صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


وحدات مكافحة العنف ضد المرأة بأقسام الشرطة.. تكسر حاجز الخوف والصمت

نهى رجب

السبت، 21 مارس 2026 - 03:29 ص

بلا شك شهدت السنوات الأخيرة تحولات لافتة في طريقة تعامل المجتمع ومؤسساته مع جرائم العنف ضد المرأة، بعد أن ظلت هذه الجرائم لفترات طويلة حبيسة الجدران الأربعة داخل المنازل، بعيدة عن أعين القانون والرأي العام. فالصمت الذي كان يحيط بالكثير من هذه الوقائع بدأ يتراجع تدريجيًا، لتحل محله مساحة أكبر من الوعي المجتمعي والجرأة على الإبلاغ، مدعومة بإرادة مؤسسية واضحة لمواجهة هذه الجرائم والتصدي لها بحزم.

وفي هذا الإطار، برز الدور المهم الذي تقوم به وحدات العنف ضد المرأة داخل أقسام الشرطة، باعتبارها إحدى الآليات الفاعلة التي تعكس تطور النظرة إلى هذه القضية بوصفها شأن مجتمعي وقانوني لا يمكن التغاضي عنه أو التقليل من خطورته. فقد جاءت هذه الوحدات استجابة لحاجة حقيقية لتوفير بيئة آمنة وداعمة للنساء اللاتي يتعرضن للعنف، بحيث يجدن جهة متخصصة قادرة على الاستماع لشكواهن والتعامل معها بجدية ومهنية، بعيدًا عن أي حرج أو ضغوط قد تمنعهن من طلب الحماية.

فلا يقتصر دور هذه الوحدات على تلقي البلاغات فحسب، بل يمتد إلى تقديم الدعم اللازم للضحايا وتوجيههن إلى المسارات القانونية الصحيحة، مع مراعاة البعد الإنساني والنفسي في التعامل مع الحالات المختلفة. وقد أسهم هذا النهج في تشجيع كثير من النساء على كسر حاجز الصمت والتوجه إلى الجهات المختصة لطلب المساعدة، بعدما كانت مخاوف الوصمة الاجتماعية أو عدم الثقة في جدوى الإبلاغ تحول دون ذلك.

إن وجود وحدات متخصصة داخل أقسام الشرطة للتعامل مع قضايا العنف ضد المرأة يمثل خطوة مهمة في مسار حماية حقوق النساء وتعزيز شعورهن بالأمان، كما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن هذه الجرائم لا تمس الضحايا وحدهن، بل تؤثر على استقرار الأسرة والمجتمع ككل. ومن هنا، فإن دعم هذه الوحدات وتطوير آليات عملها يظل عنصرًا أساسيًا في أي استراتيجية جادة تهدف إلى الحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وترسيخ ثقافة احترام المرأة وصون كرامتها.

لقد بات واضحًا أن جرائم العنف ضد المرأة لم تعد قضية خفية تدور خلف الأبواب المغلقة، بل أصبحت محل اهتمام ومواجهة من قبل مؤسسات الدولة والمجتمع، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها المساءلة والإنصاف، ويمنح الضحايا الأمل في أن العدالة باتت أقرب مما كانت عليه في الماضي.

المواجهة الأولى

داخل أقسام الشرطة، تقع مسئولية التعامل الأولى مع بلاغات العنف ضد المرأة على عاتق الشرطة النسائية، التي تمثل في كثير من الحالات حلقة الأمان الأولى للضحية، فوجود عنصر نسائي يسهّل كثيرًا عملية الإبلاغ، لاسيما في قضايا العنف الزوجي والاعتداءات الجنسية، حيث يشكل الخجل والخوف من الوصم عائقًا كبيرًا أمام النساء.

كثير من السيدات يصلن إلى القسم وهن في حالة انهيار نفسي كامل، وبعضهن لا يرغبن في تحرير محضر بقدر حاجتهن إلى الشعور بالأمان والاستماع دون لوم أو تشكيك. هنا يبرز دور الشرطة النسائية في احتواء الموقف، وشرح الخيارات القانونية المتاحة، مع مراعاة البعد الإنساني والنفسي للحالة.

ولا تقتصر مهمة وحدات مناهضة العنف داخل أقسام الشرطة على تحرير المحاضر فحسب، بل تمتد إلى محاولة تقييم درجة الخطورة، خاصة في حالات العنف الأسري المتكرر، والتأكد من أن عودة السيدة إلى منزلها لن يعرّضها لمزيد من الاعتداء. وفي بعض الحالات، يتم التنسيق مع جهات أخرى لتوفير حماية مؤقتة، أو دعم قانوني ونفسي عاجل.

وعلى الجانب الآخر، شهدت بعض الأقسام استحداث مكاتب متخصصة أو تخصيص ضابطات للتعامل مع قضايا النساء، في محاولة لتقليل حدة الخوف والحرج لدى الضحايا، وتعزيز الثقة في المؤسسة الأمنية بوصفها شريك في الحماية لا مصدر للتهديد.

أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة ضمن مسح صحة الأسرة المصرية تكشف عن حجم مقلق للعنف الواقع على النساء داخل نطاق الأسرة؛ إذ أظهرت النتائج أن نحو 31% من النساء المتزوجات أو سبق لهن الزواج في الفئة العمرية من 15 إلى 49 عامًا تعرضن لأحد أشكال العنف على يد الزوج.

ووفقًا للمسح، تصدّر العنف النفسي قائمة الانتهاكات بنسبة 22.2%، يليه العنف الجسدي بنسبة 25.5%، فيما تعرضت 26.1% من النساء للعنف الجسدي والنفسي معًا، بما يعكس تشابك أنماط العنف وتأثيرها الممتد على حياة الضحايا.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على أن العنف ضد المرأة لا يزال واقعًا، ما يبرز أهمية الدور الذي تقوم به وحدات مناهضة العنف ضد المرأة داخل أقسام الشرطة، خاصة فيما يتعلق بتسهيل الإبلاغ، واحتواء الضحايا، والتعامل مع القضايا بحساسية ومسؤولية.

فهم الحقوق

تؤكد المحامية نهى الجندي، المتخصصة في قضايا الأسرة؛ إنشاء وحدات متخصصة لمناهضة العنف ضد المرأة يُعد ترجمة عملية لنصوص قانونية قائمة بالفعل، سواء في قانون العقوبات أو قوانين الأحوال الشخصية، التي تجرّم أشكالًا متعددة من العنف الجسدي والنفسي.

وتوضح أن المشكلة لا تكمن في غياب النص القانوني، بل في آليات التنفيذ، مشيرة إلى أن وحدات العنف تلعب دورًا محوريًا في مساعدة النساء على فهم حقوقهن القانونية، خاصة في القضايا الزوجية التي تتداخل فيها مشاعر الخوف مع الاعتماد الاقتصادي والاجتماعي على الزوج. وتقوم هذه الوحدات بتوجيه الضحية إلى المسار القانوني الأنسب، سواء بتحرير محضر رسمي، أو التقدم ببلاغ للنيابة، أو اللجوء إلى دعاوى الحماية مثل التمكين، أو الطلاق، أو الخلع.

لكنها تحذر في المقابل من احتواء بعض القضايا وديًا داخل الأقسام دون ضمانات حقيقية لسلامة المرأة، ما قد يعرّضها لاحقًا لمزيد من العنف. وترى أن نجاح وحدات مناهضة العنف مرهون بقدرتها على الفصل بين الصلح الآمن، والضغط غير المباشر على الضحية للتنازل.

في المحصلة، تمثل وحدات مناهضة العنف ضد المرأة خطوة لا يمكن إنكار أهميتها، فـ وجودها مؤشر على كسر الصمت الطويل، وبداية اعتراف مؤسسي بأن العنف لم يعد شأنًا عائليًا خاصًا. الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد الوحدات بقدر ما يكمن في فاعليتها، واستمراريتها، وقدرتها على حماية النساء نفسيًا وقانونيًا، حتى لا تبقى الحماية مجرد وعد مؤجل خلف الأبواب المغلقة.

وتؤكد أن وجود وحدات متخصصة داخل أقسام الشرطة لا يكفي وحده، ما لم يصاحبه تدريب مستمر للعاملين، وتطبيق صارم لقواعد التعامل مع الضحايا، يضع كرامتهن وسلامتهن النفسية في المقام الأول.

ومن جانبها، تقول الدكتورة ندى عماد، استشاري الطب النفسي؛ إن أثر العنف لا يتوقف عند حدود الكدمة أو الجرح، بل يمتد إلى مناطق أعمق في الوعي والسلوك. فالنساء اللاتي يتعرضن لعنف أسري أو مجتمعي غالبًا ما يعانين من أعراض القلق المزمن، واضطرابات النوم، والشعور الدائم بالذنب، فضلًا عن فقدان الإحساس بالأمان.

وتوضح أن وحدات مناهضة العنف، حين يتوافر بها مختصون، تلعب دورًا بالغ الأهمية في التدخل النفسي المبكر، من خلال جلسات دعم أولي تساعد الضحية على استعادة توازنها، واتخاذ قرار واعٍ بعيدًا عن الضغط أو التهديد. لكن غياب هذا الدعم قد يدفع بعض النساء إلى التراجع عن البلاغ، أو العودة إلى بيئة العنف نفسها.

وتشير إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في نقص عدد الأخصائيين النفسيين داخل هذه الوحدات، والاعتماد أحيانًا على الإحالة الخارجية، وهو ما لا يتناسب مع حالات تحتاج إلى تدخل فوري وسري. فالدعم النفسي لا يقل أهمية عن الدعم القانوني، خاصة أن آثار العنف قد تلازم الضحية لسنوات، وتتحول إلى اضطرابات مزمنة مثل الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة.

الرهان الحقيقي

ويرى الدكتور طارق حمزة، أستاذ علم الاجتماع، أن العنف ضد المرأة ليس مجرد فعل فردي، بل هو نتاج منظومة ثقافية تبرر السيطرة وتُطبع العنف داخل العلاقات الزوجية. وفي هذا السياق، تمثل وحدات مناهضة العنف محاولة لتفكيك هذا الإرث، عبر إرسال رسالة واضحة مفادها أن ما كان يُعتبر “شأنًا عائليًا” أصبح قضية عامة.

ويؤكد أن وجود هذه الوحدات داخل أقسام الشرطة يسهم في كسر حاجز الخوف، لكنه لا يكفي وحده، ما لم يصاحبه وعي مجتمعي يرفض لوم الضحية، وإعلام مسئول لا يبرر الجريمة تحت مسميات مثل الغضب أو الغيرة.

ويضيف؛ أن من أبرز التحديات التي تواجه وحدات مناهضة العنف الخوف المجتمعي من الوصم والفضيحة، ونقص التدريب المتخصص في بعض المؤسسات، وغياب المتابعة طويلة الأمد مع الضحايا. وهي تحديات تجعل نجاح هذه الوحدات مرهونًا بإرادة حقيقية للتغيير، تتجاوز مجرد الاستجابة الشكلية للضغوط.

في المحصلة، تمثل وحدات مناهضة العنف ضد المرأة خطوة لا يمكن إنكار أهميتها، لكنها تظل ناقصة ما لم تُدعَم بإرادة حقيقية تتجاوز الشكل إلى المضمون،فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد الوحدات بقدر ما يكمن في شجاعة المرأة التي تعرضت للعنف في أن تذهب الى هذه الوحدات حتى لا تبقى الحماية مجرد وعد مؤجل خلف الأبواب المغلقة.

اقرأ أيضا: ورشة عمل بـ «القومي للمرأة» لمواجهة العنف الإلكتروني وختان الإناث

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة