مصر أرض البقيعين
الجمعة، 06 مارس 2026 - 08:15 م
داليا جمال
ليست المدينة المنورة وحدها من تحتضن البقيع، فمصر أيضا أرض البقيعين، أحدهما فى قلب القاهرة والآخر فى صعيدها، وكلاهما يرقد فيه تاريخ لو أحسنا قراءته لأحسنا استثماره. فى القرافة الكبرى بالقاهرة، التى يسميها المؤرخون البقيع الأصغر تشبيها ببقيع المدينة، يرقد الإمام الشافعى والليث بن سعد والسيدة نفيسة والسيدة سُكينة ورابعة العدوية وعقبة بن عامر وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة وآل البيت والعلماء. أسماء صنعت الفقه والعلم والتاريخ الروحى لهذه الأمة، وارتبط بها وجدان ملايين المسلمين عبر القرون، وهنا ليست مجرد شواهد قبور بل ذاكرة أمة كاملة ممتدة فى عمق الزمن.
وفى صعيد مصر، فى قرية البهنسا بمحافظة المنيا، يرقد البقيع الثانى أو بقيع مصر، أرض شهدت معارك الفتح الإسلامى ودفن فيها عدد كبير من الصحابة والتابعين حتى لقبت بأرض الشهداء، وهناك مقامات تنسب للحسن بن زين العابدين وعبد الله بن الحارث وغيرهما، وظلت عبر العصور مقصدًا للزائرين ومحبى آل البيت رغم تواضع الخدمات وضيق الطرق وغياب التخطيط الذى يليق بقيمة المكان.
اثنان من أعظم المسارات الروحية الممكنة فى مصر، ومع ذلك لا يحظيان برؤية تنموية متكاملة. الطرق المؤدية مزدحمة وعشوائية، الهوية البصرية شبه غائبة، الخدمات محدودة، ولا يوجد مسار سياحى منظم يمكن تسويقه داخليا وخارجيا كما يحدث مع المتاحف والمعابد. الزائر يأتى بدافع الحب والروحانية، فيصطدم بواقع لا يعكس عظمة من جاء لأجلهم.
العالم يتحدث اليوم بلغة الأرقام. السياحة الدينية تدر عشرات المليارات سنويا، ودول عديدة بنت اقتصادا كاملا حول مزار واحد فقط، فخلقت فرص عمل وحركت تجارة ونشطت فنادق ومطاعم وصناعات تقليدية.
القضية ليست مجرد رصف طريق أو طلاء واجهة، بل إعادة اعتبار لقيمة روحية وتاريخية يمكن أن تتحول إلى قوة ناعمة حقيقية تضاف إلى رصيد مصر الحضارى والاقتصادى. لسنا أمام قبور عادية، بل أمام رموز صنعت تاريخا وعلما وفقها وروحانية، وأمام فرصة تنموية إذا وجدت الإرادة تحولت إلى مشروع قومى يعيد رسم خريطة السياحة الدينية ويمنح هذه الأماكن ما تستحقه من تنظيم وجمال وهيبة.
مصر لا ينقصها التاريخ، ولا الرموز، ولا المكانة فى وجدان المسلمين، ينقصها فقط قرار يعيد لهذه النفائس مكانها على خريطة الاهتمام، ويحول أرض البقيعين من ذاكرة منسية إلى مشروع حضارى واقتصادى يليق باسم مصر.