لونان من الفتنة
الأحد، 15 مارس 2026 - 08:47 م
علاء عبدالوهاب
تسلّط سورة الأنعام الضوء على لونين من الفتنة فى موضعين من آياتها؛ الأول فى قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ثم فى قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
والقاسم المشترك بين اللونين من الفتنة أنهما اختبار وامتحان، ففى الموضع الأول يمتحن المولى عز وجل المشركين حين يفاجئهم يوم القيامة بالحقيقة الكبرى أنه لا إله إلا هو، فيحاولون الإفلات من العقاب الإلهى بالكذب مرة أخرى، لكنهم لا يفلحون، وتبوء محاولتهم بفشل ذريع.
فقد افتروا على الله الكذب فى الدنيا حين أشركوا به، فانحدروا إلى درك الظلم، ثم يعيدون الكرّة فى الآخرة عندما تبهتهم المواجهة عند الحساب، فيقعون فى الكذب مرة أخرى افتراءً على الله.
أما اللون الآخر من الفتنة، فهو ابتلاء المتكبرين من الكفار حين يسبقهم الضعفاء إلى الإسلام، فيستنكرون ذلك السبق، ويتساءلون سخريةً: أَهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟ وهنا يكون الامتحان فى صورة تفاوتٍ بين الناس فى الرزق والمكانة؛ فإذا منَّ الله بالإيمان على الفقير، كان ذلك موضع اختبار للغني.
فإن كان صادقًا فى طلب الحق، لم يمنعه غناه من اتباعه، وإن لم يكن كذلك، صار التفاوت حجابًا يحول بينه وبين الهداية، فتكون فتنة.
وهكذا يتبين أن الخالق سبحانه يمتحن جميع عباده؛ فيكون المؤمن فتنة للكافر، وتكون الجماعة الكافرة فتنة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون النبى صلى الله عليه وسلم فتنة لهم ولأنه مكلف بالبلاغ، فإنه يصبر على الابتلاء، ويمضى فى أداء رسالته حتى يقضى الله أمره ويفصل بين عباده بالحق.