وفتنة سليمان

علاء عبدالوهاب

الثلاثاء، 10 مارس 2026 - 09:01 م

علاء عبدالوهاب

كان سيدنا سليمان من فضائل داود عليه السلام، ومن منن الله عليه، فمن أعظم نعم الله على عبده أن يهب له ولدًا صالحًا يرثه، فكان نعم الوارث، إذ قدم محبة الله على محبة كل شىء. لكن ذلك لم يبعده عن دائرة الابتلاء والامتحان، يقول تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِى إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ). وقد اختلف المفسرون حول هذا الموقف، وحول ما كان موضوع الاختبار الذى واجهه سليمان، إلا أن الغاية الإلهية على أى حال كانت امتحانه حتى لا يغتر ببهجة الملك، وكان أن تنبه فرجع إلى الله وأناب. تراوحت الآراء، فمن قائل إن سليمان انتوى المرور فى ليلة على سبعين جارية ليأتى من كل منهن بولد فارس يجاهد فى سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فلم تلد سوى واحدة، جسدًا لا حركة فيه. وذهب آخرون إلى أن سليمان علم أن الجن تنوى قتل ولده حتى لا يفعل بهم ما يفعله هو حين يرثه، فدفعته خشيته عليه إلى أن يضعه فى السحاب بعيدًا عنهم، وكأنه يفر من قدر الله. وقيل - أيضًا - إن لسليمان أخًا فاسدًا انقلب عليه وتولى الملك لفترة، حتى شاءت إرادة الله أن يصبح مجرد جسد على كرسى العرش، لتخرج عليه الرعية وتقتله، ويعود سليمان لعرشه. وذهب تفسير آخر إلى أن الجسد ها هنا لسليمان نفسه، حين مرت عليه لحظة لم يتمكن فيها أن يحرك جسده، ولا يستطيع أن يأمر بأى أمر كما اعتاد، فسلبه الله تعالى هذه القدرة، وربما مرجع ذلك أن نفسه حدثته بالزهو بعد أن تعدت سيطرته على جوارحه ذاته إلى غيره من الإنس والجن والطير والريح. شاء الله سبحانه أن يسلب منه ما منحه إياه، فلم يسلب منه النبوة أو الملك، وإنما قواه الذاتية، ليتوب لنفسه بعد هذا الابتلاء القاسى. وحينما أدرك حقيقة الاختبار استرد ما سُلب منه، وطلب المغفرة من ربه، وفى مزيد من كرم الخالق بأن يهب له ملكًا لا يليق لأحد من بعده، فاستجاب له كثيرًا لعطاء، حتى لا يُحسب أن ما جرى له ينتقص من درجته عند المولى سبحانه وتعالى.