"الست سماح"
"الست سماح"


عيد الأم| "الست سماح" نموذج للكفاح في رحلة آلام طفلها

هاجر زين العابدين

السبت، 21 مارس 2026 - 02:42 م

في مشهد تختلط فيه دموع الألم بصلابة الصبر، تتجسد معاني الأمومة في أسمى صورها داخل أروقة المستشفيات، حيث لا تُقاس الأمومة بكلمات التهنئة في عيد الأم، بل بحجم التضحيات اليومية التي تبذلها أم تحمل طفلها بين ذراعيها في مواجهة المرض، فهي مصدر قوة، ودرع يحتمي به صغيرها من قسوة الألم.

اقرأ أيضًا.. القومي لذوي الإعاقة: موافقة مجلس الوزراء على الاستراتيجية الوطنية خطوة نحو دمج حقيقي

في عيد الأم، لا تكون الهدايا كافية لوصف ما تقدمه أمهات الأطفال المرضى، فهن يخضن معارك صامتة، يقفن فيها على خط المواجهة الأول، يخففن الألم، ويزرعن الأمل، ويخفين انكسارهن خلف ابتسامة مطمئنة، وتظل الأم هي النور الذي يقود طفلها نحو الشفاء، مؤمنة بأن الحب والإيمان قادران على صنع المعجزات، وأن دعاءها الصادق هو السند الحقيقي في رحلة العلاج.  


 

- حكاية "الست سماح" مع مرض طفلها

وهنا يبرز نموذج مضيء للأم، "الست سماح" التي تحمل صغيرها على أكتافها، وتجوب به أروقة المستشفى، لا تكل ولا تمل من المشقة، بل ينصب تفكيرها ومجهودها في كيفية تخفيف آلام صغيرها بعد جلسة الكيماوي، تفوح منها رائحة المعاناة الممزوجة بالأمل، تقف شامخة، تحمل في جعبتها حكاية صبر تفوق طاقة البشر على التحمل.

لم تكن مجرد رحلة علاج، بل كانت معركة يومية، بدأت بشكوك عابرة حول "آلام روماتيزم" وانتهت بمواجهة وحش "سرطان العظام" الذي نهش جسد صغيرها "سعيد" قبل أن يتم عامه السادس.

تروي "سماح" بكلمات بسيطة، معاناة طفلها، الذي تحول جسده بين ليلة وضحاها، إلى ساحة حرب للكيماوي، وكيف تلاشت خصلات شعره بين أناملها الصغيرة، لتواجه هي هذا الانكسار بابتسامة هادئة تخفي خلفها قلباً يتمزق.

هي ليست مجرد مرافقة لمريض، بل هي "جيش كامل" يحارب الوحدة، والوراثة، وضيق ذات اليد، متمسكة بيقين لا يتزعزع بأن رحمة الخالق أوسع من كل تشخيص.

 

- خدعة المرض الخبيث 

 

في بداية حديثها، انهمرت عيناها بالدموع، كان هذا بمثابة انعكاس لقصة "سعيد"، الطفل البطل الذي يفتقد شعره القديم في الصور، وفي صوتها تسمع صرخة استغاثة إنسانية لا تطلب من الدنيا جاهاً ولا مالاً، بل ترجو فقط "أن يُتم الله شفاءه"، ليعود صغيرها يركض بلا ألم، وتعود هي لتتنفس بعد عام طويل من المشقة.
تعيش "سماح" في منطقة النهضة بمدينة السلام، التابعة لمحافظة القاهرة، ذات ليلة اشتكى صغيرها من آلام في قدمه، ظنت في البداية أنها من آثار كدمة ما تعرض لها الصغير سهواً، لكن مع تكرار الشكوي ذهبت به على الفور لطبيب عظام على مقربة من منزلها، لكنه أخطأ التشخيص، وأخبرها بأن الطفل يعاني من آلام حمى روماتيزمية.
 

- صدمة المرض اللعين

 

على الفور، بدأت الأم في تلقيه العلاج الموصى له من قبل الطبيب، لكن استمرت شكوى "سعيد" ولم يظهر أي تحسن لحالته رغم تناوله المسكنات، بعد عدة أشهر تورمت قدماه وبات يشكو من آلام مبرحة.
توجهت الثلاثينية، إلى إحدى المستشفيات لعمل أشعة على الأقدام لمعرفة سبب التورم، لكن أخبرها الطبيب بسرعة التوجه لمستشفى 57357، وقع الخبر عليها  كالصاعقة، لا تدري ماذا تفعل وأين تذهب.

ضاقت بها الدنيا، حين أخبروها أن هناك قائمة انتظار كبيرة داخل مستشفى سرطان الأطفال، توجهت لمستشفى معهد ناصر بالقاهرة، وبالفعل تم استقبال صغيرها، وأخبرها الطبيب أن الطفل يعاني من "سرطان العظام" وتشعب المرض ونال من عظامه.
 

- رحلة سعيد مع الكيماوي

 

لم يتعد "سعيد" عامه السادس، وقد داهمه وحش السرطان، ليتلقى أول جرعة كيماوي، ليبدأ بعدها رحلة مليئة بآلام، لم يكن "سعيد" له حظاً من اسمه، تمنى كثيراً أن يستطيع أن يلعب مع من أصدقائه لكن حالت الآلام بينه وبين من هم في نفس عمره.
تقول سماح "سعيد هو الطفل الثاني، وله أربعة أشقاء جميعهم بصحة جيدة، لكن الأطباء أخبروني أن الطفل يحمل جينات الأورام من عائلة الأب". وصفت الأم قسوة الجرعات الكيماوية على جسد طفلها الصغير، فذكرت أنه يعاني من قيء مستمر، ودوخة، واصفرار شديد في الوجه، وهزال عام يفقد معه القدرة على الأكل. 

أما المشهد الأكثر إيلاماً لها، فهو تساقط شعره، حيث قالت "كان الأمر أصعب مما قد يتخيله عقل. كان سعيد يُصدم حين يرى شعره يتساقط بين يديه بمجرد لمسه".

 

 

- جينات وراثية وأمل في الشفاء

 

وعن الحالة النفسية للطفل، أشارت إلى أنه حين ينظر في المرآة، يحاولون طمأنته وإخباره بأنه بطل، وأنه سيصبح أجمل مما كان. لكنه في لحظات حنين، يطلب رؤية صوره القديمة قبل المرض، ويتأمل شعره الذي كان يفتخر به، فتجيبه الأم بقلب مؤمن "أنت جميل في كل حالاتك".
 

عند سؤالها عن وجود حالات مشابهة في العائلة، أوضحت الأم أن هناك حالات إصابة بالسرطان من جهة "العمة والخالة"، إلا أن الأطباء رجحوا أن يكون العامل الوراثي في حالة "سعيد" آتياً من ناحية الأب، رغم عدم ظهور حالات معروفة لديهم، مبررين ذلك بأن الجينات الوراثية قد تكون أقوى من ذاك الطرف.
أوضحت الأم أنها تتحمل عبء هذه الرحلة وحدها، فهي من ترافق الطفل في كل خطوات علاجه قائلة "أنا شايلة الشيلة لوحدي"، معربة عن أملها الوحيد في الحياة وهو شفاء ابنها. واختتمت حديثها بالدعاء "لا أريد شيئاً من الدنيا سوى أن يتم الله شفاءه، ويحفظه لي، هو دنياي التي أرجو من الله نجاتها".

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة