من 600 بحث علمى و14 كتابًا. توفى أحمد زويل فى 2 أغسطس 2016، ونُقل جثمانه إلى مصر ليوارى الثرى فى جنازة رسمية مهيبة، ورغم رحيله، يظل إرثه مستمرًا من خلال كيمياء الفيمتو، ومدينة زويل التى تمثل نموذجًا للنهضة العلمية العربية المستدامة، فقد أثبت العالم الراحل، أن الزمن ليس مجرد رقم، بل فرصة للإنجاز والعطاء الذى يتجاوز حدود العمر، ليصبح خالدًا فى مختبرات العالم وقلوب الباحثين والطلاب.