محنة الرق والمراودة
الخميس، 12 مارس 2026 - 08:25 م
علاء عبدالوهاب
بعد أن كان يوسف قرة عين أبيه، تحوّل إلى سلعة تُباع وتُشترى، وبدأت رحلته مع الرق. وأيُّ محنة يواجهها الحرّ حين يصبح رقيقًا يُعرض فى الأسواق؟!
قبع يوسف فى الجب حيث ألقاه إخوته، ولم يطل الأمر، يقول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
لم يحمل الدلو ماءً فقط، بل غلامًا أيضًا. وسرعان ما أخفوه، وعاملوه كأنه بضاعة، فلم يتركوه يمشى بين الناس فيراه من يبحث عنه، إذ كانوا يريدون بيعه سريعًا. يقول تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.
لقد كان من وجدوه يبتغون التخلص منه سريعًا، خشية أن يبحث عنه أبوه أو من يعرفه.
لكن رجاء إخوته خاب أمام مشيئة الله سبحانه، إذ يسّر له من يكرمه. يقول تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِى اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
لم يمض وقت طويل بين ما تعرض له يوسف من تآمر إخوته، ثم وجوده فى الجب، ثم بيعه، حتى انقلب الأمر رأسًا على عقب؛ فقد طلب الذى اشتراه من زوجته أن تحسن معاملته وتكرمه، لعلّه ينفعهم، أو يتخذونه ولدًا، إذ لم تكن تلك الأسرة تنجب.
وهكذا بدأ التمكين ليوسف بعد إقامته فى بيت عزيز مصر. وتمضى الأيام سريعًا، ويصبح الطفل فتىً جميلًا، فيدعو نضجه سيدته إلى ما لم يكن فى الحسبان. يقول تعالى:﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
لم يسايرها فى رغبتها، بل استعان بالله، واستحضر فضل من أحسن إليه، فلم يقابل الإحسان بالجحود. يقول تعالى:﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
كان يوسف بشرًا، لكنه كان تقيًّا يخاف الله. وحين راودته عن نفسه نازعته النفس البشرية، لولا أن رأى برهان ربه حاضرًا أمامه، فثبت على عفته، وامتنع عن المعصية، وثبته الله على الطهر ليصرف عنه السوء والفحشاء.
وكما نجّى الله يوسف من محنة الرق، نجّاه كذلك من فتنة امرأة العزيز ودعوتها إلى المعصية.
﴿والحديث متصل﴾..