منصورة عز الدين
منصورة عز الدين


يوميات الأخبار

انتهاء الطفولة

منصورة عز الدين

السبت، 14 مارس 2026 - 07:38 م

الفن والأدب قد لا يقدران على شطب الحرب من قاموس البشر وعالمهم، ولا على منع بعض المراهقين من الهوس بالانضمام إلى المعارك، لكن يسعهما وضع الحرب تحت مجهرهما الخلّاق، وعكس وجهها الشرير.

الاثنين:

فيما أتابع مجريات الحرب المندلعة مؤخرًا، وأحاول الاطمئنان على أصدقاء أعزاء وجدوا أنفسهم فجأة تحت القصف فى أكثر من بلد عربى شقيق، وجدتنى أعيد قراءة عدد من روايات وكتب تناولت الحرب بشكلٍ أو بآخر.

بعض هذه الأعمال تمحور حولها، وبعضها الآخر قاربها جزئيًا أو أشار إلى طبيعتها إشارة عابرة، لكنها تقتنص جوهرها القادر على قلب الحياة رأسًا على عقب وإنهاء مرحلة من مراحلها فى غمضة عين.

هذا مثلًا، ما يخبرنا به الروائى الألمانى جونتر جراس فى مذكراته «تقشير البصلة» (دار دال، ترجمة: عدنان حسن)، حيث كتب: «انتهت طفولتى عندما اندلعت الحرب، فى المدينة التى نشأت فيها، فى عدة أمكنة فى وقت واحد».

ثم حكى بعدها كيف أثرت عليه وشكلت رؤيته للعالم من حوله وهو لا يزال فى العاشرة من عمره ففى البداية، حين كانت المعارك لا توجد إلّا كأخبار فى نشرات الراديو، اعتاد جمع حفنة من شظايا القنابل والقذائف قرب حوض نويفارفاسر للسفن، ومقايضتها بطوابع بريد وبطاقات صور ملونة من علب السجائر، وكتب مطوية الزوايا وخارجة لتوها من المطبعة ثم مع الوقت حلم مع رفاقه المراهقين بالانضمام إلى القتال، قبل أن يدرك فى النهاية ما تضمره الحرب من شر وقبح وإجرام.

آلية إخفاء وتغييب

الثلاثاء:

فى روايته «مخاوفى السبعة» (دار العربى، ترجمة محمد أسامة) لا يكتب الكاتب البوسنى سلافيدين أفيدتش رواية حرب بالمعنى التقليدى، إنما عملًا تجريبيًا يلمس آثار الحرب وتبعاتها على الحيوات الشخصية، وكيف تخلخل بعنفها عالمًا كان مستقرًا فى الظاهر لتكشف خواءه.

تبدأ الرواية التى تدور أحداثها فى 2005، ببطل لا نعرف اسمه، يقرر العودة للتواصل مع العالم الخارجى بعد عزلة اختيارية دامت تسعة أشهر أعقبت هجر زوجته له.

تزامن قرار البطل مع اتصال ميرنا ابنة صديقه أليكسا به لتطلب منه مساعدتها فى البحث عن والدها الذى اختفى ولم يلحق بها هى وأمها فى منفاهما الاختيارى. الرواية فى معظمها على لسان البطل غير المسمَّى؛ باستثناء أجزاء من يوميات أليكسا التى أعطتها ابنته ميرنا للبطل، تلك اليوميات التى تكشف عن إيمان صاحبها بالجن والأشباح والقوى اللا مرئية وسعيه للتواصل مع جنى المناجم بيركمان.

بناء الرواية بسيط، لكن ما يميزها ملاحظات الكاتب الذكية وقدرته على التقاط الوجه الخفى والخافت للحرب، إذ يقدمها كآلية إخفاء وتغييب، فخلالها يختفى كل شىء: الناس، العادات، الأشياء والتقاليد يتغير وجه المدينة بالكامل كما يذكر الراوى الذى اعتاد على غياب الناس بنفس سهولة تأقلمه مع نقص الغذاء والماء والكهرباء.

مَن يتوقع رواية توثيقية لأهوال الحرب الأهلية فى البلقان، سيُفاجأ عوضًا عن هذا بعمل كاشف يتناول وحدة الإنسان ومخاوفه فى عالم كف عن أن يكون أليفًا. غير أن هذا لا يعنى أن العمل مُنبتّ الصلة بموطن كاتبه، فـ«مخاوفى السبعة» قائمة على التراث الميتافيزيقى والغيبى الثرى للبلقان، وكون الكاتب بوسنيًا يتجلى فى معرفته الواضحة بالميتافيزيقا الإسلامية.

كيف نكتب رواية حرب؟

الأربعاء:

يقارب الروائى النمساوى نوربرت جشتراين سؤال الحرب فى علاقتها بالكتابة فى روايته «حِرفة القتل» (دار الكتب خان، ترجمة: سمير جريس)، التى يهديها إلى ذكرى صحفى حقيقى قُتِل فى كوسوفو عام 1999، وتتمحور حول مراسل حربى نمساوى متخيل يُدعَى كريستيان ألماير تابع تفكك يوغسلافيا منذ بدايته وقُتِل فى كمين بكوسوفو عام 1999.

وما يميز «حرفة القتل» أنها ليست عن الحرب بقدر ما هى عن استحالة كتابة رواية حرب. القارئ هنا أمام جريمة قتل على هامش الحرب وبسببها ومحاولتين لتأليف رواية عن القتيل من صديقه الصحفى بول ومن راوى «حِرفة القتل»، وفى خضم هذا يطرح جشتراين أسئلة شائكة حول كيف تبنى وسائل الإعلام الواقع ونسبية الحقيقة، ويُشكك فى قدرة الكليشيهات والخطابات الرنانة على اقتناص جوهر الحرب.

معالجة روائية لحرب البيافرا


الخميس:

تمثل الحرب مركز رواية «نصف شمس صفراء» (سلسلة الجوائز، ترجمة: فاطمة ناعوت) للكاتبة النيجيرية شيماماندا نجوزى آديتشى، ليس فقط باعتبارها نقطة التحول فى حياة الشخصيات والمحرك للتغيرات فى رؤى بعضهم للعالم من حولهم، إنما أيضًا باعتبارها المؤثر الفعلى فى بناء العمل وفى حركة الزمن فيه. تقسِّم آديتشى روايتها إلى أربعة أجزاء انطلاقًا من حرب البيافرا الأهلية.

يدور الجزء الأول قبل الحرب، حيث حياة الرفاهية، والنقاشات الطويلة حول آثار الاستعمار، والحب، والفن والحياة.

ثم ينتقل بنا الجزء الثانى مباشرة إلى جحيم الحرب وأهوالها من تطهير عرقى وعنف دموي، وتأثير ذلك على مصائر الشخصيات والعلاقات بينها.

ويعود الجزء الثالث إلى البداية مرة أخرى، لتكمل الكاتبة من حيث توقفت فى الجزء الأول، ولتملأ لقرائها الثغرات والفجوات التى لاحظوها فى الجزء الثانى. فى الجزء الرابع والأخير تتقدم آديتشى بشخصياتها إلى أواخر الحرب.

إضافة إلى هذا، تتضمن «نصف شمس صفراء» مقاطع معنونة بـ«العالم كان صامتًا حينما كنا نموت» مغرقة فى التنظير السياسى المباشر للحرب وخلفياتها ودور بريطانيا فى زرع الشقاق بين الإثنيات المختلفة فى نيجيريا وإفريقيا بشكل عام. عبر هذه الرواية تقدم آديتشى نفسها كناطقة بلسان عِرقها وقبيلتها، وكمؤرخة تؤرخ، من وجهة نظر قبيلة الإيبو، لصفحة مسكوت عنها فى تاريخ نيجيريا. وهو أمر لم تنكره فى حواراتها الصحفية التى أكدت فيها أيضًا أنها لا تكتب رواية أيديولوجية، ولا تهتم بكل البروباجاندا التبسيطية.

مقاومة ثقافية

الجمعة:

لطالما طُرِحت أسئلة حول مدى قدرة الأدب والفن على إنهاء الحروب، وما نعرفه من أعمال أدبية وفنية لا تُحصَى دُونت وأُنتجت فى هجاء الحروب وأظهرت ما تخلفه من خراب فى النفوس قبل البنيان، أن الفن والأدب قد لا يقدران على شطب الحرب من قاموس البشر وعالمهم، ولا على منع بعض المراهقين من الهوس بالانضمام إلى المعارك، لكن يسعهما وضع الحرب تحت مجهرهما الخلّاق، وعكس وجهها الشرير.

هذا بخلاف أن الثقافة فى العموم وسيلة مُثلى لمقاومة العنف ومنح الحياة معنى حتى فى أقسى الظروف وأكثرها وحشية.

إذ بالعودة إلى الحرب الأهلية فى البلقان فى تسعينيات القرن الماضي، نكتشف أن العروض الفنية والثقافية مثَّلت وسيلة مقاومة وفِعل بقاء فى البوسنة والهرسك فى ظل تعرض أهلها للإبادة العرقية.

وهو ما أقر به الفنانون والمثقفون الذين انخرطوا فيما أطلقوا عليه المقاومة الثقافية السرية فى سراييفو خلال فترة حصارها. فهاريس باشوفيتش؛ المدير الفنى لأحد مسارح المدينة اعتبر أن الهدف من مواصلة الأنشطة رغم القصف كان الحفاظ على كرامة الناس، وإشعارهم أنهم كغيرهم من حقهم التمتع بالفن.

وباشوفيتش هو مَن أنتج عرض «فى انتظار جودو» لصمويل بيكيت، الذى قدمته الناشطة والكاتبة الأمريكية سوزان سونتاج فى سراييفو عام 1993، ووفقًا له فقد خاطر البوسنيون بحياتهم عبر السير لأميال من أجل مشاهدة مثل هذه العروض الفنية.

أسس باشوفيتش فى العام نفسه أيضًا أول مهرجان سينمائى فى المدينة تحت شعار: ما بعد نهاية العالم. وبسبب حظر التجول كانت العروض تقام ظُهرًا كى يتمكن الحضور من العودة إلى بيوتهم قبل الظلام وعندما سئل: لماذا تنظم مهرجانًا أثناء الحرب؟ أجاب: ولماذا توجد حرب أثناء المهرجان؟

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة