جيمس إنسور
جيمس إنسور.. سيروان باران قراءة فى جنون الحشود
الإثنين، 30 مارس 2026 - 09:00 م
محمد طهمازي
«إن الفنان يشعر بالاغتراب والتهميش داخل هذه الكتلة البشرية، التي تفرض عليه «شبه عقلانية» زائفة وسلوكًا جماعيًا يمحو خصوصيته، وبدلاً من الاستسلام لهذا التهديد، يحول الفنان هذه العلاقة العدائية إلى شعلاقة إبداعية من خلال «الاستراتيجيات النفسية».
يلجأ الفنان، في مواجهة الحشد البشري غير المستقر والمخيف، إلى عالم المادة الصامت الذي بإمكانه التعامل معه يصبح الوسط الفني (مثل الألوان الزيتية، الطين، والورق والقماش) بمثابة مادة «يضع بصمته الذاتية عليها» يهرب إليها يؤسس الفنان، من خلال تشكيل هذه المادة، عالماً خاصاً به يمكن التحكم فيه، نقيضاً للعالم البشري الفوضوي الخارج عن سيطرته.

إنها عملية استحواذ رمزي على الواقع المادي لتعويض فقدان السيطرة على الواقع الاجتماعي المتمثل في الحشد.
سيستعين الفنان هنا برؤاه لإنتاج فن يظهر فيه الفنان «جنونه» الخاص كوسيلة للهروب من «العقلانية الزائفة» للحشد عبر تصوير عوالم هلوسية أو كوابيسية تعكس تشظي الذات، يقوم الفنان فيها بتطبيع حالته النفسية الشاذة كبديل للامتثال لسلوكيات الجماهير هذا يتجلى بوضوح لدى فنانين مثل جيمس إنسور.

لنقف ونفكر بوجه آخر للعملة وأقصد الحشد الذي هو الآخر يقع تحت سطوة أقوى أي أنه ضحية ظاهرة «استحواذ» القوة على الحشد وهي من أكثر المسائل إثارة للجدل في تاريخ علم النفس.

كيف يتحول تجمع من الأفراد العقلانيين إلى كتلة واحدة تتصرف وكأنها تخضع لقوة مغناطيسية أو «دوامة» تجرفها نحو سلوك لا تمارسه في الظروف العادية؟
يؤكد لوبون أن الفرد في الحشد يخضع لحتمية لاعقلانية تنبع من العقل الباطن حيث الحشد يمحو الشخصية الواعية للفرد ويطلق العنان للاوعي الجمعي فيقول: «في العقل الجمعي، تختفي الملكات الفكرية للأفراد وهوياتهم الشخصية، ويدخل اللاوعي الجمعي إلى المسرح».
هذا المفهوم يستند إلى فكرة أن الطبقات العميقة من النفس، المشتركة بين أبناء «العرق الواحد، أو أي رابط جامع» الواحد هي التي تتحكم في سلوك الحشود، وليس العقلانية الفردية.
إن رؤية لوبون تفتح أمامنا الطريق لكشف المنفذ الذي يجعل الحشود جاهزة لكي تتحكم بها أي قوة أو نفوذ لأنه، ببساطة، مكون من أفراد سلبت ملكاتهم الفكرية وراح السلوك الجمعي يفكر عوضا عنهم بدلا من عقل الفرد أو مجموع عقول الأفراد التي تنحت جانبا الى طي الغياب لتظهر هوية لا تشبه أي فرد فيهم هوية تخلق شخصية جديدة لها ومعمارية نفسية مختلفة، وغريبة، يتحرك الأفراد داخل فقاعتها الصلبة منقادين دون إرادة مثل أناس آليين يتبعون ذبذبات خفية توجههم.

يحوم سيروان باران بعين طائرة، درون، فوق الحشود ليصور ألوان حركاتهم الانفعالية التي لا تتبع نسقا كلاسيكيا أو تجاورا أكاديميا بل تتبع مزاجا مغرقا في الذاتية يأخذ بزمام ألوان معدودة تكون فيها السيادة للون أو لونين في كل لوحة وهو هنا، سواء بقصد أو بدونه، إنما يعطي صورة عن سلوك جمعي يقود الشخوص كالمخدرين المستسلمين الخانعين تسيرهم قوة خارجية هي النظام، اللون، المسيطر مهما تعددت مسمياته لكنه في النهاية يجلس محل القوة الكونية الحاكمة المتحكمة في حياة ومصائر وسلوكيات البشر، وهذا النظام يستند لحالة الشلل التي خلقها الحشد وجردهم من حرية التفكير وبالتالي فقدوا استقلالية الوعي فصاروا عبيدا جاهزين لكل مستعبد من دون قيود ولا سياط فالقيد في عقولهم يوجههم بسياط الوهم أي وهم كان وهم لعبة الدين أو الايديولوجيا أو السياسة أو الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

ما كانت الحشود في نظر مفكري فترة إنسور مجرد كيان اجتماعي أدنى، بل تحولت تدريجياً إلى كيان «متخلف عقلياً». لهذا لجأ إنسور إلى استخدام الأقنعة لتجريد أفراد الحشد من ملامحهم الإنسانية الفردية ليعكس موقف الحداثة من الجماهير الحضرية في هذا العمل، يصبح الجنون الجماعي هو القاعدة، والفنان الوحيد (المسيح) هو الشاهد الوحيد العاقل وسط هذا الزحام، أو ربما يكون هو المجنون الوحيد في عالم من «العقلانية» المدعاة.
لو تأملنا في لوحات باران لوجدنا أن ما من مسيح محدد وما من إسقاط لشخصية الفنان على شخصية وسط شخوص اللوحة ولعل هناك سببين الأول هو نأي الفنان بنفسه عن الحشد أي أنه يحلق فوق الحالة ليراها من الخارج بدل أن ينغمس وسطها ويكون جزءا منها لا مقيما لها. أما المسيح وهو السبب الثاني فإن حالة المعاناة هنا لا تختزل في فرد بل تتوزع على جميع أفراد هذا الحشد كونه يمثل حالة سلوك جمعي وبالتالي يتحرك ككتلة واحدة كما الفرد وفي النتيجة يعيش حالة المعاناة والقهر والضياع كفرد واحد.

في منتصف القرن العشرين، رصد ويليام وايت تحولاً عميقاً في الفردانية الأمريكية. فبدلاً من «الفردانية القاسية» التي ميزت القيم الأمريكية، برزت قيم جديدة تطلب من الفرد أن يكرس ولاءه للمؤسسة التي يعمل فيها. لم يعد النجاح الاقتصادي يتحقق عبر المبادرة الفردية المستقلة، بل عبر «خدمة المؤسسة» والاندماج في هياكلها البيروقراطية. هذا النموذج أعاد إنتاج التسلط بوجه حديث؛ فالمؤسسة لا تطلب الطاعة بالقوة، بل تولد إحساساً بالتفاني والالتزام يجعل الفرد يتبنى طواعية قواعد اللعبة التي تمليها السلطة الهرمية. الفرد هنا لا يُقمع، بل يُنظم ويُوجه لخدمة أهداف الجماعة التي لن تكون الحشد العامل بل المؤسسة التي استعبدته بقوة ناعمة.
لقد تجاوز التسلط الجمعي المؤسسات الاقتصادية ليشمل الأحزاب السياسية في الديمقراطيات الغربية. يحلل لورانس ديفيدسون هذه الظاهرة بالاستناد إلى أعمال رايف ماير وعالم الاجتماع رايت ميلز فالنظام الحزبي الغربي وصوره المنتشرة، رغم مظهره الديمقراطي، يخفي بنية سلطوية تفرض على النائب المنتخب التنازل عن حقوق ناخبيه لصالح قيادة الحزب.
يتحكم زعيم الحزب بموارد التمويل والتعيينات البرلمانية، فيصبح النواب مجرد منفذين لإرادة القيادة لا ممثلين لإرادة الناخبين. يصف ماير هذا النظام بأنه «إنكار تدريجي للديمقراطية وأساس متين لديكتاتورية ناعمة».
المفارقة أن هذه الآلية لا تفرض بالقوة، بل تعمل عبر حوافز تنظيمية تجعل الامتثال للسلطة الحزبية شرطاً للنجاح والبقاء في اللعبة السياسية. هكذا تتحول الجماعة الحزبية إلى وعاء لتكريس التسلط باسم التمثيل الديمقراطي.
من هنا ينشأ الفارق بين رؤية إنسور ورؤية باران في قراءتهما لحركة الحشد الذي تطورت أدوات السيطرة عليه والتلاعب به واستغلاله من المصانع والشركات الى ميادين الحروب مع تغير نظم الحياة وفلسفات التحكم بها، بين زماني الفنانين، حيث أصبح الفرد في الجمهور أكثر تقبلاً للإيحاء والتوجيه من الخارج، مما يجعله عرضة للتأثير من قبل القادة الذين يجيدون استثارة عواطفه البدائية، كما يرى لوبون، إذ تنتشر الأفكار والمشاعر بين أفراد الجمهور كما تنتشر العدوى البيولوجية، مما يؤدي إلى توحد السلوكيات وتشابهها من استنفار وحماسة وثورة وأمل إلى استسلام ورضوخ ويأس وتبعية. هذه الآلية تفسر كيف يمكن لحالة انفعالية واحدة أن تجتاح آلاف الأفراد في وقت قصير.

إن كل ما تقدم يرتكز على مفهوم «الليبيدو» (الطاقة النفسية المرتبطة بالغرائز) الذي أدخله فرويد على نظرية لوبون كمفسر أساسي للروابط الجماعية عبر آليتين نفسيتين حاسمتين لتحليل هذه التبعية الجماعية، الغريبة وفق التقييم العقلاني، الأولى أن الفرد في الجماعة يتماهى مع الآخرين، مما يخلق شعوراً بالمشاركة الوجدانية.
هذا التماهي الجماعي هو ما يفسر تماسك الجماعة ووحدتها العاطفية في توجه المشاعر إيجابا وسلبا. وفي الآلية الثانية يأتي دور القوة المحركة أو القائد الذي يحل محل «المثالية العليا» للأفراد، أي ذلك المعيار الداخلي الذي يسعى الفرد للارتقاء إليه. عندما يضع الجمهور القائد في موقع المثالية العليا، يصبح القائد هو الضمير الجمعي والمرجعية الأخلاقية.
لقد قدم فرويد الكنيسة، المؤسسة الدينية، والكيانات العسكرية ورموزها في الصراعات القاسية في أوربا، مثلا، كنماذج للجماعات المنظمة، حيث يربط الأفراد بعضهم ببعض عبر علاقات ليبيدية مزدوجة: مع القائد (المسيح أو القائد العسكري) ومع باقي أعضاء الجماعة.
هذه العلاقات تجعل الجماعة متماسكة وقادرة على الاستمرار في السير في صحراء التيه دون كلل أو ملل برغم النكبات المتوالية ونهر الضحايا الذي لا يتوقف، لاحظ طوابير الجنود في لوحات سيروان باران صوب المعركة والعودة منها تقودهم أبواق الخطابات السياسية في لوحات أخرى، وتحصد الصفقات كروش المال في لوحات تالية مباركين بصلوات لاهوتية في لوحات تليها.
إن الفنان، كقائد، يجب أن يتحلى بالاستقلالية والقدرة على الانعزال عن ضغط الجمهور ليقودهم بفعالية.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين
الصمت… حين تتراجع اللغة ويتقدم المعنى
فى محاضرة علمية بالقاهرة إعادة اكتشاف المصادر العربية لعلم المصريات
الروائى السورى هيثم حسين: الألم يسبق اللغة
د. خالد توفيق: التجربة اليابانية أفضل خطة للنهوض بالمركز القومى للترجمة
إيرينى باييخو: نحن مدينون للشرق
إيرينى باييخو: نحن مدينون للشرق









