محرم بكل صوره ..الغش جريمة أخلاقية تُفقد الصيام معناه
د. أحمد كريمة و د. محمد حسنى
السبت، 28 فبراير 2026 - 10:16 م
سيد عبد النبى
يمثل شهر رمضان المبارك محطة إيمانية وأخلاقية تتجدد فيها القيم، ويُفترض أن تنعكس روحه على سلوك الأفراد فى مختلف مناحى الحياة غير أن ظاهرة الغش، التى تتخذ أشكالًا متعددة خلال هذا الشهر، تظل من أخطر السلوكيات التى تتناقض مع مقاصد الصيام، وتُفرغ العبادات من مضمونها الحقيقي، لما تحمله من اعتداء على حقوق الآخرين وإفساد للثقة داخل المجتمع.
فالغش فى الإسلام محرَّم تحريمًا قاطعًا، لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل والخداع والتدليس ويستغل بعض التجار حاجة الناس فى شهر رمضان، فيمارسون الغش فى البيع والشراء، سواء برفع الأسعار أو التلاعب فى جودة السلع أو إخفاء العيوب، ضاربين بالقيم الدينية والأخلاقية عرض الحائط.
اقر أ أيضًا | يسري عزام: الغش في البيع والشراء مصيبة كبيرة على صاحبه يوم القيامة
وفى هذا السياق، يقول د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، إن الشريعة الإسلامية حرَّمت كل الوسائل الاحتيالية التى تؤدى إلى سلب أموال الناس بغير حق، سواء فى البيع أو فى سائر المعاملات، مؤكدًا أن ذلك خروج صريح عن أخلاق الإسلام ومقاصده.
واستشهد بقول النبى : «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (رواه مسلم)، وهو حديث يحمل تحذيرًا شديدًا من هذا السلوك.. وأوضح كريمة أن الغش لا يُبطل الصيام من الناحية الفقهية، فإذا وقع الصائم فى الغش فإن صيامه صحيح من حيث الحكم، لكنه ناقص الأجر، لأن الثواب مرتبط بصدق السلوك واستقامة الأخلاق. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو عبادة شاملة تهدف إلى تهذيب النفس وضبط السلوك.
وقد حذَّر النبى من الغش عمليًا، حين مرَّ على صُبرة طعام فأدخل يده فيها فوجد بللًا، فأنكر على صاحبها إخفاء العيب، وقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس؟ من غش فليس مني».
وهو موقف يُجسد رفض الإسلام لكل أشكال الخداع والتضليل.. ومن جانبه، أكد د. محمد حسني، أستاذ العلاقات العامة بكلية الإعلام جامعة الأزهر، أن شهر رمضان يُعد مدرسة تربوية متكاملة تُعلى من قيم الصدق والأمانة، غير أن ممارسات الغش تُسيء إلى روح هذا الشهر الكريم وتُفرغه من مقاصده السامية. فالغش سلوك محرَّم شرعًا ومرفوض أخلاقيًا، ويتنافى مع جوهر الصيام القائم على مراقبة الله فى السر والعلن.. واستشهد حسنى بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، مشيرًا إلى أن الصدق أساس التعاملات الإنسانية، وأن الغش يهدم الثقة ويُضعف تماسك المجتمع.
وتتعدد صور الغش فى رمضان، من التلاعب بالأسعار والاحتكار، إلى بيع السلع الفاسدة أو منتهية الصلاحية، وبيع المنتجات المقلدة على أنها أصلية، والتطفيف فى الكيل والميزان، بل يمتد الغش إلى مجالات أخرى كالغش فى العمل أو الامتحانات، وكلها ممارسات تتناقض مع حقيقة الصيام.. وشدد حسنى على أن الغش سبب لمحق البركة فى المال والرزق، مستشهدًا بقول النبى : «فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما فى بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما»، مؤكدًا أن المعاصى لا تذهب بخير الآخرة فقط، بل تمتد آثارها إلى الدنيا.. ويخلص التحقيق إلى أن الصيام الحقيقى هو صيام الجوارح والسلوك، لا مجرد الامتناع عن المفطرات.
فرمضان فرصة حقيقية لمراجعة النفس وتصحيح الأخطاء، وبناء مجتمع يقوم على الصدق والعدل والإحسان، حتى نخرج من هذا الشهر الكريم بقلوب أنقى وأخلاق أسمى.