ابتلاءات يوسف
الأربعاء، 11 مارس 2026 - 09:06 م
علاء عبدالوهاب
استأثرت قصة سيدنا يوسف بسورة كاملة فى القرآن الكريم، منذ طفولته وحتى بلغ أشده، وتتابعت أطوار حياته منذ ما قبل النبوة، وحتى توليه المسئولية فى أعلى مستوياتها بمصر التى وفد إليها..
والمتأمل للأمر يلفته تفرد يوسف عليه السلام بذلك، بينما انتثرت أنباء جميع الرسل الآخرين فى العديد من مواضع القرآن، وتوزعت على الكثير من السور، دون أن ترد قصتهم كاملة.. وتدبر هذه الحالة الفريدة ربما يدعونا لتذكر قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، وقول الرسول الكريم: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل»، كما يقول النبى موضحًا: « ُيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه».
استعراض حياة سيدنا يوسف فى سورته القرآنية يرشدنا إلى عديد مواضع الابتلاء، الذى هو اختبار وامتحان من المولى عز وجل، والشر والخير كلاهما فتنة. وفى جميع ما مر به يوسف تمكن من اجتياز كل فتنة ومحنة، بل إن المحن أصبحت منحًا بفضل توفيق المولى ورعايته.. واللافت فى مسيرة سيدنا يوسف الحافلة بالابتلاءات أن النص القرآنى تناول تفاصيل حياته دون أن يصف أيًا من مواقفها بالفتنة أو الابتلاء، لأن من يتابع يستشف طبيعتها دون إفصاح صريح، ولعل ذلك من بلاغة القرآن فى أحد وجوهها..
تقلب حال يوسف من محنة إلى أخرى، ومن تآمر إلى إنصاف، ومن رقّ إلى مُلك، ومن شتات إلى اجتماع، ومن حزن إلى فرح، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكار إلى إقرار؛ هكذا مضت حياته.. وكانت بداية المحن ناجمة عن غيرة ملأت قلوب إخوته، يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ، اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ، قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾..
كانت الخطوة التالية فى تنفيذ المؤامرة إبعاد يوسف، بمراودة أبيهم ليرسله معهم يلعب ويمرح، ويبعدوا عنه شبح مخاوفه من أن يأكل الذئب يوسف إذ هم عنه فى غفلة. وكان أن نفوا هذا الخاطر، وطمأنوه حتى كان لهم ما أرادوا، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
تم مرادهم، لكن الله أوحى ليوسف ما يؤنس وحشته، وكان هذا أول الابتلاءات.
(والحديث متصل)