إسلام
حكاية «ابن نرجس» منذ لحظة ولادته وحتى اليوم
السبت، 28 مارس 2026 - 06:07 م
مع عرض مسلسل «حكاية نرجس» بطولة الفنانة ريهام عبدالغفور، عاد هذا الملف الإنساني الغامض إلى الواجهة من جديد، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أغرب القضايا التي شغلت الرأي العام في مصر لسنوات طويلة. إنها قصة الطفل إسلام، الذي تم خطفه في أيامه الأولى، لتقوم سيدة بتربيته على أنه ابنها، في واقعة عُرفت إعلاميًا باسم «حكاية عزيزة وإسلام». التشابه بين أحداث المسلسل وبعض تفاصيل القصة الحقيقية دفع الكثيرين للبحث عن الحقيقة الكاملة، خاصة أن بطلها لا يزال حتى اليوم يبحث عن أسرته الحقيقية.
ظهرت تفاصيل هذه القصة لأول مرة من خلال تحقيق موسع نشرته مجلة «أخبار الحوادث» عام 1992، حيث رصدت المجلة خيوط القضية منذ لحظة اكتشاف التشكيل وحتى اعترافات المتهمة. والمفارقة أن إسلام عاد للظهور بعد سنوات على صفحات الجريدة نفسها في حوار خاص ليعيد فتح جراح الماضي من جديد، في قصة انفردت بها «أخبار الحوادث» وعاشت تفاصيلها منذ يوم ولادته وخطفه وحتى الآن.
بدأت الوقائع ببلاغ تقدمت به سيدة في مارس 1991 إلى رئيس مباحث قسم ثان العريش، أكدت فيه أنها كانت تحمل طفلها «مصطفى» الذي لم يتجاوز عمره 40 يومًا، عندما تعرفت في السوق على سيدة ادعت أنها تعمل في الشؤون الاجتماعية، وتساعد السيدات البسيطات في توفير الرعاية الصحية وفرص العمل. وثقت بها الأم واصطحبتها إلى منزلها، وفي اليوم التالي ذهبت معها إلى طبيب، وأثناء دخولها للفحص تركت طفلها للحظات مع تلك السيدة، لكنها عندما خرجت لم تجدها، فقد اختفت ومعها الرضيع في مشهد صادم.
مرت الشهور دون أي خيط يقود للطفل، حتى كادت الأسرة تفقد الأمل. وبعد نحو عام ونصف، وردت معلومات لرجال المباحث في العريش حول سيدة يحيط بها الشك في منطقة حي أبو صقل، خاصة أنها كانت تعاني العقم لسنوات طويلة، ورغم ذلك ظهر في منزلها فجأة أكثر من طفل، بل وادعت حملها مرة أخرى. بدأت التحريات، وكشفت أن تلك السيدة لم تنجب من قبل، وكانت توهم من حولها بالحمل بوضع ملابس أسفل بطنها.
وبتفتيش المنزل، عثر رجال المباحث على الطفل «مصطفى» المختطف. انهارت السيدة وصرخت محاولة التمسك به، لكن الحقيقة كانت قد انكشفت. تم القبض عليها، وتبين أن اسمها الحقيقي «عزيزة»، وأن الطفل الذي كانت تسميه «محمد» هو نفسه الطفل المختطف، وتمت إعادته إلى أسرته.
وخلال التحقيقات، اعترفت عزيزة بأنها كانت تعاني العقم، وأن رغبتها في الأمومة دفعتها إلى خطف الأطفال بمساعدة زوجها وشقيقتها، مؤكدة أنها لم تكتفِ بطفل واحد، بل ارتكبت أكثر من واقعة خطف.
وكان «إسلام» هو أول هؤلاء الأطفال. وأوضحت في اعترافاتها أنها تنقلت بين مستشفيات عدة بحثًا عن طفل، حتى عثرت على ضالتها داخل مستشفى الشاطبي بالإسكندرية، حيث التقت بأم حديثة الولادة في حالة ضعف، فاستغلت الموقف، وافتعلت أزمة لإدخال الأم للفحص، ثم استولت على الرضيع وغادرت دون أن يلاحظها أحد.
عادت إلى منزلها، وتظاهرت بآلام الولادة أمام الجيران، حتى أعلنت في اليوم التالي أنها أنجبت طفلها الأول، وأطلقت عليه اسم «إسلام سعيد»، واستخرجت له أوراقًا رسمية تثبت نسبه لها.
لم تتوقف عند ذلك، بل خطفت طفلًا ثانيًا، وانتقلت لاحقًا إلى العريش، حيث خططت لخطف طفل ثالث، بل وكانت تستعد لواقعة رابعة، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من كشف مخططها.
صدر الحكم بسجن عزيزة وشقيقتها 7 سنوات بتهمة خطف الأطفال، بينما عوقب الزوج بالسجن 3 سنوات بتهمة التزوير. لكن نهاية القضية قانونيًا لم تكن نهاية المأساة بالنسبة لإسلام.
كان عمره 11 عامًا عندما اكتشف الحقيقة، بعدما عاد الطفلان الآخران إلى أسرتيهما، بينما بقي هو بلا هوية. تعاطف معه المحيطون به، وتكفل به مدرس لفترة، ثم عاش مع مدير معهد أزهري، قبل أن يتنقل بين أكثر من أسرة، حتى تقرر إيداعه إحدى دور الرعاية.
وقبل تنفيذ القرار، ظهرت أسرة من محافظة المنوفية تؤكد أنه ابنها المفقود، بل وأيدت عزيزة هذا الادعاء. انتقل إسلام للعيش معهم، واستخرج أوراقًا جديدة باسم «إسلام جمعة»، ليبدأ حياة جديدة ظن أنها حقيقية.
مرت السنوات، أنهى دراسته وتزوج وأنجب، لكن الخلافات العائلية بدأت تتصاعد، حتى تم طرده من المنزل، وانفصل عن زوجته الأولى. لاحقًا تزوج مرة أخرى، لكن الشك ظل يلازمه، حتى قرر إجراء تحليل DNA في عام 2015، لتكون الصدمة الكبرى: الأسرة التي عاش معها ليست أسرته الحقيقية.
تم رفع دعوى إنكار نسب، وحُذف اسمه رسميًا من العائلة، ليجد نفسه مجددًا بلا جذور. انتقل للعيش في القليوبية، وبدأ العمل كحداد، محاولًا بناء حياة جديدة، لكن السؤال ظل قائمًا.
عاد للبحث عن عزيزة، حتى وصل إليها في الإسكندرية. واجهها بالحقيقة، لكنها أنكرت كل شيء، وادعت أنه ابنها. أجرى تحليلًا آخر أثبت عكس ذلك، لكنها ظلت متمسكة بروايتها.
بعد أيام، ذهبت إليه وأخبرته بإصابتها بمرض خطير، ثم أقدمت على إنهاء حياتها بإلقاء نفسها من الطابق الرابع. حاول إسلام انتزاع الحقيقة منها قبل وفاتها، لكنها رحلت دون أن تكشف السر.
بل وواجه اتهامًا بقتلها، وظل محتجزًا 64 يومًا، قبل أن تثبت التحقيقات براءته، وتؤكد أنها أنهت حياتها بنفسها.
رغم كل ما حدث، لم يتوقف عن البحث. أنشأ صفحة عبر «فيسبوك» يروي فيها قصته، وأجرى عشرات تحاليل DNA مع أسر مختلفة، تجاوزت 50 محاولة، جميعها باءت بالفشل. حتى في 2018، عندما ظن أنه عثر على أسرته، جاءت النتيجة النهائية لتنفي ذلك.
وهكذا، وبعد مرور أكثر من 34 عامًا على بداية هذه القصة التي وثقتها «أخبار الحوادث»، لا يزال إسلام عالقًا بين الحقيقة والغياب… يطارد إجابة سؤال واحد لم يجد له ردًا حتى الآن: من هما والداه الحقيقيان؟
اقرأ أيضا: بين التحليل النفسي والتمرد الدرامي.. قراءة في شخصية «نرجس» وتفكيك الصورة
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
الزوج قتل الزوجة.. والابن أصبح بلا أب ولا أم
الأمن والصحة يوجهان ضربات قاصمة للدجالين منتحلي صفة أطباء بعدة محافظات
ملحمة طبية بارعاية الإسماعيلية.. إنقاذ حياة 3 مرضى بجراحات قسطرة معقدة
أمام النقض.. أدلة الإدانة تقود متهمة إلى البراءة بعد المؤبد
من المؤبد إلى البراءة.. زوجة الأب تروي لـ«أخبار الحوادث» رحلة 18 شهرًا خلف القضبان
خطيبها فشل في الاعتداء عليها فأنهى حياتها وألقى الجثة بمنطقة نائية
لاعب الملاكمة فقد حياته بسبب الغدر
توصيلة الموت.. المجرمون استدرجوا طفلًا إلى منطقة مهجورة وقتلوه
حكمت المحكمة.. حبل المشنقة نهاية الصديق الخائن







