الاحتكار.. انتهاك قانونى فى أمريكا وبريطانيا

أمريكا وبريطانيا

الأحد، 01 مارس 2026 - 12:31 م

دينا‭ ‬جلال

  مؤسسة واحدة أو عدد محدود من الشركات تسيطر على سوق بعينه وتتحكم في الأسعار بشكل فردي يميل في الغالب إلى الجشع والطمع بعد ضمان إبعاد المنافسين ومنح المستهلك خيارات محدودة دون ابتكار أو تحديث في الانتاج، وهو ما يعد انتهاكًا قانونيًا في القانون الأمريكي حيث لا يقتصر الامر على سيطرة شركة كبيرة وانما تتمثل في استخدام القوة السوقية بطريقة غير عادلة تخلو من المنافسة. تكافح القوانين الأمريكية الاحتكار وتعتبره غير قانوني حين تمتلك بعض المؤسسات الكبرى قوى سوقية مهيمنة وتستخدم ممارسات احتكارية للحفاظ على مكاسبها، ويأتي رد فعل الحكومة الأمريكية بتطبيق سياسة حرب الاحتكار لدعم المنافسة الحرة، وحماية المستهلكين، وتشجيع الابتكار والتطوير، ومنع تركز الثروة والسلطة الاقتصادية والحفاظ على سوق مفتوح في كافة السلع. عقوبات متنوعة تتنوع عقوبات الاحتكار في الولايات الأمريكية، وتعتمد على نوع المخالفة وخطورتها، ويمكن أن تكون مدنية أو جنائية أو تنظيمية، وتعد العقوبات المدنية الأكثر شيوعًا منها الغرامات المالية وقد تصل إلى مئات الملايين أو مليارات الدولارات تفرض على الشركات التي تنتهك قوانين المنافسة، وكذلك التعويضات في القضايا الخاصة؛ حيث تلزم المحكمة الشركات في بعض القضايا بدفع ثلاثة أضعاف الضرر الذي لحق بالمدعي كما تعد الاوامر القضائية وسيلة لحسم القضايا منها وقف الممارسة الاحتكارية وإلغاء الاتفاقيات الحصرية، وتغيير سياسات التسعير، وتصل العقوبات في بعض الاحيان إلى تفكيك الشركات وتقسيمها إلى عدة شركات مستقلة، وتمتد العقوبة احيانا لتصل إلى سجن الافراد أو المديرين التنفيذيين في حالة إثبات التواطؤ أو تثبيت الأسعار وتقسيم الأسواق وتصل في بعض الاحيان إلى 10 سنوات سجن، وبموجب قانون شيرمان لمواجهة الاحتكار قد تصل غرامة الشركات إلى 100 مليون دولار أو أكثر حسب الضرر، والافراد حتى  مليون دولار. أشهر قضية ترتبط اشهر قضايا الاحتكار في الولايات الأمريكية بمؤسسات تكنولوجية كبرى، تواجه القوانين سياساتها الاحتكارية في قضايا معقدة امام المحاكم ومن اهم القضايا قضية احتكار Google الشهيرة والتي تمتد حتى الآن في المحاكم؛ حيث بدأت القضايا منذ عام 2020، اقامت وزارة العدل الأمريكية بمشاركة عشرات الولايات دعاوى قضائية ضد مؤسسة جوجل وتعد أكبر مواجهة حكومية مع شركة تكنولوجيا منذ قضية مايكروسوفت في أواخر التسعينيات، ركزت الدعوى على اتهامات لجوجل باستخدام قوتها المالية واتفاقيات حصرية لإغلاق الطريق أمام المنافسين وترسيخ سيطرتها على سوق محركات البحث والإعلانات المرتبطة به. تعد قضية جوجل من أبرز معارك مكافحة الاحتكار مؤخرا حيث تواجه المؤسسة التكنولوجية ضغوطًا قانونية غير مسبوقة بعد أن قضت محكمة فيدرالية أمريكية بانتهاك المؤسسة الشهيرة قوانين المنافسة عبر هيمنة غير قانونية في سوق البحث على الإنترنت، ويكشف ملف الدعوى دفع جوجل مليارات الدولارات سنويًا لشركات تصنيع الهواتف ومتصفحات الإنترنت مثل Apple، لضمان تعيين محركها للبحث كخيار افتراضي مضمون على الأجهزة ومن ثم تمنحها أفضلية حاسمة يصعب على المنافسين مواجهتها مما أدى إلى ضمان هيمنة الشركة لسنوات. قضايا مستمرة كشفت وثائق المحكمة انفاق جوجل أكثر من 26 مليار دولار في عام واحد فقط للحفاظ على وضعها الافتراضي، وهو ما يعد حاجزًا ضخمًا امام أى محرك بحث منافس، وفي أغسطس 2024، أصدر القاضي الفيدرالي حكمًا اعتبر فيه جوجل شركة محتكرة انتهكت المادة الثانية من قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار، وترى المحكمة أن ممارسات جوجل أضرت ببيئة المنافسة وأضعفت فرص الابتكار في سوق البحث، وبالرغم من وصف جوجل بالاحتكار بشكل مباشر إلا أن العقوبات جاءت أقل حدة من توقعات البعض حيث لم تجبر المحكمة جوجل على حظر اتفاقيات السيطرة أو بيع اجزاء من اعمالها لتكتفي بفرض قيود سلوكية وتنظيمية بدلا من التفكيك الفوري. بعد صدور الحكم أعلنت Google نيتها استئناف الحكم، ما يعني أن القضية مستمرة لسنوات في أروقة المحاكم، وفي الوقت نفسه، تواصل وزارة العدل متابعة قضايا موازية تتعلق بسوق الإعلانات الرقمية، واقترحت الحكومة الامريكية إجراءات اكثر قوة العام الماضي، منها امكانية إجبار Google على بيع متصفح Chrome ومشاركة بيانات البحث مع المنافسين، بينما رفض القاضي التفكيك الكامل، وتعد القضية أول انتصار حكومي على شركة تكنولوجيا عملاقة منذ عقود، وفي الوقت الذي تخطط فيه جوجل حاليا للاستئناف تواصل الحكومة الأمريكية الضغط، ومازالت القضية مفتوحة حتى الآن. منع المنافسة تسير مؤسسة امازون الشهيرة للتسوق والبيع الالكتروني على نهج جوجل؛ ففي عام 2023، رفعت الحكومة الأمريكية متمثلة في لجنة التجارة الفيدرالية ومعها ولايتان قضية ضد شركة امازون لتتهمها باستخدام قوتها في السوق بطريقة تمنع المنافسة وتضر البائعين والمستهلكين، واشارت وثائق المحكمة إلى اتهام امازون بمعاقبة البائعين ممن يقدمون اسعارًا أقل حيث تخفي المنصة أى منتج ارخص من منتجاتها أو تقلل ظهوره، وتفضل عرض منتجاتها فقط ووضعها اولا في نتائج البحث بالإضافة إلى فرض رسوم مرتفعة على البائعين، وهو الأمر الذي يمنع المنافسة السعرية ويجبر البائعين لرفع الأسعار ويضر المستهلك. نفت امازون الاتهامات لتشير في دفاعها إلى توفير أسعار منخفضة مع إبقاء المنافسة وطرح الابتكار دون احتكار، ولا تزال القضية مستمرة وسط مطالبات الحكومة بوقف الممارسات المقيدة للأسعار، وفرض تغييرات على طريقة عمل المنصة، كما اوصت بتفكيك أجزاء من الشركة إلا انه امر لم يطبق حتى الآن. حرب الأدوية تواجه الحكومة الأمريكية ايضا قضايا احتكار ضد شركات الادوية وهو امر شديد الأهمية والحساسية حيث يضر بقطاع كبير من المرضى منها شركة تيفا للأدوية بسبب التلاعب بأسعار الأدوية، اتهمت وزارة العدل الأمريكية تيفا وعدة شركات بالتنسيق السري لرفع أسعار أدوية وتقسيم السوق فيما بينهم، وشملت الاتهامات أدوية شائعة الاستخدام. ودفعت القضية شركة تيفا لدفع تسويات بمئات الملايين من الدولارات في قضية تمثل نموذجًا صريحًا على احتكار سوق الأدوية. اتهمت وزارة العدل ايضا عدة شركات برفع أسعار الانسولين بشكل مبالغ فيه ومنع المنافسة ليتسبب في رفع دعاوى جماعية مستمرة تسببت في ضغط سياسي وشعبي كبير في أمريكا دفعت بعض الشركات لخفض الاسعار في دواء شديد الحساسية يمثل حياة أو موت لملايين المرضى. قانون المنافسة ننتقل إلى بريطانيا التي تطبق قانون المنافسة لمواجهة الاحتكار وتهدف إلى منع الشركات من الهيمنة على السوق والاتفاق على تثبيت الأسعار أو منع دخول منافسين جدد، ويقسم قانون المنافسة لعام 1998 المخالفات إلى فصلين رئيسيين: الاول يمنع الاتفاقات السرية بين الشركات او تقسيم الأسواق، والفصل الثاني يمنع إساءة استغلال الوضع المهيمن أو فرض أسعار غير عادلة وإقصاء المنافسين. تعد قضية جوجل في سوق الاعلانات الرقمية احد أشهر قضايا الاحتكار الحديثة في بريطانيا مثل أمريكا ولنفس الاسباب بسبب استغلال هيمنتها وتقييد المنافسين والتحكم في سوق الإعلانات الرقمية وما تزال القضية مستمرة، وكذلك قضية مايكروسوفت بسبب احتكارها واستحواذها على مؤسسة اخرى بقيمة 69 مليار دولار. عقوبات صارمة في مجال الادوية تواجه شركتي ادوية شهيرتين اتهامات برفع اسعار ادوية الصرع بشكل ضخم وهو ما يعكس استغلال المرضى في نزاع قانوني طويل يعد نموذجا للهيمنة في مجال الادوية، تواجه بريطانيا ايضا قضايا احتكار شركات البناء حيث اكتشفت أن عدة شركات تبادلت الأسعار مما أثر على أسعار الخرسانة في بريطانيا وفرضت المحاكم غرامات بملايين الجنيهات. في حال ثبوت العقوبات في بريطانيا يتم فرض غرامات تصل إلى 10% من الإيرادات العالمية بالاضافة الى إلغاء الصفقات وأوامر بتغيير سلوك الشركة ويصل الامر الى فرض عقوبات جنائية للأفراد في حال ثبوت تورطهم في تطبيق الاحتكار. اقرأ أيضا: الاحتكار فى أوروبا .. غرف دردشة سرية لرفع الأسعار وتقاسم الأسواق بين المحتكرين وخنق المنافسين