«البريدى» ناظر مدرسة فنية متفردة
الجمعة، 13 مارس 2026 - 07:49 م
زكريا عبدالجواد
ربما يحتاج المبدع «إبراهيم البريدى» مدربًا ليعلم ملامحه أصول التكشير، فقسمات وجه الرجل باسمة «ربانى»، ولا تفلح معها الرشوة - مهما علا الحدث - لتتفاعل مع الأحزان.
يكره «البريدى» منظر الياسمين ورائحته! وحين سألته عن السبب أغضب «روقان» الماء بشد نفس عميق من الشيشة، فانطلق الدخان من فمه وكأنه انبعاث من طائرة نفاثة، وقال: كنت أجمع زهور الياسمين من ضيعات أحد الأثرياء الشاسعة فى قريتنا «صُرَد» بمحافظة الغربية، التى خصصها لزراعته بغرض التصدير إلى مصانع العطور الفرنسية.
تنهد، ثم عاد بورق التقويم لأعوام بعيدة وقال: كنت ضمن فريق كبير من جامعى الياسمين من أطفال ونساء القرية، بأجر ثلاثة قروش مقابل جنى الكيلو فى سبعينيات القرن الماضى، وأوضح أن جمع هذه الزهور يكون بعد الثانية عشرة من منتصف الليل، ويتوقف العمل عند أول ضوء؛ لأن الزهرة فى هذا التوقيت تكون فى أوج رائحتها، ويجب جمعها قبل تبخر الندى حفاظًا على وزنها ولونها.
يرسم «البريدى» لوحاته بفن اخترعه.. نعم اخترعه بالصدفة فجسّم بقاقيص القماش أجمل اللوحات وكان منها «الليلة الكبيرة»، التى اشتراها منه المجلس الأعلى للأمومة والطفولة عام 2001 بمبلغ فاق توقعه، فعاد إلى منزله راكبًا تاكسى منتشيًا بتأبط الأمان النائم فى ظرف النقود الأبيض، وبجزء من المبلغ وقبل أن يدخل شقته اشترى لزوجته الوفية كمية مضاعفة من الذهب عوضًا عما اضطرته الحاجة لبيعه.
من قصاقيص القماش يبدع البريدى فى تجسيم لوحاته، وبالخيط ينقش عليها إبدعات فنية تشع بهجة، بفن هو ناظر مدرسته، ولم يهوَ هذا الفن غيره ربما فى العالم كله، إضافة إلى إتقانه رسم الكاريكاتير.
خاض البريدى كثيرًا من المعارك كأى مبدع فى مجاله، ولكنه نجا منها بسلامة نيته، وإبداع فطرى لم يشاركه فيه أحد حتى الآن، وكان الله معينًا له حتى اشتهر عربيًا وعالميًا بفنه دون تسلق أو رياء لأحد.
بالصدفة لجأ البريدى إلى والدته، تلك القروية الطيبة التى لم تحظ بنصيب من التعليم، لتساعده فى تخييط عرائسه على لوحاته، فكانت تقوم بهذا العمل من باب تسلية الوقت، ولكن بعد فترة قصيرة بدأت فى صناعة لوحات كاملة من بنات أفكارها، حتى أيقن البريدى أن موهبته فى هذا الفن ولدت من رحم هذه السيدة، فأقام لها معرضًا يخصها بعددٍ من لوحات بديعة، لاقت إعجابًا كبيرًا من زواره، وبيعت كاملة فى زمن قياسى.
أسند «البريدى» لى الشيشة على صدره وضحك حين سألته عن اسم فنه وقال: سميته «مرج خيط» وهو اسم من براءة اختراعى، وكنت فى بداياتى مقيمًا وحيدًا فى غرفة بمنطقة المرج بالقاهرة بعد هجرتى من القرية، وحين سألنى أحد الصحفيين عن اسم هذا الفن، فقلت له بعفوية «مرج خيط» ومن لحظتها أصبح الاسم الرسمى لهذا الإبداع.
حزن البريدى كثيرًا أنه رغم عقده لمئات الورش لم يجد فيمن حاضرهم مَن يصبر على تعلم هذا الفن، الذى يرى أنه يحتاج لقدر بسيط من الصبر، وأكد أن قطار الحداثة شغل الشباب الفنانين بأشياء كثيرة، وزرع فيهم هواية جديدة تتوافق مع العالم المتسارع حولنا، وتمنى أن يورث إبداعه لجيل يكون على توثيق هذا الفن من الشاهدين.