قطع الرحم فى رمضان يذهب بثمرة العبادة وجوهرها
د. عادل المراغى -- د. محمد الورداني
الخميس، 26 فبراير 2026 - 09:33 م
سيد عبد النبى
يؤكد علماء الدين أن الصائم الذى يقطع رحمه فى رمضان يرتكب كبيرة من الكبائر، ولا يبطل صومه من الناحية الفقهية، لكنه يُنقص أجره نقصًا شديدًا، وقد يذهب بروح العبادة وثمرتها. فالصيام شُرع لتحقيق التقوى، وصلة الرحم من أعظم مظاهرها، أما القطيعة فتهدم مقصد الصيام وتناقض جوهره.
اقرأ أيضًا| أستاذ بالأزهر: الزبير بن العوام عُرف بشدة خوفه من الكذب على رسول الله
وأكد الدكتور عادل المراغي، من علماء الأزهر الشريف، أن المسلمين يستقبلون رمضان بقلوب عامرة بالدعاء وعزائم صادقة لترك المعاصي، غير أن بعضهم قد يقع فى تناقض مؤلم، يصوم النهار ويقوم الليل، بينما يحمل فى صدره غلًا على أقاربه، ويستمر فى قطيعة رحم لا يمحوها طول السجود. فالصيام الحقيقى ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو صيام القلب عن الحقد، واللسان عن الأذى، والنفس عن التكبر والخصام.
وأوضح المراغي: أن صلة الرحم ليست عملًا ثانويًا أو سلوكا يمكن التغاضى عنه، بل هى واجب شرعى عظيم، قرن الله صلتها بصلته، وقطعها بقطعه. وجاء فى الحديث القدسى أن الرحم تعلقت بالعرش مستعيذة من القطيعة، فقال الله تعالى: «أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟». وهذا يدل على أن المسألة ليست خلافًا عائليًا عابرًا، بل عهد مع الله وميزان للقبول والرد.
وتساءل: كيف يرجو الصائم رحمة الله فى ليلة القدر وهو يقطع ما أمر الله به أن يُوصل، وكيف يطلب المغفرة ممن وسعت رحمته كل شيء، بينما يحرم أقرب الناس إليه من عفوه وصفحه؟ إن طلب الرحمة مع الإصرار على القطيعة - بحسب تعبيره - نوع من التناقض الروحى الذى يحرم العبد حلاوة الطاعة ولذة القرب.
وأضاف المراغي: أن الغاية الكبرى من الصيام هى بلوغ مرتبة التقوى، والتقوى ليست مظاهر شكلية أو طقوسًا جسدية خالية من المعنى، بل هى سلوك عملى ينعكس على أخلاق الإنسان وعلاقاته. فالصيام مدرسة لهدم الكِبر وتزكية النفس، بينما قطيعة الرحم انتصار للهوى وتغذية لنزعات الشيطان. ومن يهجر أخاه أو يقطع أخته كمن يبنى قصرًا على أرض مهزوزة؛ عمله الظاهر قائم، لكن أساسه مهدد بالسقوط.
وأشار إلى أن بعض الناس يظن أن صلة الرحم تعنى رد الزيارة أو مكافأة من أحسن إلينا فقط، وهذا فهم قاصر فالواصل الحقيقى هو الذى يصل من قطعه، ويحلم على من أساء إليه، ويبادر بالسلام ولو كان مجروحًا، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: « ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذى إذا قُطعت رحمه وصلها».
اقرأ أيضًا| أسامة قابيل يحسم الجدل حول زكاة الفطر: المال أفضل والامتناع عنها يغضب الله
ومن جانبه، أوضح د. محمد الورداني، أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر، أن رمضان ليس مجرد مرحلة زمنية تمر كل عام، بل «هدنة» عظيمة لإعادة ترتيب القلوب من الداخل. فالصيام - كما يقول - ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل منهجية دقيقة لضبط النفس وترميم ما تصدّع من العلاقات الإنسانية، وعلى رأسها: قطيعة الأرحام.
وبيّن الوردانى أن النبى صلى الله عليه وسلم حذّر من تفريغ الصيام من مضمونه، فقال: « رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»، مما يعنى أن العبادة قد تفقد أثرها إذا لم تنعكس على السلوك. فعظمة هذا الدين أنه لا يتجزأ، والاستقامة فيه طريق واحد يشمل العبادة والمعاملة معًا.
وأكد أن جمهور العلماء اتفقوا على أن قطيعة الرحم لا تبطل الصيام من حيث الصحة الفقهية، فلا يُؤمر الصائم بالقضاء، لكنها تُنقص الأجر نقصًا شديدًا، وقد تذهب بثمرته وروحه.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، مبينًا أن اللعن فى كتاب الله دليل على خطورة الذنب وعِظمه. كما أشار إلى الحديث الشريف: «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، وهو وعيد شديد يدل على عظم الجرم.
وأضاف الورداني: أن المقصد الأعظم من الصيام هو تحقيق التقوى التى لا تجتمع مع القطيعة. فصلة الرحم واجبة وقطعها معصية، وقد جاء فى الحديث القدسي: «أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته».
وتطرق إلى ما يبرر به البعض القطيعة من سوء معاملة الأقارب، مؤكدًا أن الشريعة فرّقت بين درء الأذى وقطع الصلة؛ فيجوز للإنسان أن يحمى نفسه من الظلم، لكن دون أن يهجر بالكلية، بل يُبقى الحد الأدنى من السلام والسؤال والدعاء، حتى لا يتحول الخلاف إلى قطيعة دائمة.