صورة تعبرية
صورة تعبرية


ليلة سقوط شبح الجبل الأسود فى فرنسا

مي السيد

الأحد، 08 مارس 2026 - 05:47 م

لا حديث في أوروبا، سوى عن العملية الأمنية الكبرى، التي شاركت فيها 8 دول، أطاحت خلالها بأخطر شخصية في عالم المافيا، والمعروف باسم، شبح الجبل الأسود، وهو العقل المدبر لشبكة دولية تغسل مليارات اليوروهات سنويًا لصالح كبار المجرمين، حيث استطاعت السلطات تدمير أسطوله المالي ومصادرة ممتلكاته الفاخرة.

كانت مدينة كان الفرنسية الساحرة، شاهدة على دوي العملية الأمنية الكبرى، التي انطلقت شرارتها الأولى برصد تدفقات مالية مشبوهة وشركات وهمية، وصولاً لضبط شحنة كوكايين ضخمة في بلجيكا، وبينما كان الأثرياء يستمتعون بنسيم «الريفييرا» كانت وحدات النخبة من الدرك الوطني الفرنسي تحبس أنفاسها، وهي تراقب فيلا فارهة تطل على البحر.

في ذلك المكان المراقب، لم يكن الرجل المرصود، وهو شخصية قادمة من مونتينيجرو الجبل الأسود، مجرد سائح ثري، بل كان هدفاً ذا قيمة عالية على رادارات اليوروبول، وشبحاً تطارده أجهزة استخبارات قارة بأكملها، وفي لحظة الصفر، انتهت أسطورة المهرب العالمي ومعه واحدة من أعقد قصص التهريب وغسل الأموال في العصر الحديث.

بدأت الحكاية بعيداً عن صخب أوروبا، وتحديداً في أدغال أمريكا الجنوبية، حيث تخرج شحنات الكوكايين البيضاء لتعبر المحيط في حاويات عملاقة، بحسب اليوروبول، لكن المثير في هذه القضية ليس فقط حجم المخدرات، بل تلك الشبكة الإجرامية الدولية التي استطاعت تحويل «سموم الكوكايين» إلى «ذهب قانوني» يضخ في عروق الاقتصاد الأوروبي.

بدأ المحققون يلاحظون حركات مالية مشبوهة لا تتناسب مع النشاط التجاري المعلن لبعض الشركات، عبر الفواتير المزورة، واستثمارات عقارية بأسعار خيالية، وشركات وهمية لا توجد إلا على الورق، كانت كل هذه الخيوط تقود إلى «عقل مدبر» استقر في فرنسا رفقة عائلته المقربة وصهره الإيطالي، الذي يملك سجلاً حافلاً في الاحتيال وحيازة الأسلحة وغسل الأموال لدى السلطات الإيطالية.

فن إخفاء الأرباح

كشفت التحقيقات أن هذه الشبكة لم تكن تعمل بمفردها، بل كانت تمثل «الذراع المالية» لأشرس عصابات المافيا الإيطالية وهما عصابتي «كامورا» و»ندرانغيتا»، حيث كانت ملايين اليوروهات تتدفق من صفقات الكوكايين الكبرى لتُغسل عبر نظام متطور يمتد من بلجيكا وألمانيا وصولاً إلى سويسرا وإيطاليا.

استخدمت الشبكة الإجرامية هيكلاً تنظيمياً محكماً يعتمد على الأصول المشفرة لتجاوز الرقابة البنكية التقليدية، والسيارات الفاخرة ذات المخابئ السرية التي كانت تعبر الحدود أسبوعياً محملة بالأموال السائلة، بخلاف شبكة شركات عابرة للقارات، تمتد عبر ولايات قضائية متعددة لتشتيت انتباه المحققين.

كانت نقطة التحول الكبرى في أواخر عام 2025، عندما تمكنت الجمارك البلجيكية في ميناء أنتويرب من ضبط شحنة ضخمة من الكوكايين، حيث لم تكن تلك الضبطية مجرد ضربة لمهربي المخدرات، بل كانت «الخيط الذهبي» الذي ربط الشحنة مباشرة بالمشتبه به المقيم في فرنسا، بعدما أدرك المحققون أنهم لا يطاردون مجرد غاسل أموال، بل يطاردون منسقاً عالمياً لشحنات الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى الموانئ الأوروبية الكبرى.

ساعة الصفر

تحولت القضية إلى تحدٍّ دولي في أوروبا بأكملها، وقاد الدرك الوطني الفرنسي التحقيق بالتعاون الوثيق مع الدرك الإيطالي والمكتب الفيدرالي السويسري للشرطة، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل انضم فريق عمل دولي يضم بلجيكا وبلغاريا وألمانيا والإكوادور، بإشراف مباشر من يوروبول ويوروجست، مما جعل المنظمة الإجرامية تحت حصار خانق لا مفر منه، أطلق عليه اسم تحالف الشجعان.

في فجر يوم من فبراير، أُعطيت إشارة الانطلاق لعملية تتبع الأموال المنسقة، ففي فرنسا، داهمت السلطات الفرنسية فيلا الهدف المرصود، والذي سقط مع ثلاثة من مساعديه، بينما كانت الشرطة الإيطالية تداهم مواقع أخرى لتلقي القبض على ثلاثة مشتبه بهم إضافيين.

المشهد في الريفييرا الفرنسية كان يشبه أفلام هوليوود، وفقا لصحيفة لوفيجارو، حيث سيارات فاخرة تُسحب بالأوناش، فيلات تزيد قيمتها عن 5 ملايين يورو تُشمع بالشمع الأحمر، ووثائق سرية تُصادر لتكشف تفاصيل الإمبراطورية المالية المنهارة، وفي الوقت نفسه، كانت السلطات في سويسرا وإيطاليا تصادر أصولاً وشركات إضافية تابعة للشبكة.

وضعت يوروبول هذا التحقيق كأولوية قصوى ضمن مركزها الأوروبي للجرائم المالية والاقتصادية، حيث قدمت الوكالة دعماً تقنياً كبيرا  شمل التحليل الجنائي والمالي المتقدم لتتبع مسار اليورو الواحد عبر آلاف الحسابات، وإجراء الاتصالات الآمنة التي منعت تسريب المعلومات للمخترقين داخل الأجهزة الأمنية.

أكدت اليوروبول أن المعركة لم تكن أمنية فحسب، بل كانت ممولة ومدعومة من أعلى المستويات الأوروبية، خاصة المفوضية الأوروبية، التي دعمت الاجتماعات التشغيلية ونشر المحققين مالياً، حيث أدى التكامل بين التمويل الأوروبي والخبرة الأمنية الإيطالية والفرنسية التكامل إلى سقوط الشبكة التي كانت تظن نفسها عصية على الاختراق.

خلف القضبان

يواجه شبح الجبل الأسود الأن وصهره، اللذان يقبعان خلف القضبان اتهامات تتراوح بين تنسيق شحنات الكوكايين، وغسل الأموال، والاحتيال، وحيازة الأسلحة، حيث يباشر المدعي العام في نابولي التحقيقات للكشف عن المزيد من المجرمين الكبار، الذين كانوا يستفيدون من هذا النظام المالي المظلم.

وفي محاولة لإثبات الهيمنة الأوروبية على تلك الشبكات المظلمة، قام اليوروبول بعمل مناورة «حلفاء 2026»، المصمم لتعزيز التعاون والتوافق عبر الحدود بين سلطات إنفاذ القانون الأوروبية، والذي حاكى سيناريوهات متداخلة تجري في عدة دول أوروبية، قدرة المشاركين على مكافحة تهريب المخدرات والتهديدات الهجينة بفعالية.

جمعت مناورات «حلفاء 2026» وحدات المراقبة والأمن الجوي والتدخل الخاص من 12 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، حيث واجهت هذه الوحدات سيناريوهات واقعية متغيرة باستمرار، ومع كل تطور وتغيير في الموقع، كان على المشاركين إبقاء بعضهم البعض على اطلاع دائم، وتسليم المهام واستئناف العمل من حيث توقف الآخرون.

تضمنت خطة مناورات «الحلفاء 2026» سيناريوهين متوازيين، بدأ أحدهما في أيرلندا والآخر في بلجيكا، وتمثلت أهداف المشاركين في المناورات في إجراء مراقبة عابرة للحدود متعددة الجنسيات لأهداف متعددة في جميع أنحاء أوروبا، وكان من أهم جوانبها الانتقال السريع من المراقبة إلى التدخل، مما أدى في النهاية إلى اعتقال الأهداف.

أكد المحققون في يوروبول ويوروجست أن تشكيل فريق التحقيق المشترك كان «الضربة القاضية» لهذه المنظمة، ويرى الخبراء الأمنيون أن التعاون مع دول من خارج القارة مثل الإكوادور هو التوجه الجديد الذي سيقضي على جذور تجارة المخدرات العالمية، محذرين من أن تطور الجريمة المنظمة يتطلب تطوراً موازياً في التشريعات المالية الدولية.

وحذرت السلطات الأوروبية المجرمين في مثل تلك المنظمات من أنه مهما بلغ درجة ذكائهم في استخدام العملات المشفرة أو السيارات الفاخرة ذات المخابئ السرية، سيظلون دائماً يتركون أثراً مالياً، مشيرين إلى أن نجاح هذه العملية الدولية هو رسالة واضحة لكل شبكات الجريمة المنظمة بأن أوروبا لم تعد ساحة مفتوحة لغسل الأموال، التي اعتبروا تتبعها هو السلاح الذي سيهدم قصورهم المبنية من دماء وأوجاع ضحايا الكوكايين. 

اقرأ أيضا: فرنسا تلقي القبض على عصابة للإتجار في الكوكايين بمطار شارل ديجول

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة