لا نحتاج مساعدة !

عبدالقادر شهيب

الأربعاء، 18 مارس 2026 - 08:41 م

‬عبدالقادر شهيب

ما يقوله هذا العنوان ليس كلامى وإنما هو كلام الرئيس الأمريكى ترامب ردًا على رفض الناتو والأوروبيين لطلبه بالمشاركة فى تأمين المرور بمضيق هرمز الذى أغلقته إيران أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية، وكانت حجتهم أن هذه الحرب ليست حربنا ولم نشارك فى قرار القيام بها، وأن تأمين المرور البحرى فى مضيق هرمز لا يتم بعمل عسكرى وإنما بعمل دبلوماسى واتفاقات سياسية.. وقد أغضب ذلك سيد البيت الأبيض بشدة فقال ذلك مؤخرًا بعد أن وبخ الأوروبيين علناً فى أحد مؤتمراته الصحفية الغزيرة والتى تتكرر فى اليوم عدة مرات!  غير أن التدقيق فيما قاله ترامب سيقضى إلى استنتاج لملامح المستقبل القريب فى عالمنا حيث إن التحالف الغربى بقيادة أمريكا واصطفاف أوروبا وراءها الذى اعتدناه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قد انتهى ونحن الآن إزاء تكوين دولى جديد يتشكل فى رحم العالم سيختفى فيه هذا التحالف الغربى.. بل نحن إزاء جنين لنظام عالمى جديد سوف تتآكل فيه قدرة أمريكا على توجيه الغير ويقل فيه انصياع حتى حلفائها التقليديين لها.. لقد طلب ترامب علناً من الأوروبيين والناتو مساعدة أمريكا فى  تأمين الملاحة بمضيق هرمز لكنهم ومعهم الحلف رفضوا جميعاً طلبه لأن ذلك معناه انخراطهم فى حرب لم يتم استشارتهم فيها كما قالت رئيسة وزراء إيطاليا، بل إن بعضهم مثل إسبانيا رفضها علناً.. ولذلك خرج ترامب ليهاجمهم ويتهمهم بنكران الجميل ويندب على ما أنفقته بلاده من مليارات الدولارات دفاعاً عنهم.. وكان هذا يؤشر إلى حدوث شرخ صعب أن يلتئم فى التحالف الغربى التقليدى، وإيذاناً ببدء عصر تمرد أوروبا على أمريكا.  والحقيقة أن ذلك لم تكن بدايته حرب إيران وإنما منذ أن عاد ترامب إلى البيت الأبيض بسياسات جديدة تجاه شركاء حلف الناتو الأوروبيين، فقد عايرهم بأن أمريكا أنفقت الكثير على حمايتهم وعليهم الآن أن يتحملوا عبء الدفاع عن أنفسهم وزيادة إنفاقهم على الحلف.. ثم جاء عرضه لوقف الحرب الأوكرانية ليعمق الخلافات بين أمريكا وأوروبا، فقد اعتبروه منحازًا للروس ومستجيبًا لطلبات بوتين لإنهاء هذه الحرب.  وقبلها اتخذ ترامب قرار زيادة الجمارك على واردات أوروبا إلى السوق الأمريكى، وهو القرار الذى أغضب الأوروبيين، خاصة وأنه اتخذ تنفيذاً لشعار أمريكا أولاً الذى تبناه ترامب خلال حملته الانتخابية.  وزادت مساحة الخلافات الأمريكية الأوروبية بسبب استمرار حرب غزة ودعم ترامب لنتانياهو الذى لا يرغب فى وقف الحرب رغم ارتكابه جرائم إبادة جماعية للفلسطينيين.. وعندما أعلن ترامب خطته لإنهاء تلك الحرب الوحشية وافق عليها الأوروبيون على مضض وبشكل فاتر لوقف إطلاق النار، لكنهم قاطعوا مجلس السلام الذى أنشأه ترامب بقيادته والذى تقضى به الخطة وأصروا على أن يتم كل شيء تحت مظلة الأمم المتحدة، ولذلك خلى هذا المجلس الذى أراده ترامب بديلاً لمجلس الأمن من أى تمثيل أوروبى.. وهكذا كانت كل الأحداث المتتالية منذ أن عاد ترامب للبيت الأبيض تنذر بحدوث شقاق إمريكى أوروبى يتسع بمرور الوقت لدرجة جعلت ترامب يقرر عقوبات ضد إحدى الدول الأوروبية وهى إسبانيا التى تجاهر بمعارضة قراراته وسياساته ومواقفه وتقود اتجاهاً أوروبياً يتمرد على أمريكا ويرفض الانصياع لها  وكل ذلك سوف يؤثر بالقطع فى صياغة شكل العالم والنظام الدولى الجديد الذى يتشكل الآن.. وقد يقال إن العلاقات الأوروبية الأمريكية قد تتغير تماماً بعد خروج ترامب من البيت الأبيض وتولى الديمقراطيين الحكم، وهذا احتمال قائم بالفعل.. ولكن يتعين ألا نغفل أن ترامب لم يكن ليعامل الأوروبيين على هذا النحو والذى ئتسم بالاستهانة لولا أن أوروبا اعتراها بالفعل الضعف الاقتصادى والسياسى، وهنا يمكننا أن نستنتج أن مكانة أوروبا فى النظام الدولى الجديد ستتراجع.. ولعل ذلك يجعل المتحمسين فى مصر للاتجاه شمالاً أن يهتموا بالاتجاه جنوباً ودعم تحالفات دول الجنوب مع بعضها البعض، ولدينا منظمة تهتم بذلك بالفعل هى منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية علينا دعمها.