اللواء أيمن جبر
اللواء أيمن جبر رئيس جمعية بورسعيد التاريخية: الحفاظ على مبانى المدينة التراثية «مسئوليتنا»
الأحد، 22 مارس 2026 - 12:41 ص
فى شوارع بورسعيد القديمة، لا تسكن المبانى وحدها، بل تسكن حكايات البشر، هنا عاش صيادون وعمال، وخرجت أمهات يودعن أبناءهن إلى البحر والحرب، وتكونت ذاكرة مدينة كاملة داخل جدران صامتة، ورغم أن بورسعيد من أصغر المحافظات مساحة، فإنها تحمل عبئا إنسانيا وتاريخيا يفوق مساحتها بكثير.. ووفقا لإحصاءات صادرة عن منظمة اليونسكو، تضم مصر نحو 7 آلاف مبنى تراثي، كان نصيب بورسعيد منها قرابة 700 مبنى، أى ما يقرب من 10% من إجمالى مبانى التراث المسجلة، هذه المبانى لم تكن مجرد طراز معماري، بل بيوت ناس بسطاء، وذاكرة أجيال، وشاهدًا على حياة كاملة عاشت وكافحت على أرض المدينة.
هذا الإرث الإنسانى تعرض لتهديد قاس، فى خسارة لم تكن للحجر فقط، بل للإنسان والذاكرة معًا، من هنا لم يعد الدفاع عن التراث عملا ثقافيا نخبويا، بل فعل عطاء إنسانى خالص، يهدف إلى حماية حق الناس فى ذاكرتهم، وحق المدينة فى الاحتفاظ بملامحها، وفى قلب هذه المعركة، ظهرت جمعية بورسعيد التاريخية للدفاع عن هوية مدينة كاملة، وعن أجيال لم تولد بعد.
«الأخبار» التقت اللواء أيمن جبر، رئيس جمعية بورسعيد التاريخية، ليدور معه هذا الحوار حول دور الجمعية فى الدفاع عن التراث الوطنى وخاصة فى محافظة بورسعيد.
اقرأ أيضًا | تجارية بورسعيد: خفض الفائدة 1% خطوة تمهيدية لدعم مباشر للمنتجين
ما أهم السمات التى يتميز بها التراث البورسعيدى وخصوصيته؟
- بورسعيد تمتلك تركيبة معمارية تراثية متفردة لا تتكرر، تجمع بين مدارس معمارية أوروبية متعددة، من بينها الفرنسية والإنجليزية واليونانية والإيطالية، إلى جانب تأثيرات معمارية من نيوزيلندا وأستراليا، فضلًا عن الطراز المعمارى المصرى القديم والحديث، هذا التنوع الاستثنائى دفع منظمة اليونسكو إلى تصنيف بورسعيد كمدينة فريدة، باعتبارها الوحيدة فى العالم التى تضم مبانى سكنية خشبية متعددة الطوابق، يصل بعضها إلى أربعة أدوار، وهو نمط معمارى نادر على مستوى العالم.
وأعرب جبر عن أسفه لأن هذا الزخم التراثى الإنسانى لم يجد لفترة طويلة من يحافظ عليه أو يقدر قيمته الحقيقية، لافتا إلى أن الطمع فى جنى الأموال من بيع الأراضى المقامة عليها هذه المبانى كان سببا رئيسيا فى اختفاء عدد كبير منها، خاصة أن معظمها يقع فى مناطق ذات قيمة عالمية تطل على قناة السويس والبحر المتوسط، وبحى الشرق الذى سكنت فيه الجاليات الأوروبية منذ نشأة بورسعيد مع افتتاح قناة السويس.
مبان نادرة
كيف يمكن الحفاظ على هذا التراث من الاندثار والإهمال؟
- للأسف الجشع أدى إلى ضياع مبان نادرة لا تقدر بثمن، ما استدعى ضرورة التصدى لـ«العدوان الخطير على التراث الإنساني»، باعتباره تراثا لا يخص بورسعيد وحدها، بل يعد جزءا من الذاكرة الإنسانية التى يهتم بها العالم أجمع، الجمعية أنشئت عام 2008، فى لحظة كان الخطر فيها يهدد ما تبقى من تراث المدينة، بورسعيد كانت تضم نحو 1500 مبنى تراثي، قبل أن تتراجع الأعداد إلى 700 مبنى فقط، وهو الحد الذى نجحت الجمعية فى إيقاف النزيف عنده.
من بين المبانى والمعالم ذات القيمة العالمية، قاعدة تمثال ديليسبس، البيت الإيطالي، وهو المبنى الوحيد خارج إيطاليا المنقوش عليه اسم الزعيم الإيطالى موسوليني، فضلًا عن مبنى سكنى صممه المهندس نفسه الذى أنشأ برج إيفل فى فرنسا، ويطلق على مبنى إدارة هيئة قناة السويس ببورسعيد اسم «مبنى القبة»، باعتباره أحد أهم رموز القناة.
وتابع قائلًا: «الجمعية بالتعاون مع جهاز التنسيق الحضاري، وبمشاركة مجموعة من أساتذة الجامعات، وبدعم من اللواء محب حبشي، قررت الانتقال من مرحلة حماية المبانى إلى مرحلة تطوير مربعات متكاملة من المناطق التراثية القائمة».
نموذج القاهرة الخديوية
ما أهم مراحل مشروع الحفاظ على المناطق التراثية القائمة؟
- المرحلة الأولى من المشروع ستبدأ بمنطقة تضم مسجد لطفى باشا، وكاتدرائية بورسعيد النادرة، والقنصلية الإيطالية، على أن يتم التطوير وفق النموذج المعتمد فى القاهرة الخديوية، مع الحفاظ الكامل على الهوية المعمارية والملامح البصرية الأصلية، أما المرحلة الثانية فتشمل تطوير مناطق سوق البازار وسوق الخديوى عباس والكنيسة المارونية، ضمن مخطط متكامل يضع فى المقام الأول الحفاظ على الهوية البصرية للمدينة، بهدف استعادة الصورة الحضارية لبورسعيد كما عرفها العالم.. إلى جانب مشروع آخر اعتبره «النقلة الكبرى» فى خريطة السياحة بالمدينة، وهو مشروع متحف بورسعيد، والمقام على أرض مجاورة لقاعدة تمثال ديليسبس، بمساحة تبلغ نحو 17 ألف متر مربع، فى واحد من أندر المواقع العالمية عند التقاء قناة السويس بالبحر المتوسط.
متحف معمارى مفتوح
ما تاريخ تأسيس الجمعية ودورها المجتمعي؟
- تأسيس الجمعية شارك فيه عدد كبير من الشخصيات العامة، إلى جانب نخبة من الأطباء والمهندسين والمعماريين والأثريين والإعلاميين والصحفيين ومحبى المدينة، فى جهد جماعى هدفه الأول حماية ما تبقى من كنوز التراث المعماري، وبعد تحقيق هذا الهدف، وضعت الجمعية برنامج عمل متكاملا لإعادة الواجهة الحضارية لبورسعيد، المعروفة تاريخيا بـ«جوهرة مدن البحر المتوسط»، والعمل على استعادة مكانتها كـ«متحف معمارى مفتوح» على أرض الواقع.
وإلى جانب مشروعات الحماية والتطوير، تضطلع الجمعية بدور توعوى مستمر بين المواطنين، بهدف إشراكهم فى مسئولية الحفاظ على تراث مدينتهم، مشيرا إلى أن هذا الجهد بدأ يؤتى ثماره، مع تزايد أعداد المتطوعين والمدافعين عن كنوز بورسعيد التراثية، فى تعبير واضح عن وعى مجتمعى متنام بأهمية هذا الإرث، واعتباره حقا إنسانيا مشتركا لا يقل قيمة عن أى مورد آخر.
واستكمالا لجهود جمعية بورسعيد التاريخية، اتجهت الجمعية إلى مسار مواز لخدمة البيئة المحلية، عبر تنفيذ مبادرات لتجميل المدينة، انطلاقا من قناعة بأن الحفاظ على التراث لا يكتمل دون بيئة نظيفة وجميلة تبرز القيمة الجمالية للمبانى التاريخية.
وتابع مؤكدًا: حماية التراث المعمارى فعلٌ بالغ الأهمية، لكنه يحتاج إلى محيط حضارى يليق به، لا يمكن أن نبرز جمال مبنى تراثى فى بيئة مهملة أو مشوهة، لذلك كان من الضرورى الربط بين حماية التراث وتجميل المكان.
سر شجرة البونسيانا
ما أبرز مبادرات الجمعية فى المرحلة القادمة؟
- الجمعية قررت إطلاق مبادرات لتجميل المحافظة، مع ربطها بتاريخ بورسعيد، حيث كانت البداية بزراعة 1859 شجرة بونسيانا، وهى من الأشجار ذات القيمة الجمالية العالية، بأوراقها الخضراء وزهورها الحمراء الزاهية، هذه الشجرة تحمل دلالة تاريخية خاصة، إذ جلبها الخديو عباس من مدغشقر ضمن رؤيته لتحويل بورسعيد إلى واحة خضراء عقب إنشائها مع افتتاح قناة السويس.. المبادرة نفذت على مستوى المحافظة بالكامل، وقد تجاوز عدد الأشجار التى تمت زراعتها حتى الآن 2000 شجرة، فى خطوة تهدف إلى استعادة الطابع الجمالى للمدينة، وترسيخ وعى مجتمعى بأن حماية التراث والبيئة مسئولية إنسانية مشتركة، لا تنفصل عن جودة الحياة وحفظ هوية المكان.
وتابع قائلًا «ما يبعث على التفاؤل هو المشاركة الواسعة من مختلف فئات المجتمع، حيث لم تقتصر الجهود على جمعية بعينها، بل امتدت لتشمل النقابات المهنية، وجمعيات المجتمع المدني، والأحياء، وصولا إلى أطفال المدارس الذين شاركوا بأنفسهم فى زراعة الأشجار داخل مدارسهم، فى رسالة مبكرة تغرس قيم الانتماء والحفاظ على البيئة والتراث فى نفوس الأجيال الجديدة».
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!
الإبلاغ عن الجرائم فى سرية تامة
محمد صلاح هدم الحواجز وقَرَّب إلينا صورة الإسلام
الرأى الطبى يحسم الجدل بين فعاليتها كعلاج «للسكر» ومخاوف المضاعفات
وهم التريند يروج لمستحضرات عالمية «مضروبة» فى مصانع بير السلم
التأمين الصحى تحت الضغط
د. أسامة حجازى عميد معهد الكبد القومى:نجرى 25 عملية زراعة كبد سنويًا بنسب نجاح عالمية









