فتنة عبدة العجل
السبت، 07 مارس 2026 - 08:43 م
علاء عبدالوهاب
حين عاد سيدنا موسى من رحلته لمناجاة ربه، كان بانتظاره موقفٌ عصيبٌ مثيرٌ. عاد موسى إلى قومه ليواجه مأساة فتنتهم، ووقوعهم فى خطيئة فادحة؛ لقد عبدوا العجل!
لم يكن الأمر بمثابة مفاجأة للرسول، إذ إن الله أخبره بما حدث بقوله تعالى:
﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.
وكان ردُّ الفعل الإنسانى لنبيِّ الله موسى أن امتلأ صدره بالغضب، يقول سبحانه: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾.
استثمر السامرى ما تهفو إليه نفوس قوم موسى، وتطلُّعهم إلى إلهٍ مثل أقوامٍ سبقوهم وأقوامٍ يجاورونهم، ولم يُذعنوا لعبادة الواحد الأحد كما دعاهم موسى كما استغلَّ -أيضًا- ما رصده من أثر رسول السماء، وفى غيبة سيدنا موسى صنع السامرى عجلًا جسدًا له خوار، من الذهب والحُليّ التى كانت معهم، وحصلوا عليها بالسرقة تارةً، والاختلاس تارةً أخرى، أو على سبيل الاستعارة دون ردٍّ للمصريين أصحابها الأصليين.
كانت فتنةً هائلة؛ إذ اتخذوا من العجل الذى فُتنوا به إلهًا، ونسوا إله موسى، بل نسبوا زورًا وبهتانًا ما وقعوا فى فتنته إلى موسى، وأنه نسى هذا الإله المزعوم، وراح يبحث عنه، بينما هو بين ظهرانيهم!
أسدلت الفتنة غشاوةً على أبصارهم، وغاب عنهم التمييز. يقول تعالى فى وصف حالهم هذا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، وفى موضعٍ كريمٍ آخر يقول جل شأنه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
وفى غيبة سيدنا موسى، ومع سعى السامرى لفتنة القوم، أعرضوا عن نصح هارون الذى استخلفه أخوه على القوم حين ذهب لمناجاة ربه. لم ينصتوا لتحذير هارون حين اتخذوا العجل معبودًا من دون الله، وكما يسجل القرآن الكريم هذا الموقف بقوله سبحانه: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.
لكنهم استضعفوا خليفة موسى، ودأبوا على الرد الذى سجله المولى:
﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. إنها فتنة السفهاء الذين رسبوا فى لحظة الاختبار.