سلفادور دالى يرسم موناليزا جديدة
الجمعة، 20 مارس 2026 - 10:41 م
أخبار الأدب
نور الدين محقق
نافذتى بعيدة وكلماتى فراشات تطير على أجنحة من ضوء ويدى تمتد وقلمى يكتب عقارب ساعة تفر من تحديد الوقت وعصفور ينقر زجاج بيتى ويحاول الجلوس معى لسماع حكايات قديمة وليوناردو دافنشى يتخلى عن الرسم وينام فى الغرفة العليا وسلفادور دالى يرسم ساخرا بدلا عنه موناليزا جديدة لا تضحك ولا تبكى ولا تنظر إلى المرآة كعادتها كل صباح.
الناى وحيد فى الغرفة الأخرى والكمان كسر أصابع العزف على جسده والعود يبكى حبيبة غائبة
وغارسيا لوركا يشذب أزهار الحديقة فى غرناطة والطريق إلى روما بعيد والكلمات هى الكلمات حين يغيب الصوت وتحضر الفراشات.
المرآة مكسرة والأوراق مبعثرة على المكتب والقلب متعب والبحر يطل من النافذة على امرأة تمشى الهوينا وقت الظهيرة وشارل بودلير يتغزل فيها ولا أحد يقرأ ديوان شعر سوى طفل صغير يلهو بكرة من ورق مقوى.
السماء تمطر والأرض حبلى بالورود والسنابل عصافير تنمو فى ظلال الأشجار والنهر يبتسم وهنرى ماتيس يرسم نساء نائمات على ضفاف الأطلسى والنوارس تتهادى أمام العيون والكتاب وحيد هناك مرمىٌ قرب صخرة ولا أحد يلتفت إلى أوراقه.
الراوى الشعبى يستجمع حلقته والمذياع يصدح بآخر أغانى الراى والجسد روح الشعر والشعر مرآة تمشى على قدمين وجاك بريفير يتغنى بامرأة رآها فى سوق شعبية صباح يوم الأحد وأنا أكتب كلمات على الفيسبوك كى لا يقرأها رغم بروزها الافتراضى أحد سواى.
تترآى صور الأصدقاء على الفيسبوك كلٌ فى بيته الافتراضى يهدى السلام للآخرين وينتظر تعاليق على ما يكتبه فى الحائط الوهمى وابتسامة سحرية لامرأة لا ترى سوى فى الحلم ونهار يمضى فى ليل وليل كموج امرئ القيس يمتد فى صور يرسمها الآن طفل على لوحته البيضاء ويريها لأم تتابع مشاهد مسلسل مكسيكى يتحدث أبطاله بلسان العرب.
القهوة السوداء تأخذ مكانها فوق المكتب وتنظر إلىَّ هازئة والقطة البيضاء تلعق كعادتها بقايا الحليب والقصيدة لا تريد أن تأتى إلا على صهوة حلم وخورخى بورخيس يشيد متاهاته ويكسر المرايا ولا يعترف أبدا إلا فى أحلى أحلامه .
وأنا أكتب ثم أمحو ثم أكتب وأمحو فى ذات الوقت وكلماتى تظهر وتختفى على السبورة الوهمية مثل ثعلب محمد زفزاف ونقاد يتساءلون عن سر الكتابة والكتابة تتأبى مثل مهرة جامحة وأندرى بروتون ينادى نادية من جديد لكنها لا تسمع سوى دقات عقارب ساعتها المكسرة من فرط التعب.
حتى الكلب الأبلق المتشرد فى الطرقات لم يعد ينبح فى وجه نساء الحى حين يخرجن من باب الحمام البلدى ضاحكات وحتى الرجل المجنون الذى كان يملأ الحى بالصراخ كلما غابت الشمس لم يعد له وجود ربما مات جوعا أو دهسته إحدى السيارات أو فقط رمى نفسه فى البحر أو هاجر إلى مدينة نابولى كى يصبح كاتبا كبيرا مهووسا بالسوريالية على النمط الأوروبى.
كان الفتى فى مقتبل العمر وكانت الفتاة جميلة جدا وكان الطريق طويلا وأغنية فريد الأطرش تجمع بين العيون ولم يكن بدٌ من التواصل على البريد العادى الذى كان الكل فى انتظاره فكيف للفتى أن يرسل رسالته المنتظرة دون خشية الأهل؟
قارئة الفنجان كانت تزعزع الوجدان وعبد الحليم حافظ يبوح بأسرار القلب وجاك بريل يجوب أزقة أمستردام والفتى والفتاة يغوصان فى عبرات مصطفى المنفلوطى وينتظران خليل جبران كل يوم سبت كى يقرآ معا الأرواح المتمردة.
الفتاة تتشبه بشهرزاد فى كتاب الليالى والفتى يقرأ كثيرا كى يتوحد بها عن بُعد كتبَ النفرى وابن عربى والأيام تمضى وهما معا كقيس وليلى يحلمان كثيرا ببعضهما وينتظران بروغ الفجر فى ليلة آتية إليهما على صهوات أحلام لا تريد أن تنقضى.
وصيف يمضى وشتاء يأتى وفيروز تغنى لهما كعادتها كل مساء والفتى يراجع دروسه فى مقهى شعبى بعيد عن الكلية كى ينجح ويشترى للفتاة خاتم الخطوبة هى التى تتألق عيناها كلما رأت طيفه يمر تحت نافذتها المفتوحة على الأمل اليومى.
وها هى القصيدة تنتهى وهاهم قراؤها يتكاثرون يوما بعد يوم وها هى القصيدة أيضا تقرأ بكل لغات الكون وها هى تتألق كعروس فى ليلة زفافها بكلمات بهية تحمل ألف معنى ومعنى وها هو الشاعر من جديد ينتظر قصيدة أخرى قد وعدته بالمجىء.