هجرالمساجد بعد رمضان تضييع لفضل عظيم
د. محمد عمر أبو ضيف و الشيخ إبراهيم السيد
السبت، 14 مارس 2026 - 09:53 م
سيد عبد النبى
المساجد هى أفضل بقاع الأرض وبيوت الله، وعمارتها بالصلاة والذكر دليلٌ على الإيمان، إذ يطهّر الله روّادها ويرفع درجاتهم وهجران الصائم للمساجد يُفوّت عليه أجورًا عظيمة، فالمشى إليها يمحو الخطايا ويرفع الدرجات، كما أعدّ الله للمحافظين عليها بيوتًا فى الجنة لذا ينبغى على الصائم أن يعظّم شعائر الله بزيارة بيوته والحرص على عمارتها.
وفى هذا الشأن يقول الدكتور محمد عمر أبو ضيف، عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر سابقًا: إن المساجد بيوت الله، وهى أحب البقاع إليه، ففى الحديث الذى رواه مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» ففى المساجد تتنزل الرحمات، وتغشى السكينة أهلها، وتحفّهم الملائكة، وتعمّهم البركات.
اقرأ أيضًا | ختام فعاليات "الليالي الرمضانية" بحضور أمين عام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
وفى بيوت الله يلتقى المسلمون على الطاعة والمحبة، وتتربى الأجيال على القيم والأخلاق، وتأوى إليها النفوس الطاهرة والقلوب العامرة بالإيمان والخشوع.
وفيها تُقام مجالس العلم والذكر، وتُتلى آيات القرآن الكريم، وتُدرس سيرة النبى صلى الله عليه وسلم، فتكون منارات هداية ومصادر إشعاع علمى وروحى فى المجتمع.
كما أن المساجد ملتقى المصلين، ومن فوق مناراتها ترتفع أصوات المؤذنين داعية إلى الهدى والفلاح، وفى محاريبها يقف العلماء والدعاة يذكّرون الناس بربهم ويبينون لهم أمور دينهم وعلى منابرها تُلقى المواعظ والحكم التى تهدى القلوب وتصلح النفوس.
وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم حريصًا على بناء المساجد فى كل مكان يصل إليه الإسلام، فقد أقام مسجدًا فى تبوك رغم أن إقامته فيها لم تتجاوز بضع عشرة ليلة. وسار الصحابة رضى الله عنهم على نهجه، فأولوا بناء المساجد عناية كبيرة، وجعلوه مرتبطًا بفتح البلاد ونشر الإسلام.
فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يأمر عمرو بن العاص رضى الله عنه، عندما فتح مصر، أن يبنى مسجدًا للمسلمين، فبُنى مسجد عمرو بن العاص، الذى ما يزال قائمًا حتى اليوم شاهدًا على عظمة الحضارة الإسلامية. كما كتب عمر إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه، وهو والى البصرة، أن يتخذ للمسلمين مسجدًا جامعًا، وأن تقيم القبائل مساجدها، فإذا كان يوم الجمعة اجتمعوا فى المسجد الجامع لأداء الصلاة.
وهكذا كانت عادة المسلمين عند دخولهم بلدًا جديدًا؛ يقيمون المسجد ليكون مركزًا للعبادة، وموضع اجتماع للقلوب والأبدان، ومكانًا للشورى والتعليم والتربية، ومصدرًا لنشر القيم والأخلاق.
وقد رتّب الله أجرًا عظيمًا على المشى إلى المساجد، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تطهر فى بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضى فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة».
وفى شهر رمضان المبارك تتضاعف أهمية المساجد، إذ يقبل المسلمون على صلاة التراويح والقيام، وتمتلئ بالذاكرين والتالين والمعتكفين. وهناك من تتعلق قلوبهم بالمساجد، يلازمونها ويجدون فيها سكينة القلوب وطمأنينة النفوس وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «رجل قلبه معلق بالمساجد».
ومن جانبه يؤكد الشيخ إبراهيم السيد إبراهيم حلس، مدير إدارة الشئون الدينية بالجامع الأزهر، أن المساجد أطهر الأماكن فى الأرض، فهى بيوت الله التى يجتمع فيها المسلمون للصلاة وقراءة القرآن وطلب العلم، وفيها تتجلى معانى الأخوة والمحبة والتراحم.
وكان أول عمل قام به النبى صلى الله عليه وسلم عند هجرته إلى المدينة هو بناء المسجد النبوي، ليكون مركزًا للعبادة والعلم والتشاور بين المسلمين. وقد دلّ ذلك على عظمة دور المسجد فى بناء المجتمع الإسلامي.
ومن شرف المساجد أن ملكيتها لله وحده، قال تعالى: «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا». كما مدح الله تعالى من يعمرها فقال: «إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ».
كما حذّر سبحانه من السعى فى خرابها فقال: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا».
ويكفى أن من يجلس فى المسجد صائمًا يقرأ القرآن ويذكر الله ويحضر حلقات العلم فهو فى ضيافة الله تعالى وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: «المساجد بيوت الله فى الأرض، وحق على المزور أن يكرم زائره».
كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تدعو لمن يجلس فى المسجد ما دام فى مصلاه، فتقول: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» ومن سماحة الإسلام أنه لم يمنع النساء من دخول المساجد، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذنتكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن».
فالمساجد كانت وما زالت منارات للهداية ومراكز للعبادة والعلم والتربية، يجتمع فيها المسلمون على الخير والطاعة، ويتعلمون فيها تعاليم دينهم، فتظل بيوت الله عامرة بالذكر والعبادة، ومصدر نورٍ وإصلاحٍ للمجتمع.