الشاعر الراحل مرسي جميل عزيز في مكتبته
الشاعر الراحل مرسي جميل عزيز في مكتبته


أكثر من ألف أغنية.. كيف أصبح شاعرنا مهندس الوجدان العربي؟

آخر ساعة

الجمعة، 27 فبراير 2026 - 02:03 ص

◄ شهادات هيكل والعقاد وحقي وأمين.. وسام على صدرنا

◄ كان متواضعًا وهادئًا.. ويؤمن برسالة الكلمة

◄ فارس الكلمة الذي كتب وجدان الأمة

◄ حصل على وسام الجمهورية.. ومسيرته لم تتوقف برحيله

في فبراير من كل عام تعود الأغنيات لتتكلم، وتعود الكلمات لتتنفس من جديد، وكأن صاحبها لم يغادر في هذا الشهر تحلّ ذكرى رحيل الشاعر الذي تجاوزت أعماله حدود الطرب إلى تشكيل وجدان أمة كاملة، فصار اسمه علامة مضيئة في العصر الذهبي للأغنية العربية.

■ الشاعر الراحل مع ابنتيه المحامية والطبيبة

أكثر من ألف أغنية تنوّعت بين العاطفي والوطني والديني والشعبي، وحضور لافت في السينما والاستعراضات، وتجربة فنية امتدت لأكثر من أربعة عقود، جعلت منه أحد أعمدة الكلمة الغنائية في القرن العشرين.

في هذا الحوار يفتح نجله اللواء مجدي عزيز خزائن الذاكرة، ليتحدث عن والده الفنان والإنسان، وعن البدايات، ومحطات المجد، واللحظات الأخيرة، ولماذا بقيت كلماته حيّة رغم مرور العقود.

◄ كيف كانت نشأة الوالد، ومتى اكتشف موهبته الشعرية؟

ـ وُلد والدى في التاسع من يونيو عام 1921 بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، نشأ في بيت مستقر يهتم بالعلم والثقافة، وهو ما أتاح له منذ صغره فرصة القراءة والاطلاع.

ظهرت موهبته مبكرًا جدًا، إذ كتب أولى قصائده في سن الثانية عشرة، وكانت رثاءً لأحد أساتذته، هذا الموقف كشف عن حس إنساني عميق وموهبة فطرية في صياغة المشاعر التحق بكلية الحقوق، لكن شغفه بالكلمة ظل أقوى من أي مسار آخر، فاختار أن يكون الشعر الغنائي طريقه ورسالة حياته، وكان مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تغيّر وجدان الناس.

■ الشاعر الراحل مرسي جميل عزيز مع أسرته

◄ متى جاءت الانطلاقة الحقيقية فى مسيرته الفنية؟

ـ عام 1939 كان نقطة التحول الكبرى، لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة حين أُذيعت له أغنية «الفراشة» من ألحان الموسيقار رياض السنباطي، وكانت لحظة ميلاد شاعر غنائى مختلف. وفى العام نفسه كتب «يا مزوّق يا ورد فى عود» التى غناها عبد العزيز محمود، وحققت انتشارًا واسعًا.

ومنذ تلك اللحظة أصبح اسمه حاضرًا بقوة فى الوسط الفنى، كان يكتب بغزارة دون أن يفقد خصوصيته، كلماته كانت تحمل موسيقاها الداخلية قبل أن تصل إلى يد الملحن، ولذلك كان شريكًا حقيقيًا فى صناعة اللحن، لا مجرد صاحب نص.

◄ اقرأ أيضًا | اللواء مجدى مرسي عزيز: دمرنا 20 دبابة.. وحصلنا على خرائط ووثائق هامة

◄ والدك من القلائل الذين تغنّى بكلماتهم كبار الطرب في العالم العربي… كيف تنظرون إلى ذلك؟

هذه ظاهرة نادرة تعكس قيمة ما كان يكتبه وأن يغنى له أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، وفيروز فهذا فى حد ذاته شهادة تاريخية، كتب لأم كلثوم رائعة «ألف ليلة وليلة» التى لحنها بليغ حمدي، وكانت علامة فارقة فى تاريخ الطرب العربى. كما ارتبط اسمه بعبد الحليم حافظ فى أعمال خالدة مثل «فى يوم فى شهر فى سنة» و«ذات ليلة» و«الليالى»، حيث تجلت العلاقة العميقة بين الكلمة والصوت، فصنعت أغنيات ما زالت حيّة فى وجدان الجمهور.

■ مع والده الرحل

◄ ما الذي ميّز تجربته الفنية عن غيره من شعراء جيله؟

ـ لم يكن شاعر عاطفة فقط، بل كان مهندسًا للأغنية المصرية الحديثة.. كتب لمحمد فوزى قصيدة «بلدى أحببتك يا بلدى» التى تحولت إلى نشيد وجدانى فى لحظات وطنية فارقة. وغنّت له فايزة أحمد «أنا قلبى إليك ميال» و«يامه القمر ع الباب»، كما كتب لنجوم كبار مثل صباح ونجاة الصغيرة وشادية جمع بين الرومانسية الرقيقة والواقعية الاجتماعية.

كانت كلماته قريبة من الناس، تعبّر عن الفتاة المصرية البسيطة، وعن الأسرة والبيت، وعن الحب الصادق غير المتكلف. دافع فى أغانيه عن حق الفتاة في التعبير عن مشاعرها واختيار شريك حياتها، واهتم بالقيم الأسرية، واستلهم الفولكلور المصري وأعاد صياغته بروح عصرية تحافظ على أصالته، كتب العاطفى والوطني والديني، وأبدع في الأوبريتات والاستعراضات السينمائية، فكان شاعرًا شاملًا لا يقتصر على لون واحد.

◄ ماذا قال عنه كبار الأدباء والمفكرين؟

ـ كلمات التقدير كانت كبيرة ومؤثرة، الأديب يحيى حقي رأي فيه شاعرًا شديد الالتصاق بالناس، قادرًا على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى صور نابضة بالحياة، أما عباس محمود العقاد أن بعض أغنياته تعادل مئات القصائد من حيث البلاغة والعمق، وطالب الدكتور أحمد هيكل بتدريس أعماله في الجامعات، مؤكدًا أن الأغنية لديه بناء فني متكامل، بينما وضعه المفكر جلال أمين في قلب تيار الواقعية في الأغنية، مشيرًا إلى بعده الاجتماعي والإنساني العميق.

◄ كيف كان يتعامل مع محبيه والجمهور؟

ـ كان متواضعًا للغاية، يستقبل الجميع بمحبة ويستمع إلى كل رسالة أو لقاء، كان يؤمن بأن الكلمة الصادقة تصل مباشرة إلى قلب الآخر.

◄ هل كان يميل إلى الحياة الاجتماعية الهادئة أم الصاخبة؟

ـ كان يحب الهدوء، وجلسات العائلة والحوارات الهادئة كانت الأقرب إلى قلبه.. الصخب لم يكن يجذبه إلا للضرورة الفنية أو المناسبة.

◄ هل فرض عليكم مسارًا دراسيًا معينًا؟

ـ نحن أربعة أبناء محامية، وأستاذة جامعية، وطبيبة أطفال، وأنا الابن الوحيد الذى تخرجت فى الكلية الحربية، لم يفرض علينا شيئًا، وكان يوجّهنا بالنصح، ويرى أن لكل فرد حرية اختيار حياته، لكنه كان دائمًا يشجع على الثقافة والمعرفة.

◄ ما رياضته المفضلة وهواياته اليومية؟

ـ كان يمشى بانتظام ويحب النشاط البدنى للحفاظ على صحته، لكنه لم يكن رياضيًا محترفًا. هواياته الأساسية كانت القراءة في الأدب العربي الكلاسيكي، والتراث، والتاريخ، والفلسفة، والدواوين الشعرية، كانت القراءة بالنسبة له غذاءً للروح والعقل.

◄ هل غيرت الشهرة من طباعه؟

ـ أبدًا، ظل متواضعًا وبسيطًا، كان يرى أن النجاح الحقيقى في الصدق في الحياة والفن، وأن الكلمة الصادقة أهم من أى ضوء شهرة.

◄ ماذا عن التكريم الرسمي ومسيرته خارج نطاق الأغنية؟

ـ نال وسام الجمهورية للآداب والفنون عام 1965 فى أول عيد للعلم، وهو تقدير كبير لعطائه، كما حصل أيضًا على دبلوم فى كتابة السيناريو عام 1963، وكتب أعمالًا سينمائية واستعراضية ومقالات أدبية، كان يؤمن دائمًا بتطوير نفسه وعدم التوقف عند نجاح واحد.

◄ كيف كانت اللحظات الأخيرة في حياته؟ وكيف تصفه بعد عقود من رحيله؟

ـ في مارس 1979 دخل مستشفى المعادى العسكري لتلقى العلاج، ثم سافر إلى الولايات المتحدة لاستكماله بتقدير من الدولة، ورحل فى التاسع من فبراير 1980 عن عمر 58 عامًا، وكانت جنازته مهيبة شارك فيها الآلاف، لكن رغم الرحيل لم يتراجع حضوره.

أغانيه ما زالت تُغنّى حتى اليوم، وأُطلق اسمه على أحد شوارع الزقازيق، كما أُنشئت جائزة باسمه فى جامعة الزقازيق، وحمل أحد شوارع الإسكندرية اسمه.. التكريم الأعمق يظل فى قلوب الناس، فى الأغنيات التى تعيش بين الأجيال.

◄ ماذا تبقّى من فن والدك بعد كل هذه السنوات؟

ـ ما تبقّى من فن والدى ليس مجرد أغنيات تُذاع أو كلمات تُردّد، بل حالة وجدانية كاملة.. تبقّى الصدق الذى كان يكتبه قبل أن يبحث عن النجاح، وتبقّت البساطة الراقية التى جعلت الناس يرون أنفسهم فى كلماته. تبقّى احترامه لعقل الجمهور، وإيمانه بأن الأغنية رسالة وليست مجرد لحن عابر، الأهم أن أغانيه ما زالت تعيش بين الأجيال، تُغنّى فى البيوت والمسارح، وتُكتشف من شباب لم يعاصروه، وهذا في رأيي هو الخلود الحقيقى.

الفن الذى يخرج من القلب لا يسقط بالتقادم، بل يزداد عمقًا مع الزمن.

◄ ماذا تقول في ذكرى رحيله؟

ـ والدى لم يكن يكتب ليحقق نجاحًا سريعًا، بل ليترك أثرًا صادقًا كان يؤمن بأن الكلمة إذا خرجت من القلب وصلت إلى القلب، ربما لهذا بقيت أعماله حيّة تتجاوز الزمن، فالفن الحقيقي لا يموت.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة