خطط بديلة للبقاء: هل يستطيع الشعر أن يغير المنظر العام؟
السبت، 07 مارس 2026 - 09:11 م
أخبار الأدب
عاطف محمد عبد المجيد
«كلما كتب قصيدة، سخر منه أصدقاؤه، لذا يخفيها عنهم مخافة السخرية.
كلما كتب قصيدة، ضحكت حبيبته وابتسم العالم البغيض.
ماذا يفعل الشاعر: يكتب أم لا يكتب؟!
منذ أن بدأت أقرأ نصوصه الشعرية على صفحته الخاصة على الفيسبوك، أدركت أن محمد عبد الرحيم شاعر طمع فى بساطة الشعر وجماله، فمنحه الله القصيدة كما يرجوها، فهو يكتب نصه الشعرى بشكل مختلف درجة أنك تشعر بجمال نصه وعمقه وبساطته متسائلًا، بكل دهشة، كيف استطاع هذا الشاعر أن يكتب شعرًا بهذا الشكل؟!
وأنا أقرأ ديوانه «خطط بديلة للبقاء» الصادر ضمن سلسلة الإبداع الشعرى عن الهيئة العامة للكتاب، رحت أفكر فى توصيف لما أقرأه، محاولًا تعريف الشعر وفق ما أقرأه لحظتئذ، وإذا بى أجد على صفحة الناقد والروائى مجدى نصار قوله «الشعر أن تصبح كل اللغة دهشة، أن تعانق الكلمة الكلمة، أن تأتيك الجملة كرصاصة تقتلك بالانفعال»، ونصًّا بعد نص إذا بى أجد محمد عبد الرحيم بنفسه يقدم، فى أحد نصوص الديوان، تعريفًا للشعر مثلما يراه هو:
لو سمعتَ نقرات خفيفة على زجاج النافذة
لا تظنه وقع مطر، أو حبيبًا غلبه الشوق
لا تنخدع من الرقة، ليس هناك أحد
لا تكن أحمق،اهرب، اهرب بجلدك؛ هذا هو الشعر.
ومن تعريفه للشعر، راح يدلنا على كيف يكتب هو الشعر معلنًا أنه يحذف كل ما هو قابل للحذف، كل ما هو زائد عن الحاجة، كل ما يعنى تكرارًا، كل ترهل، كل إطناب، كل توكيد، كل معنى بذيء، كل معنى سطحي، كل معنى غامض أيضًا، هو يفعل ذلك بمرارة قلبه وقسوة العالم، هو يكتب الشعر بسكين، لنجد أنفسنا فى النهاية أمام قصيدة محمد عبد الرحيم وكأنها ورقة بيضاء خالية من كل عيب.
حين تقرأ قصيدة محمد عبد الرحيم الغارقة فى حديقة الدهشة، يمكنك أن تقول عنها وكلك اطمئنان إنها هى الشعر بالفعل، الشعر وفقط، حتى وإن كانت كل تعريفات الشعر غير ذلك، إنها قصيدة شاعر يكتب نصه الشعرى مبتعدًا عن تقليد الآخرين، أو الانسياق وراء تجربة من تجاربهم، بل هو يؤثر أن يقبع فى مكان شعرى يخصه دون أن يسعى لتكرار نماذج قُتلت تقليدًا، خاصة فى زمن قلَّ فيه من يمتلكون موهبة شعرية فارقة، وفى ظل هرولة ضعاف الموهبة أو معدوميها وراء تكرار تجارب غيرهم.
أول ما يطالعنا فى خطط عبد الرحيم البديلة تعليماته لقراءة الشعر التى يطالب فيها القارئ الصديق بألا يحاول كتابته مهما كانت الفكرة شيقة، فهى ليست رحلة مدرسية، بل هى مكان غير آمن، إنها غابة مظلمة، مشيرًا فى قصيدته «بيت الشعر» إلى أن من سيدخله لن يستطيع العودة منه أبدًا إذ لا طريق هناك للرجوع، معلنًا أن طموح الكلمة أن تصير كتابًا، وأن طموح العالم أن يعود كلمة، لكنه يعلن، عبر نصوصه ودون أن يذكر هذا صراحة، أن طموحه هو كشاعر أن يكتب نصًّا متفردًا، حين يُقرأ يُشار إليه هو صاحبه:
تعالى
نكتب قصيدة
أنا اللفظ الضليل
وأنت الدلالة الرائعة
تعالى نضع النقاط فوق الحروب
يكفينا أن نصنع كلمة واحدة.
مثلما يكفيه هو أن يكتب قصيدة تحمل كل معانى الشعر مبتعدة عن كل ما يلجأ إليه غيره من غموض أو تقليد للشعر الغربى مما أضر بالشعر العربى وساعد فى حفر هوة سحيقة بين الشعر وقرائه وحضور أمسياته.
كذلك لاحظت بعد قراءة خطط محمد عبد الرحيم البديلة أن ثمة شعورًا بالغياب، أن ثمة إحساسًا شديدًا بالغربة، وأن ثمة فقدًا ما تعانى منه الذات الشاعرة ويبدو واضحًا تشير إليه النصوص معلنة حزنها الجاثم على صدرها نتيجة لهذا الفقد:
على الخريطة
يوجد نهر
يوجد بحر أيضًا
توجد محيطات شاسعة
لكن ولا قطرة ماء!
محمد عبد الرحيم الذى يرى الحرية كأنها طائر فى الأعالى لا يرانا ولا نراه، يمتلك نصه الشعرى طزاجة لا تذبل بل تتجدد مع كل قراءة، كما يبدو هنا فى قمة انشغاله بالشعر والشاعر فى رحلة بحثه عن أناه الشاعرة عبر ما يتعرض له من مواقف ومشاعر:
الشاعر/
ندبة فى الوجه، جرح فى العنق، مزقة فى النسيج، عطب فى الخلية، خلل فى النظام، عطل فى الماكينة، حجر عثرة فى الطريق يقبع فى هدوء وجمال وينتظر...
وكما يقفز رائد الفضاء فرحًا حين يمشى على القمر، أعلن قفزى فرحًا وأنا أقرأ نصوص محمد عبد الرحيم عن الشعر، الحياة، الحرية، والإنسان فى كل تفاصيله، الإنسان الذى سيرحل وسيرحل معه كل شيء إلا الشعر الذى سيبقى للأبد:
فى النهاية سيختفى كل شيء، الحزن، السعادة، الأمل والألم،........... كل شيء على وجه الأرض سيختفى إلا الشعر.. سيجلس وحده فى خراب الحديقة يبكي.