تمثال شامبليون المسيء للفراعنة
تمثال شامبليون المسيء للفراعنة


بعد 14 عامًا على الحملة التي تبنتها «آخرساعة»..

جامعة السوربون تزيل تمثال شامبليون المسيء للفراعنة

أحمد الجمال

الخميس، 26 فبراير 2026 - 10:54 ص

بعد نحو 14 عامًا تم رفع تمثال شامبليون المُهين للحضارة المصرية القديمة من مدخل «كوليدج دي فرانس» بجامعة السوربون بباريس، والذي ظل متكئًا بإجدى قدميه على رأس ملك فرعوني بطريقة استعلائية مستفزة لمدة 150 عامًا، وانتهت رحلة واحدة من أطول المعارك الرمزية التي خاضها الفنان المصري المقيم في فرنسا هشام جاد دفاعًا عن صورة حضارة كاملة، عبر حملة أطلقها عام 2012 وتبنتها «آخرساعة».

◄ الفنان هشام جاد فجّر القضية عام 2012 ولم يتخيل أن يشهد نقل التمثال

◄ التمثال نُقل لمتحف صغير ولن يراه سوى عدد محدود من الزوار

◄ صاحب الحملة نجح في تحويل قصة التمثال لقضية رأي عام عالمي

◄ صانع التمثال الاستعلائي نحت تمثال الحرية!

◄ هذا التطور يفتح ملف استرداد حجر رشيد ولوحة الزودياك

لم يكن الأمر مجرد قطعة حجرية تُنقل بواسطة رافعة إلى شاحنة، بل كان بالنسبة لكثيرين تصحيحًا متأخرًا لذاكرة بصرية استقرت طويلًا في الوعي الأوروبي، وهنا نحن نتحدث عن التمثال الذى صنعه النحات الفرنسي أوجست بارتولدى مجسدًا فيه العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون واضعًا قدمه فوق رأس ملك فرعوني يُعتقد أنه إخناتون أو تحتمس الثالث.

وبعد أربعة عشر عامًا من المطالبات والجدل والمراسلات والندوات والضجيج الإعلامي، خرج التمثال من موقعه العام قبل أيام لينتقل إلى متحف صغير اسمه «كامى كلوديل»، حيث لن يراه سوى عدد محدود من الزوار.

هذه النهاية لم تكن متوقعة حتى لصاحب الحملة نفسه الفنان المصرى المقيم فى فرنسا هشام جاد، الذى قال لـ«آخرساعة» تعليقًا على هذا التطور المهم فى القضية إنه لم يتخيل أن يشهد لحظة إزالة التمثال فى حياته. كان يراه طوال سنوات واقفًا فى مكانه كأنه جزء من جدار التاريخ، لا يمكن الاقتراب منه أو حتى مناقشة وجوده، خاصة أن القوانين الفرنسية تعتبره أثرًا تاريخيًا، ومع ذلك فإن ما بدا مستحيلًا تحول تدريجيًا إلى نقاش، ثم إلى إحراج، ثم إلى عبء رمزى، حتى أصبح بقاؤه أصعب من نقله.

◄ اقرأ أيضًا | زاهى حواس: تمثال شامبليون المسيء غير مقبول ولابد من تحرك الآثار

القصة بدأت تاريخيًا بمقطع فيديو بسيط صوّره هشام جاد عام 2012، دون الاعتماد على فريق أو تمويل أو دعم رسمى.. مجرد فنان يعيش فى باريس، صدمه المشهد اليومى أمام واحدة من أعرق المؤسسات العلمية فى أوروبا.. عالم يضع قدمه على رأس ملك مصرى قديم.

■ تمثال شامبليون في ساحة كوليدج دي فرانس قبل إزالته

وبالنسبة للفرنسيين كان العمل تعبيرًا عن انتصار العلم وفك رموز اللغة المصرية القديمة، أما بالنسبة له فكان صورة استعلاء ثقافي على الحضارة المصرية التى صنعت أساس المعرفة البشرية. وحين نشر الفيديو لم يتوقع أن يتحول إلى ملف دولى، لكن ما حدث أن المشهد، بمجرد خروجه من سياقه المحلى بدا مختلفًا تمامًا.

في تلك الأثناء، دخلت «آخرساعة» على الخط مبكرًا، فتبنت القضية وفتحت صفحاتها لملف طويل من التحقيقات والوثائق والصور والشهادات، ومع كل تقرير أو تحقيق كانت المسألة تخرج من نطاق رأى فردى إلى نقاش ثقافى أوسع، فى إطار أسئلة مثل: هل يجوز أن يظل رمز الهيمنة قائمًا فى مدخل مؤسسة أكاديمية فى القرن الـ21؟ أم يجب قراءته فى سياق تاريخى بحت؟ هذا السؤال ظل يتردد لسنوات دون إجابة حاسمة.

اللافت أن جاد يؤكد أن الصعوبة الكبرى لم تكن فى الحوار مع الجانب الفرنسى، بل فى إقناع بعض الجهات المصرية فى ذلك الوقت بخطورة الصورة الرمزية، فبينما كان الأكاديميون الفرنسيون يعقدون معه جلسات استماع ويستدعون خبراء مصريات، واجه - حسب روايته - تجاهلًا أو رفضًا من بعض المسئولين المصريين فى ذلك الوقت الذين اعتبروا المسألة مبالغًا فيها، لكن ذلك لم يدفعه للتراجع، بل زاده إصرارًا على تحويل القضية إلى رأى عام عالمى بدلًا من الاكتفاء بالمسار الدبلوماسى التقليدى.

بدأ الرجل يراسل جامعات ومتاحف ومراكز بحث فى أوروبا، مستعينًا بحلقة تلفزيونية أجراها مع قناة TV5Monde، فصارت وثيقة تعريفية بالقضية تُرسَل بالبريد الإلكترونى إلى مئات المؤسسات، وبمرور الوقت لم يعد التمثال المسيء موضوع احتجاج مصرى فقط، بل أصبح محل تساؤل أكاديمى مفادة: كيف يُقرأ هذا العمل فى زمن يتغير فيه فهم الرموز الاستعمارية؟ ومن هنا بدأ التحول الحقيقى فى القضية.

لم يكن الطريق مستقيمًا، فقد ظهرت تفريعات جديدة جعلت الأمر يزداد صعوبة وتعقيدًا، ففي عام 2014 صُنعت نسخة برونزية جديدة من التمثال وتم وضعها فى جامعة جرونوبل، فى خطوة اعتبرها كثيرون تحديًا واضحًا للاحتجاجات، وفي ذلك اليوم بدا أن المعركة انتهت بهزيمة كاملة، لكن الحقيقة أن ذلك الحدث كان بمثابة بداية انتشار أوسع للقضية، إذ صار السؤال المطروح: لماذا يُعاد إنتاج رمز مثير للجدل بدلًا من النظر فى المشكلة؟ وكانت «آخرساعة» أيضًا أول من كشف عن هذا التمثال الجديد بصور حصرية، زودنا بها الفنان المصرى هشام جاد.

ومع مرور الوقت تغير العالم نفسه، حيث سقطت تماثيل في دول مختلفة مرتبطة بالعبودية والهيمنة، وتحوّل النقاش حول الذاكرة العامة إلى قضية سياسية وثقافية عالمية. ورغم أن السلطات الفرنسية أعلنت مرارًا أن تماثيل الماضي ستبقى كشاهد تاريخى، فإن بقاء تمثال بعينه أمام مؤسسة أكاديمية عريقة فى باريس بات يضعها فى موقف دفاعى دائم، فالجامعات الأخرى بدأت تسأل والصحافة الأوروبية بدأت تكتب، وأصبح اسم «كوليج دو فرانس» مرتبطًا بالجدل أكثر من البحث العلمي.

يقول هشام جاد إن التحول لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة تآكل تدريجى للقبول، ففى البداية قيل له إن القانون يمنع المساس بالتمثال، ثم قيل إن إزالته مستحيلة، ثم أصبح النقاش حول كيفية التعامل معه، وأخيرًا ظهر الحل الوسط وهو نقل التمثال إلى متحف. وبالنسبة له لم يكن هذا أقصى طموحه، فقد كان يريد اختفاء التمثال تمامًا من المجال العام، لكنه رأى فى النقل انتصارًا رمزيًا مهمًا لأن الصورة اليومية انتهت.

المفارقة أن صانع هذا التمثال الاستعلائى هو نفسه الذى نحت تمثال الحرية الشهير فى نيويورك، الفنان فردريك أوجست بارتولدى، ما جعل كثيرين يرون التناقض بين رمز الحرية العالمى والعمل الذى يُقرأ كإشارة تفوق حضارى، وهذا التناقض تحديدًا لعب دورًا فى جذب اهتمام الإعلام الغربى، لأنه يطرح سؤالًا عن كيفية تغير معنى العمل الفنى عبر الزمن.

وبالنسبة لجاد لم تكن القضية ضد فرنسا أو ثقافتها، بل ضد معنى الصورة، فقد كان يقول دائمًا إن الحضارات لا تتصارع، لكن الرموز قد تُجرح، وأن نقل التمثال إلى مكان يُقرأ فيه تاريخيًا أفضل من بقائه فى فضاء عام يعطيه معنى الهيمنة. وبعد سنوات من المراسلات والندوات، وجد أن هذا الطرح بدأ يُفهم داخل المؤسسات الأكاديمية الفرنسية نفسها.

لحظة رفع التمثال كانت حاسمة.. رافعة تقف فى الساحة التى اعتاد الطلاب المرور منها يوميًا، ثم يتم تعليق التمثال فى الهواء قبل أن يوضع فى صندوق الشحن. وهذا المشهد ربما كان مجرد مشهد عابر بالنسبة للمارة، أما بالنسبة لهشام جاد فكان نهاية فصل كامل من حياته، إذ قال إنه شعر بأن العبء الذى حمله 14 عامًا انتقل أخيرًا من صدره إلى شاحنة النقل.

المعركة لم تؤثر على مسيرته الفنية كما يروى، فهو مصمم عرائس وموسيقى، واستمر فى عمله طوال السنوات الماضية، رغم إغلاق صفحات إلكترونية له فى بدايات الحملة نتيجة الشكاوى المتكررة المتعلقة بقصة التمثال المسيء، لكنه يعتبر أن القضية أصبحت جزءًا من سيرته الشخصية، لا يمكن فصله عنها حتى لو انتهت رسميًا.

ولأن النهاية فتحت بابًا آخر، فقد أعلن جاد أنه بدأ بالفعل تحركات تتعلق باسترداد آثار مصرية، مثل حجر رشيد الموجود فى المتحف البريطانى، ولوحة الزودياك فى متحف اللوفر، مستندًا إلى وثائق أرشيفية يرى أنها تثبت خروج بعض القطع فى ظروف تاريخية تحت وطأة الاحتلال الفرنسى لمصر، وبالنسبة له لم تعد المسألة تمثالًا واحدًا، بل رؤية أوسع لكيفية التعامل مع ذاكرة الحضارات.

الاحتفاء بنجاح إزالة التمثال لم يكن مجرد انتصار شخصي أو صحفي، بل لحظة رمزية فى نقاش عالمى حول معنى التاريخ في الفضاء العام، فالتمثال لم يُحطم، بل تم نقله إلى مكان آخر يُقدم فيه باعتباره قطعة من التاريخ مرتبطة بزمن نحته، وليس رسالة يومية للطلاب والمارة، وبين الموقعين فرق شاسع ما بين ساحة جامعة حية وقاعة متحف هادئة.

وبعد سنوات من الجدل، يمكن القول إن القضية لم تغيّر التاريخ، لكنها غيّرت زاوية النظر إليه، فقد أثبتت أن النقاش الثقافى الطويل قد يحقق ما لا تحققه البيانات الرسمية السريعة، وأن صورة واحدة قد تحمل دلالات أكبر من نية صانعها، وفى النهاية لم يكن المشهد مجرد تمثال يتحرك بل معنى يتحول من رمز قوة ثابت إلى قطعة قابلة للنقاش، وفق ما قاله لنا هشام جاد.

ربما لن يتذكر معظم من يمرون اليوم أمام مدخل «كوليج دى فرانس» أن تمثالًا وقف هنا يومًا ما، لكن القصة ستبقى مثالًا على أن الرموز ليست جامدة كما تبدو، وأن الزمن لا يغير الحجر وحده بل تفسيره أيضًا. وبين أول فيديو صوّره فنان بمفرده، وآخر لحظة التقطتها عدسات الرافعات، سارت أربعة عشر عامًا كاملة، انتهت بصورة واحدة تختصر الحكاية تحت عنوان «تمثال فى الهواء وتاريخ يعيد ترتيب نفسه»، وكلمة شكر من صاحب الحملة لـ«آخرساعة»: «شكرًا لمجلتكم العريقة لتبنيها هذه الحملة منذ البداية وحتى تكللت جهودنا بالنجاح».

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة