حــروب «مطـاردة الســراب»!
الأحد، 29 مارس 2026 - 08:27 م
د. أسامة السعيد
الأوهام قد تبنى جدرانًا من الكراهية، لكنها لا تبنى دولًا، وبناء المستقبل يتطلب شجاعة مواجهة الحقيقة والتحرر من أَسْر «السراب» الأيديولوجى.
يستشعر مَن يتأمل واقع منطقة الشرق الأوسط بعمق أن كثيرا من أزمات الإقليم وجذور الصراع فيه تحتاج إلى تحليل نفسى أكثر مما تتطلب تحليلا سياسيا أو فهما استراتيجيا.
العديد من صراعات المنطقة -ومنها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة على إيران- تبدو أقرب إلى حروب يطارد فيها المتصارعون سرابا بعيدا وأوهاما كبيرة، كلما ظنوا أنهم اقتربوا منها أيقنوا أنهم باتوا أبعدَ ما يكونون عن تحقيق رغباتهم المستحيلة، لكنهم لا يملكون شجاعة الاعتراف بالحقيقة ولا موضوعية التسليم بخيباتهم، ويواصلون العبث بدماء الأبرياء ومقدرات الشعوب، إما طمعا فى نصر زائف أو زعامات واهية أو أحلام مستوحاة من أساطير التاريخ!!
قاموس التحليل السياسى فى زماننا هذا يمتلئ بمصطلحات مكانها الطبيعى كتب الطب النفسى، فكل طرف من أطراف الصراع يحلو له أن يصف -أو بالأحرى: يَصِم- خصومه بأوصاف الجنون، فالرئيس دونالد ترامب لا يتحدث عن المرشد الإيرانى (المغتال) على خامنئى إلا بعبارة «المجنون الذى لم يعُد معنا»، بينما يزدحم الخطاب السياسى الإيرانى الرسمى والإعلامى باتهامات الجنون وشتائم اللوثة العقلية عندما يتطرق الحديث إلى الرئيس الأمريكى.
ناهيك عما يمتلئ به الخطاب السياسى والإعلامى العربى والإقليمى من صفات واتهامات -مستحقة- لقادة تيار اليمين الإسرائيلى المتطرف الذين يجدون فى أجواء الاضطراب الإقليمى فرصة للتنفيس عن عُقدهم النفسية وأفكارهم المتعصبة ونفث سمومهم المستندة إلى مزاعم دينية لا أساس لها إلا فى عقولهم الضيقة ورءوس مُشايعيهم ومُناصريهم من تيارات المسيحية الصهيونية وضحايا الدعاية الصهيونية حول العالم.
إن أخطر ما يواجهه إقليمنا ليس الأطماع الدولية وحروب الاستقطاب بين القوى المتنافسة للبقاء أو للصعود إلى قمة هرم النظام الدولى، بل فى استناد تلك الصراعات إلى كتائب من أصحاب العُقد النفسية الذين يحاولون البحث عن فرصة للهيمنة والسيطرة على مقدرات المنطقة، إما عبر جنون القوة، أو التمسك بقوة الجنون، أو إرضاء عقدة الزعامة، بينما كثيرون ممن يصفون أنفسهم بأصحاب الرأى مسكونون بعُقد الكراهية وضلالات الرؤية وازدواج الشخصية!!
■ ■ ■
اليوم بعد شهر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يشعر الجميع بمدى عبثية تلك الحرب، وخطورة تداعياتها الاقتصادية والاستراتيجية على مستقبل المنطقة والعالم، فالأهداف الغائمة التى سعت إسرائيل إلى إقناع الإدارة الأمريكية بالقدرة على تحقيقها سريعا تتبدد يوما بعد آخر، ولا يتبقى سوى مزيد من التأزم للاقتصاد العالمى، وأمن الطاقة، وتكبيد شعوب الأرض ثمنا فادحا لمغامرة خلفت حالة من الفوضى كان من الأجدر تفاديها فى ظل «فترة نقاهة» لم تكتمل لعالم ما بعد الجائحة.
والحقيقة أن منطقتنا كانت -ولا تزال- ساحة لممارسة موجات متعاقبة من النزق أو الجنون السياسى، ودفعت شعوب المنطقة أثمانا باهظة لتلك المغامرات، سواء التى قام بها بعض قادة الإقليم، أو كانت المنطقة مسرحا لمجموعة من الأفعال الدرامية لمجانين السيطرة، ومهاويس القوة عبر التاريخ.
لا تزال المنطقة تدفع من أمنها الجماعى ثمن مغامرة مجنونة اسمها غزو العراق للكويت أصابت جدار الأمن القومى العربى بتمزقات وتصدعات استعصت على كل محاولات الرتق والترميم.
وعلى مدى السنوات الثلاث الأخيرة تعيش المنطقة توابع زلزال السابع من أكتوبر 2023 الذى لم يكن سوى مغامرة غير محسوبة العواقب، ومنح حفنة من المجانين وغُلاة المتطرفين فى تل أبيب الذريعة التى كانوا يحتاجون إليها للنجاة من أزماتهم الداخلية، وتصدير تلك الأزمات إلى كل دول الجوار، وفتح الخزانة السوداء لأطماعهم التوسعية المتدثرة بأساطير التاريخ والفهم المنحرف للدين، وتصوروا أن دماء الأبرياء من الشعوب العربية هى الحبر الذى يكتبون به التاريخ!!
المنطقة اليوم لا تعيش مجرد صراع سياسى، بل تُساق إلى «حرب مجانين» حيث تصبح إبادة الآخر هى «الفريضة» الوحيدة المقدسة، وتحويل الصراع من صراع سياسى (على الأرض، والسيادة، والمصالح) إلى صراع وجودى دينى أو مذهبى هو نقطة اللاعودة.
والأدهى أن ذلك الجنون يتحول من مرض كان يتم عزل المصابين به بعيدا عن الناس إلى أداة لقيادة العالم، ومنهجية تتحكم فى اتخاذ أصعب القرارات وأخطرها على الإنسانية، وهو قرار شن الحرب!!
أليس من الجنون أن يُترك تحديد مصير المنطقة والعالم بين يدى حفنة من المهاويس، يتقدمهم رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو الذى يشعل المنطقة بحروبه العبثية كى لا يشعر بالضيق فى زنزانته التى سيُساق -حتما- إليها إذا توقفت الحرب؟!
■ ■ ■
الخطر الحقيقى اليوم ليس فى المدافع والصواريخ التى تحتشد فى سماء المنطقة وكأنها حفل جنونى للألعاب النارية، بل فى العقول التى تحرك تلك الصواريخ، وتدفع بها فى كل اتجاه.
فى إسرائيل، لم يعد «اليمين المتطرف» مجرد تيار سياسى، بل أصبح سلطة عقائدية ترى فى الحرب الحالية «هجمة يأجوج ومأجوج» أو معركة استعادة «أرض الميعاد» كاملة بلا تنازل، وهؤلاء لا يبحثون عن أمن، بل عن «خلاص ديني» يمر عبر سَحْق الآخر وتهجيره وتدمير المنطقة وإعادة ترتيبها وفق أهوائهم.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسى، يبرز اليمين المتطرف فى الولايات المتحدة (خاصة التيار الصهيونى المسيحى)، الذى يرى فى اشتعال الشرق الأوسط «نبوءة» يجب أن تتحقق، وبالنسبة لهؤلاء، دعم الحرب ليس موقفاً استراتيجياً، بل هو «واجب إلهى» لتسريع أحداث نهاية العالم.
وفى المقابل، لا يبدو الإيرانيون فى هذا الصراع كملائكة أو مجرد ضحايا أبرياء، فأفكار «تصدير الثورة»، وصناعة شبكات من العملاء والأذرع النارية فى العديد من دول المنطقة العربية، ومساعى تسييس التنوع المذهبى واستخدام الدين كورقة سياسية كانت من بين أسباب توتر علاقات طهران بجيرانها، وخلق حالة من التوجس الدائم فى سلوكيات نظام «ولاية الفقيه»، هذا التوجس من المحتمل أن يتحول إلى قطيعة ومرارة لا يمكن تجاوزها فى أعقاب موجات الصواريخ التى أمطر بها «الحرس الثورى» سماء العواصم والمدن الخليجية بوتيرة فاقت أضعاف ما استهدف أجواء إسرائيل.
هذا التحالف بين المتطرفين فى واشنطن وتل أبيب، فى مقابل الحالمين بـ»تصدير الثورة» فى طهران خلق حالة من «المواجهة الصفرية»، وأنتج نموذجا من المعارك التى تكتسى رداء أيديولوجيا يصعب معه الحديث عن نصر حاسم، أو هزيمة واضحة، وحتى التفاوض من أجل وقف الحرب، يتحول من أداة لإنهاء الصراع إلى مجرد فرصة لالتقاط الأنفاس والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة.
نحن اليوم أمام قادة لا يتحدثون لغة المصالح أو يُكنون احتراما يُذكر للقانون الدولى، بل يرددون لغة «النصوص القديمة» ويروِّجون سرديات «التفوق العرقى والديني»، إنهم يحولون الصراع من خلاف على حدود وجغرافيا ومصالح إلى «مذبحة مقدسة» لا تقبل التفاوض، لأنك لا تستطيع أن تتفاوض مع شخص يعتقد أن الله أمَرَه بمَحْوك!!
هؤلاء الذين يطاردون السراب فى صحارى الشرق الأوسط يسعون وراء استعادة أمجاد غابرة أو فرض نماذج أيديولوجية طوباوية (مثالية) مستحيلة على واقع معقد ومتغير، مما يجعل القوى المتصارعة تحارب طواحين هواء بينما يغرق الحاضر فى الدمار.
■ ■ ■
والحقيقة أن هناك مجموعة متنوعة ومستويات متعددة من العقد والأوهام التى تحاول أن تتحكم فى مصير الشرق الأوسط، وتسعى بلا كلل أو ملل إلى إعادة هندسة الإقليم كى يتوافق مع تلك الرؤى المريضة، فهناك عقدة «المظلومية التاريخية» التى تجعل كل طرف يرى نفسه ضحية دائمة، مما يبرر له استخدام العنف كأداة «للعدالة» المتوهمة.
وهناك عقدة «الاستعلاء الأيديولوجي» والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، ومحاولة صياغة المنطقة وفق «كتالوج» فكرى جامد لا يعترف بالتعددية، فيجرى استنزاف الحاضر من أجل «المستقبل المتخيل».
وهناك أيضًا «أوهام التحكم»، التى تسعى إلى رسم الخرائط بالرغبات لا بالواقع، والحديث هنا عن محاولات القوى الإقليمية والدولية لرسم «شرق أوسط جديد» أو «قديم» بناءً على أوهام الهيمنة، وهذا السراب يجعل صانع القرار يظن أنه يتحكم فى الخيوط، بينما الواقع يتفلت من يديه لأن الأساس مبنى على فرضيات خاطئة عن شعوب المنطقة واحتياجاتها الحقيقية.
وهناك كذلك «عقدة الزعامة» التى تدفع بالبعض إلى تجاهل حقائق القدرة ودروس التاريخ واختزال المنطق فى «امتلاك القوة» سواء كانت تلك القوة سلطة أو ثروة، وأصحاب تلك العقدة لا ينظرون إلى الأمور بواقعية أو من زاوية المصالح الجماعية، بل ينظرون دائما للأمور فقط من «ثقب» ذواتهم المتضخمة، وهو ما يجعلهم أسرى الحسابات الخاطئة بينما هم يحسَبون أنهم يُحسنون صُنعا!
■ ■ ■
يعيش الشرق الأوسط حالة من «إعادة التموضع المنهِكة»، إذ يبرز «وهم التحكم» لدى أطراف الصراع. تسعى إسرائيل لفرض واقع جديد يهيمن فيه أمنها على المنطقة بأكملها، متخيلة أن الفراغ الأمنى الذى خلَّفه انهيار ما يسمى بـ«محور المقاومة» التقليدى منذ ما بعد 7 أكتوبر 2023 يمثل صمام أمان بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة أو حتى للمنطقة التى اكتوت بنيران الصدام المتكرر بين الجانبين.
لكنَّ الحقيقة المؤلمة أنه ليس من المُسلَّم به أن يبقى هذا الفراغ طويلا، بل ربما يكون مشجعا على ظهور جماعات وتيارات أكثر راديكالية لأن جذور الصراع لا تزال باقية، والمعالجة الموضوعية لجوهر الأزمات الإقليمية لا تزال غائبة، وهى حالة تجعل من فكرة «السيادة المطلقة» مجرد سراب يبتعد كلما ظن الفاعلون أنهم اقتربوا منه، ومن أمل «الاستقرار الدائم» حلما بعيد المنال.
وقد بلغت مطاردة السراب ذروتها فى المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب، وهنا تتجلى عُقدة «الحسم العسكرى»، حيث يتوهم كل طرف أن ضرب رأس الهرم سيؤدى إلى استقرار طويل الأمد، لكن الواقع أثبت أن هذه الأفعال لا تزيد المنطقة إلا استنزافًا، حيث ترد إيران بضربات صاروخية تشعل ممرات التجارة الدولية، محوِّلةً وهم «الردع» إلى كابوس من التصعيد المستمر.
ما أحوجَنا اليوم إلى مراجعة صفحات التاريخ، ليس فقط تاريخ منطقتنا الثكلى والمثقلة منذ قرون بجراح وندوب غائرة جرَّاء مغامرات عبثية لإمبراطوريات كبرى ومجانين ومهاويس دينيين، ومغامرين ومرتزقة من كل أنحاء العالم، بل أيضا قراءة صفحات من تاريخ «الآخر» فى الغرب الذى يبدو أحيانا أنه لم يغادر ظلام القرون الوسطى!
أنظروا مثلا إلى حرب الثلاثين عاماً فى أوروبا، بدأت كصراع مذهبى «مقدس»، ولم تنتهِ إلا بعد أن حصدت أرواح ثلث سكان القارة، وتركت المدن أطلالاً، ليكتشف الجميع فى النهاية أن «المقدس» الحقيقى هو دماء البشر، وأن التعايش والسياسة هما الطريق الوحيد للنجاة.
اليوم، يحاول «مجانين الحرب» فى منطقتنا جرَّنا إلى المستنقع ذاته، متوهمين أنهم سينتصرون لنبوءاتهم على جثث الأبرياء، دون أن يدركوا أن منطق «إما أنا وإما أنت» الذى يبشر به المتطرفون من كل الأجناس والأيديولوجيات، هو انتحار جماعى، وقد فشل هذا النهج تاريخياً لأنه يصطدم بحقيقة بسيطة: الأرض تتسع للجميع، لكن الأيديولوجيات المتطرفة لا تتسع إلا لأصحابها.
■ ■ ■
إنَّ مطاردة سراب الحلول العسكرية المنفردة أو الهيمنة الأيديولوجية لن تؤدى إلا إلى المزيد من «الزلازل السياسية»، فالمستقبل لا يُبنى بالهروب من الواقع نحو الأوهام، بل بمواجهة الحقيقة المتمثلة فى ضرورة وجود نظام إقليمى شامل يعترف بمصالح الشعوب قبل طموحات بعض التيارات والحكومات المتوهمة.
ومن هنا تأتى أهمية استعادة صوت العقل ونغمة الحكمة التى يخفُت صوتها وسط صخب الصواريخ، وضجيج حاملات الطائرات، وأزيز المُسيَّرات التى تغمر سماء الشرق الأوسط، ما أحوج المنطقة إلى هذه الأصوات العاقلة التى تسعى إلى استرداد «السياسة» من براثن «المجانين»!
ولعلَّ هذا ما تسعى إليه مصر، ليس فقط على وقع الأزمة الراهنة، بل منذ عقود طويلة، فالتحلى بالعقلانية فى زمن الجنون ليس أمرا سهلا، بل يعرضك أحيانا إلى هجمات بعض فاقدى العقل وأسرى العُقد النفسية، ممن يرون فى حكمتك فضحا لخفتهم، وفى رصانتك كشفا لسطحيتهم، وفى ثباتك الانفعالى فى مواجهة الأزمات والمخاطر إحراجا لهلعهم وذعرهم، وفى ثبات مواقفك ورسوخ مبادئك صفعة على وجوههم المتلونة.
الهجوم على مصر نابع من كون موقفها هو العقبة الكبرى أمام تحويل المنطقة إلى «ساحة قتال مفتوحة» بلا ضوابط، وتمسُّكها الصلب بضرورة تحقيق الأمن الجماعى للدول العربية، ورفضها المبدئى بأن يكون أمن الخليج أو الأردن أو لبنان ورقة فى صراع إسرائيلي- إيرانى، لذا أدانت بشدة الهجمات الإيرانية على الدول العربية الشقيقة وفى الوقت نفسه انتقدت بحسم الاستفزازات الإسرائيلية.
الموقف المصرى يكشف زيف «الحلول العسكرية»، ويُصر على تعرية «غطرسة القوة» التى لن تجلب الأمن لإسرائيل، ويحذر من «شهوة الدم» التى يبشر بها هؤلاء، وكأن الحرب هى الحل الوحيد وليست الفشل الأكبر للدبلوماسية، وثبات الموقف المصرى وتوظيف التحركات الدبلوماسية الواعية لتأكيد أن الحل الوحيد هو المسار السياسى الذى يُنهى الاحتلال ويعالج أزمات المنطقة من جذورها، هو ما يزعج «مجانين الحرب» الذين يعيشون على منطق القوة وحدها.
مصر لا تكترث كثيرا لهجمات «الحمقى» ولا لحملات «المختلين عقليا»؛ لأنها تؤمن بأن دورها الكابح للجنون، واستمرارها كـ«وسيط متزن» يَحْرم المتطرفين من غطائهم السياسى لاستمرار الحرب الشاملة، وأن حملات الهجوم على مصر هى هجوم على «صوت العقل» المتبقى فى منطقة يُراد لها أن تغرق فى الدماء لسنوات طويلة.
وقد علَّمتنا الخبرات والتجارب أن محاولات التشويه والافتئات على الدور المصرى النزيه والشريف فى زمن عزَّ فيه الشرف، ليست سوى محاولة لعرقلة خطوات القاهرة عن المضى قدمًا نحو تحقيق أهدافها النبيلة بحقن دماء شعوب المنطقة، ولسد الثغرات التى ينفذ منها مصاصو الدماء إلى شرايين دولنا وشعوبنا العربية.
وكلما حققت السياسة المصرية نجاحا فى مسعاها تضاعفت حدة الهجوم وتكثفت «ولولة» الناعقين الذين لا يريدون لمصر أن تتقدم خطوة على مسار قيادة الإقليم إلى بر الأمان، فى زمن استقوى فيه تجار الكوارث والمتاجرون بدماء الشعوب والمتلاعبون بالعقول، وظنوا أنهم قادرون بدفع المنطقة نحو هاوية الفوضى على الاقتراب من قمة القيادة الإقليمية.
ولا تنسوا أن مصر التى وقفت كحصن شامخ فى مواجهة مخطط التهجير والتى تقاسم شعبها اللقمة مع أشقائه فى غزة، خرجت ضدها تظاهرات «إخوان بنى صهيون» من «مسلوبى العقل والإرادة» فى قلب تل أبيب تطالبها بفتح المعابر لدخول المساعدات إلى غزة (!!!) فأى جنون بعد ذلك يهون.
■ ■ ■
ما أحوج المنطقة والعالم اليوم إلى تحالف «العقلاء» دولياً، فقد حان الوقت لبناء تكتل إقليمى ودولى يفرض «عقوبات قيمية وسياسية» على رموز التطرف الصهيونى، ويضع حدا للعبث الإسرائيلى، عبر إقامة أسس حقيقية لعدالة يمكن أن تقود إلى وقف محاولات «مجانين الحرب» لدفع العالم نحو حافة الهاوية.
ولعل مشاركة مصر بالتنسيق مع الأشقاء «العقلاء» من دول الإقليم فى الخليج العربى وباكستان وتركيا، والاتصالات المتواصلة لبناء جبهة إقليمية ودولية متماسكة لتجنب انزلاقات أعمق وأكثر خطرا فى مستنقع الحرب العبثية، تمثل خطوة فى الاتجاه الصحيح وضرورة تؤمن القاهرة بحتمية دورها فيها بحكم إرث التاريخ والجغرافيا، حتى لو عرَّضها تمسكها بثوابتها لمزيد من هجمات المَوْتُورين.
ختامًا.. إنَّ الأوهام قد تبنى جدرانًا من الكراهية، لكنها لا تبنى دولًا، وبناء المستقبل يتطلب شجاعة مواجهة الحقيقة والتحرر من أَسْر «السراب» الأيديولوجى، والاعتراف بأن الواقع يُصنع بالتسويات والعمل المشترك، لا بالمطاردة العبثية لأحلام مستحيلة.
والنجاة تتطلب شجاعة فى طرح السلام تعادل شجاعة خوض الحرب، وإسكات أصوات «المجانين» الذين يرون فى الدمار طريقاً وحيداً للخلاص، وأن «المواجهة الصفرية» التى تعنى أن انتصارك لا يتحقق إلا بسَحْق غيرك الكامل، هو منطق يتجاهل تعقيدات الجغرافيا والتاريخ فى المنطقة.
الرهان على «الحروب الدينية» و«تصفية حسابات الأيديولوجيا» وتصعيد خطاب التفوق الدينى أو المذهبى، هو لعب بالنار فى منطقة مليئة بألوان الطيف الإنسانى والفكرى والدينى والمذهبى والعرقى، فهذا المسار لن يؤدى لانتصار طرف، بل لإنتاج أجيال مشبعة بالكراهية، وتحويل المنطقة إلى «ثَقب أسود» يستنزف مُقدَّرات الشعوب.
صدِّقونى .. التاريخ لا يصنعه المجانين، حتى لو بدوا فى لحظة غفلة الأعلى صوتًا والأكثر نفيرًا.