صورة تعبرية
صورة تعبرية


الاحتكار فى أوروبا .. غرف دردشة سرية لرفع الأسعار وتقاسم الأسواق بين المحتكرين وخنق المنافسين

مي السيد

الأحد، 01 مارس 2026 - 11:41 ص

خلف الواجهات البراقة للكيانات الإقتصادية الكبرى في أوروبا ومكاتبها الفخمة، تدور أحياناً مؤامرات في غرف مغلقة لا تختلف في جوهرها عن جرائم العصابات المنظمة، ولكن عبر الإتفاقات السرية لرفع الأسعار وتقاسم الأسواق وخنق المنافسين، مما جعل أروقة المحاكم في بروكسل مسرحاً لأعنف المعارك القانونية في القرن الحادي والعشرين

وتنوعت قضايا الإحتكار الإقتصادية في المجالات التقليدية في أوروبا، بداية من شركات الأدوية التي تُتاجر بالألم، إلى كارتيلات السيارات التي تعيق الإبتكار، وصولاً إلى أباطرة الطاقة الذين يتحكمون في دفء البيوت الأوروبية، ولم يكن العالم الرقمي ببعيد عن ذلك الصراع، ضد كيانات اقتصادية كبرى تمتلك ميزانيات دول.

صناعة السيارات، بحسب صحيفة لوموند، التي تعد فخر أوروبا، شهدت واحدة من أكبر قضايا الإحتكار بين 3 شركات ألمانية كبرى، عقدوا اتفاقات سرية لسنوات طويلة، ووفقا للمفوضية الأوروبية، كان هدفهم في الأساس هو "احتكار الإبتكار"، وتقييد التكنولوجيا لحماية الأرباح.

اتفقت الشركات على عدم التنافس في تطوير تقنيات تنظيف عوادم السيارات "أد بلو"، مما أدى إلى حرمان المستهلكين من سيارات أقل تلوثاً وأكثر كفاءة، وهو نوع من الإحتكار وصف بأنه الأخطر، كونه يقتل الإبتكار، وفرض الإتحاد الأوروبي غرامات تجاوزت المليار يورو، مرسلاً رسالة مفادها أن الإتفاق على التخلف التقني، هو جريمة لا تغتفر في قانون المنافسة.

في قطاع الصحة، تلاحق السلطات الأوروبية استراتيجية وصفت بـ الشيطانية، طورتها شركات الأدوية الكبرى، تعرف بإسم الدفع مقابل التأخير، وذلك عندما تقترب براءة اختراع دواء معين من الإنتهاء، تظهر شركات أخرى ترغب في إنتاج نسخ أدوية بديلة أرخص، ولكن في ذلك الوقت تتدخل الشركة الأم صاحبة الإختراع.

تقوم الشركة الأم، بدفع مبالغ مالية ضخمة للشركات المنافسة مقابل تأخير طرح أدويتها البديلة في الأسواق، والنتيجة اضطرار المريض لشراء الدواء الأصلي بأسعار باهظة لسنوات إضافية، وهو ما تحاربه السلطات الأوروبية، وكانت قضية الشركة الفرنسية "سيرفييه"، أشهر قضية مكافحة احتكار في هذا المجال، وعوقبت لتعطيلها دخول أدوية ضغط الدم الرخيصة إلى السوق، مما أضر بميزانيات الصحة العامة في أوروبا.

الطاقة

كما يعد قطاع الطاقة "الكهرباء والغاز" عصب الحياة في أوروبا، ولذلك تفرض المفوضية الأوروبية قواعد صارمة لمكافحة احتكارها، لمنع سيطرة شركة واحدة على إنتاج الطاقة ونقلها وتوزيعها، كما حدث في قضية الشركة الروسية جازبروم، والتي خضعت لتحقيقات مطولة بتهمة استغلال وضعها المهيمن في شرق أوروبا لفرض أسعار غير عادلة وعرقلة تدفق الغاز عبر الحدود.

واجهت بروكسل هذا الأمر بفرض قوانين لمنع استخدام الطاقة كسلاح احتكاري، وكان السلاح القانوني الأكثر فاعلية في قوانين مكافحة الإحتكار هو قانون فك الإرتباط، والذي بموجبه أجبرت شركات الطاقة الكبرى على "فصل الملكية"، حيث لم يعد من الممكن لشركة تنتج الغاز أن تملك الأنابيب التي تنقله، وذلك لضمان أن تظل هذه الأنابيب متاحة لأي منافس جديد يرغب في توريد الغاز بأسعار أرخص.

كان القطاع المصرفي أيضا شاهدا على تحقيقات احتكار أوروبية؛ كشفت عن كارتيلات تلاعبت بمعدلات الفائدة العالمية، في قلب الحي المالي بلندن وفرانكفورت، حيث كان المتداولون في البنوك الكبرى يتواصلون عبر غرف دردشة سرية لتنسيق تحركاتهم، مما يؤدي إلى تزييف معدلات الفائدة التي تُبنى عليها قروض الملايين من البشر.

واعتبرت المفوضية الأوروبية هذا السلوك طعنة في قلب النظام المالي، ووفقا لموقع فرانس تي في إنفو، فرضت غرامة على ثماني مؤسسات مالية لتلاعبها بأسعار الصرف المرجعية لليورو والين، والمعروفة باسم " يوريبور"، حيث بلغ إجمالي أسعار الفائدة بين البنوك رقماً قياسياً قدره 1.7 مليار يورو.

الأمن الغذائي والاجتماعي

أما في قطاع الصناعات الغذائية؛ فرصدت السلطات الأوروبية اتفاقات بين منتجين لتثبيت أسعار سلع أساسية في أوروبا بينها منتجات الألبان و معلبات الطعام، كما عوقبت شركات كبرى لإنتاج الحلويات والمنظفات بعد ثبوت تنسيقها السري لرفع الأسعار في المتاجر الكبرى، وهو ما تعاملت معه السلطات الأوروبية كجرائم تمس الأمن الغذائي والإجتماعي، وتضرب القوة الشرائية للمواطن العادي.

أيضًا تعمل المفوضية الأوروبية على ضمان عدم وجود "اتفاقات سرية" في مجال النقل والشحن للسيطرة على طرق التجارة الأوروبية، عبر تقسيم المسارات أو توحيد الرسوم، وفي قضية شهيرة طالت قطاع الشحن الجوي، عوقبت عشرات شركات الطيران لفرضها "رسوم وقود" موحدة بشكل غير قانوني. 

قامت المفوضية بتغريم 11 شركة شحن جوي 799 مليون يورو بتهمة التواطؤ في تحديد الأسعار، كان بينها شركات كندية وفرنسية وبريطانية ويابانية وسنغافورية؛ حيث قاموا على مدى أكثر من ست سنوات بفرض رسومًا إضافية ثابتة لكل كيلوجرام على جميع الشحنات، وفرض رسوم إضافية على الأمن.

البلطجة الرقمية

ولكن على مدى العقد الماضي لم تعد أروقة المحاكم في بروكسل تضج فقط بقضايا الجنايات التقليدية، بل باتت مسرحاً لصراعات مع منصات عملاقة تم اتهامها بممارسة "البلطجة الرقمية" ضد المنافسين والمستهلكين على حد سواء، وهو ما جعل الإتحاد الأوروبي يقوم بحملة تطهير واسعة استهدفت الكبار في وادي السيليكون.

أدركت أوروبا أن القوانين القديمة لم تعد تكفي لردع شركات تملك ميزانيات تفوق ميزانيات دول، لذلك أصدروا أهم قانونين لمكافحة الاحتكار الرقمي، وهما الأسواق الرقمية والخدمات الرقمية، وهي التي منحت المفوضية صلاحية فرض غرامات تصل إلى 20% من إجمالي الإيرادات في حالة تكرار المخالفات، والتي تصل إلى مليارات الدولارات، وهو ما جعلها قادرة على هز عرش أي إمبراطورية تقنية.

كانت شركة جوجل العالمية صاحبة أشهر قضية في هذا المجال، حيث لم تعد تكتفي أوروبا بالغرامات المالية التي دفعها محرك البحث العملاق سابقاً، والتي تجاوزت 8 مليارات يورو في قضايا مختلفة، بل يطالب الآن بتفكيك الشركة، ووجهت لها تهمة إساءة استخدام الهيمنة في قطاع تكنولوجيا الإعلانات.

ترى السلطات الأوروبية أن "جوجل" تسيطر على كل خيوط اللعبة الرقمية، فهي تملك الأداة التي يبيع بها الناشرون إعلاناتهم، والأداة التي يشتري بها المعلنون، والمنصة التي يتم فيها التبادل، وهو الاحتكار الثلاثي الذي يخنق أي منافسة ويسمح لجوجل بفرض إتاوات رقمية غير عادلة.

ومن أجل ذلك فرضت المفوضية الأوروبية غرامة قدرها 2.95 مليار يورو على شركة جوجل لإنتهاكها قوانين مكافحة الإحتكار في الإتحاد الأوروبي، وذلك بتشويهها للمنافسة في قطاع تكنولوجيا الإعلان، وقد فعلت ذلك من خلال تفضيل خدماتها الخاصة بتكنولوجيا الإعلان عبر الإنترنت على حساب مزودي خدمات تكنولوجيا الإعلان المنافسين، والمعلنين والناشرين الإلكترونيين.

وفي قضية أخرى هزت الأوساط الصحفية، وصفتها وسائل الإعلام، بأنها تهدف لتدمير ممنهج لصناعة الصحافة والويب المفتوح لصالح بناء إمبراطورية بيانات مغلقة؛ حيث اتهمت المفوضية شركة جوجل باستخدام محتوى الصحف لتدريب نماذج ذكائها الاصطناعي وتقديم إجابات جاهزة للمستخدمين دون منحهم تعويضاً عادلاً، والتي تسببت في انخفاض النقرات على المواقع الصحفية بنسبة تصل إلى 80%

لم تكن شركة "ميتا" بمنأى عن الملاحقة، ففي ديسمبر الماضي، فتحت المفوضية تحقيقاً موسعاً في سياسة الشركة تجاه تطبيق "واتساب"، بعدما قررت الشركة منع مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي الآخرين من استخدام "واتساب للأعمال" للتواصل مع العملاء، بينما سمحت لروبوتها الخاص "Meta AI"  بالعمل بحرية. 

اعتبرت المفوضية الأوروبية هذا السلوك استغلالاً بشعاً للسيطرة على سوق تطبيقات المراسلة؛ حيث يملك واتساب 90% من السوق في بعض الدول، لفرض تفوق تقني غير عادل في مجال الذكاء الإصطناعي، وبلغت الغرامات 200 مليون يورو على شركة ميتا، كما تم تغريم شركة آبل 500 مليون يورو،  بسبب سياساتها في متجر التطبيقات التي تمنع المنافسين من تقديم عروض أرخص للمستخدمين.

وكشف البيانات الأوروبية، التي أعلنتها تيريزا ريبيرا نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، عن وجود 60 قضية احتكار تم رفعها ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية في أوروبا، وأكثر من اثني عشر تحقيقاً معلقاً، حيث كانت فرنسا وألمانيا وإيطاليا هم رأس الحربة في الملاحقات التي تتكامل مع جهود المفوضية الأوروبية.

وشهد عام 2025 وحده عدداً قياسياً من القرارات، شملت 5 قرارات إدانة مباشرة و5 تسويات ضخم، ولم تعد التحقيقات تقتصر على البحث أو التواصل الاجتماعي، بل امتدت لتشمل الحوسبة السحابية وأنظمة التشغيل، وحتى الطريقة التي تُعرض بها الإعلانات على الهواتف الذكية.

في الأخير يرى الباحثون الإقتصاديون؛ أن المعركة ضد الإحتكار في أوروبا معركة أخلاقية وقانونية شاملة، بداية من الدواء الذي يشفي المرضى، إلى وقود السيارات، وصولاً إلى الفائدة التي تُدفع للبنوك، والاستغلال الرقمي، يجعل الوقوف أمام تحول الشركات العابرة إلى حكومات خفية تتحكم في مصائر الشعوب أمر لا مفر منه في القارة العجوز. 

اقرأ أيضا: الأجهزة الرقابية ترصد الاتفاقات السرية بين التجار المحتكرين وكبار السماسرة

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة