ترام الرمل
ترام الرمل


ترام الرمل.. ذكريات المدينة المتحركة عبر الزمن

أخبار الأدب

الإثنين، 30 مارس 2026 - 09:10 م

ميسرة صلاح الدين


طفل ساذج يستقل المركبة الحديدية التي تسير بالكهرباء لأول مرة، أو لنقل لأول مرة يدرك أنه يمتطي جوادًا معدنياً بهذه القوة والضخامة. 



وبفضول وبراءة شديدة، أسأل والدي وهو ممسك بيدي:

«هو سواق الترام بيعرف الناس عايزة تنزل فين إزاي... وبيقف لهم لوحده من غير ما حد يقوله؟»



 ضحك ضحكة غير بريئة وهمس لي:

 «لو وصلنا محطة الرمل ومعرفتش الإجابة لوحدك، ح ابقي أقول»


حاولت أن أدقق الملاحظة طوال الرحلة لاكتشاف حل اللغز ظننت في البداية أن الراكب يهمس في أذن السائق عند الركوب، وأن السائق يحتفظ بما همس به، أو أن هناك زرًا خفيًا أو مقبضًا سحريًا يضغط عليه الراكب ثم اكتشفت أن هناك أماكن يتوقف عندها السائق للركوب ولا ينزل فيها أحد، فقلت في نفسي:

 «أكيد لما بيلاقي ناس متجمعة ومستنية بيقف، وساعتها اللي عايز ينزل.. ينزل.»

 ولكن اكتشفت خطأ تلك الفكرة، فقد نزل العديد من الركاب دون أن يركب غيرهم.

 استمرت حيرتي طويلاً، وزاد تعقيد الأمر عندما توقف لعدة مرات ولم يركب أحد ولم ينزل أحد، فأصابني شعور من القلق والحيرة. بدأت أتحدث مع نفسي بصوت عال، ووالدي يتظاهر بأنه لا يفكر في الأمر ولا يراقب ما أفعل، حتى جاءت اللحظة الحاسمة وقفنا أمام جوجو "بتاع الفشار" الشهير.



سألني: «وصلت لإيه؟»

لم أكن قد وصلت لإجابة شافية، ولكني قلت له بدافع اليأس:"هو في أماكن بيبقى فيها كراسي كدا، معمولة من الطوب أو الخشب، وتند كمان من خشب أو طوب، وهو لما بيلاقيها بيقف. أنا مش عارف بصراحة، بس دي أول حاجة جت في دماغي لما وقفنا قدام بتاع الفشار. لو صح قل لي صح، لو غلط هاتلي فشار وقل لي بقى." 

ومرت الأيام وربما السنوات حتى انتهيت في بداية التسعينات من المرحلة الدراسية الإبتدائية، ووجدت نفسي أتوجه «بمفردي» لمبنى الاشتراكات لأستخرج اشتراك طالب، حتى أتمكن من التوجه مستقلاً بالترام كطالب مدرسي محترم من مقر سكني في الإبراهيمية لمدرستي الجديدة «مدرسة الشاطبي الإعدادي بنين.»

 كانت وقتها تذكرة الترام بعشرة قروش كاملة، وتذكرة الطالب بخمسة قروش، وكان من الجائز أن «أزوغ من الكمسري» بدافع المغامرة. وكنت برغم اشتراكي الفعلي ودفعي لقيمة الاشتراك نقدًا ومقدمًا، أدبر حيل جديدة في كل صباح بهدف الهروب من الكمسري، وحرمانه من رؤية الاشتراك والتحقق من صحته وأشعر أنني قمت بطقس صباحي مبهج.

 وربما كانت تلك المغامرة لا تدور إلا في خيالي المراهق وقتها، فالكمسري قد اعتاد التعامل مع الطلبة، وخصوصا الذين يراهم بشكل يومي، وربما لم تعد هناك حاجة بالنسبة له لتفقد اشتراكاتهم كل صباح.

بدأ ترام الرمل كحلم يمشي على أربع، أو ربما يحبو.. وذلك بعدما منح الخديوي سعيد امتيازًا خاصًا لإنشاء خط يربط بين قلب المدينة ومنطقة الرمل.

 الهدف كان واضحًا وهو تسهيل وصول الأجانب والجاليات الأوروبية، وكذلك الطبقات الراقية، إلى المصايف والمناطق السكنية الهادئة، بعيدًا عن صخب الأسواق وضوضاء تجمعات العمال.

وقد تم افتتاح الخط في عام 1863، وكانت العربات تجرها الخيول، تتحرك بخطوات ثابتة بين شوارع المدينة المرصوفة، حاملة الركاب في رحلة هادئة تتيح لهم رؤية المدينة وهي تتنفس ببطء بين عماراتها التي تبدو منافسة لأرقي بنايات أوروبا.

بحلول عام 1887، بدأت بعض عربات الترام في العمل بالبخار، كمراهق ينفث الدخان ويثير الحماس والضوضاء حوله في كل مكان، في مرحلة انتقالية مثيرة، حيث أصبح بالإمكان قطع مسافات أطول وبسرعة أكبر، بينما كانت الإسكندرية نفسها تتوسع، ويزحف العمران إلى مناطق جديدة مثل بولكلي وستانلي وسان ستيفانو، التي كانت قبل ذلك أراضٍ شبه خالية من العمران.

هذه المناطق سرعان ما أصبحت مزارًا للأجانب والطبقات الراقية، وكانت مبانيها تجمع بين العمارة الأوروبية والنكهات المحلية، فهذه على الطراز الإيطالي وهذه على النمط التركي وهذه علي النمط المدعو بالنيو كلاسيك ما جعلها معاقل للثقافات المتعددة التي تفاعلت في الإسكندرية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين. 

خط الترام كان مشهورًا ومحطاته رمزًا للمدينة: الإبراهيمية، حيث كانت الحياة التجارية مزدهرة، كامب شيزار بواجهته البحرية وقصة المعسكر الخاص بالجيش الإنجليزي والذي استخدمه الجنود البريطانيون كمركز تدريبي ولوجستي، وكليوباترا حيث تصطف المباني التراثية وتنتشر المدارس القديمة والكنائس والمعابد التي تحكي قصة المدينة متعددة الثقافات.

وما زالت بعض هذه المباني والكنائس والمدارس قائمة على جانبي الشوارع حتى اليوم، شاهدة على عبق التاريخ وجمال التنوّع الثقافي في الإسكندرية. وفي عام 1904، شهدت المدينة نقلة نوعية حين تحول الترام بالكامل للعمل بالكهرباء ليدخل اوج مراحل عنفوانه ونضجه، ليصبح أسرع وأكثر انتظامًا، مع محطات محددة وخطوط سير منظّمة، ما جعله واحدًا من أقدم خطوط الترام في العالم وأول ترام كهربائي في إفريقيا والشرق الأوسط صار ركوب الترام تجربة يومية ممتعة، حيث يمكن للركاب رؤية المدينة تتغير من حولهم، ومتابعة اندماج الحياة العصرية مع عبق الماضي كان الترام أكثر من وسيلة نقل؛ كان نافذة على المدينة، على ثقافتها، على طبقاتها الاجتماعية، وعلى تاريخها الممتد. 

ومن خلال هذه العربات الصغيرة، عاش السكندريون لحظاتهم اليومية، من صخب الأسواق في وسط المدينة إلى هدوء الرمل والمصايف، وتواصلت الحياة بين الماضي والحاضر، عبر صوت عجلات الترام وخطوطه التي لا تزال تسرد قصة المدينة حتى اليوم.

ولعل قصة الطفل الذي كوَّن ذكرياته مع الترام في أوائل التسعينات، ثم تعمقت علاقته به في الألفية الجديدة، كشريك دراسة وعمل، وكحاضنة آمنة لنزواته العاطفية الأولى ولقاءاته الغرامية التي اتسمت بالخجل والارتباك، تمثل مدخلًا إنسانيًا لفهم هذه العلاقة الخاصة.

فترام الرمل ليست مجرد وسيلة نقل، تقليدية بقدر ما هي جزءًا حيًا من نسيج الحياة اليومية، يحمل الذكريات كما يحمل الركاب، ويواصل سيره بثبات نادر عبر الزمن. ولعل القصص التراثية عن أول ترام في إفريقيا والشرق الأوسط، والذي بدأ خيليًا في ستينيات القرن التاسع عشر ثم كهربائيًا مع مطلع القرن العشرين، وكونه واحدًا من أقدم خطوط الترام التي ما زالت تعمل حتى اليوم وتحافظ على مسارها الأصلي، تجعلنا ندرك تمامًا بُعدًا غير مادي، لكنه واقعي وملموس، في علاقة الإسكندرية بالترام، وعلاقة السكندريين بتراثهم وبأقدم وسائل النقل الحديثة على أرض مدينتهم.

 هذا البُعد لا يحتاج إلى شرح، فزوار الإسكندرية من مختلف أنحاء العالم يلمسونه بسهولة، وربما يشعرون، ولو عابرًا، بنفس هذا الارتباط الصامت. 

في السنوات الأخيرة، تم طرح مشروع لتطوير ترام الرمل وربطه بمخطط شامل لحركة المرور في المدينة، يشمل إنشاء كباري علوية لفك الاختناقات، وضم بعض المحطات القديمة ضمن محاور حديثة، وتحديث العربات بما يتوافق مع معايير السلامة والراحة. 

هذاالمشروع أثار، كما يقول السكندريون، «زعابيب» أي عاصفة من النقاش والجدل الاجتماعي بين مؤيد يرى فيه ضرورة لتحديث المدينة ومواكبة العصر، وآخر يرى فيه تهديدًا للذاكرة والتراث. 

فكلما تحدث أحدهم عن الماضي والنوستالجيا والارتباط بالتاريخ، خرجت أصوات تزجره بتهم جاهزة مثل: «إنت عدو للتقدم، ولا تعرف معنى الحضارة الجديدة»، وكأن التمسك بالماضي مأزق يجب الفكاك منه للحاق بركب المستقبل. وبالمقابل، كلما دعا أحدهم للخروج من عباءة الماضي ومواكبة التطورات، لاحقته انتقادات لاذعة، حتى أصبح التطوير أحيانًا مشروعًا ثقيل الظل وذو سمعة سيئة.

والحقيقة أن هذا الجدل يؤكد أن الأمر يحتاج إلى مناقشة عقلانية ورؤية متزنة ومنفتحة، توازن بين ضرورة التطوير وتحقيق متطلبات المدينة المعاصرة، وبين الحفاظ على ما هو جوهري في ذاكرة الإسكندرية وهويتها التاريخية. ولا يمكن بالطبع قراءة ظاهرة الترام أو تفسيرها بمعزل عن تجارب أخرى، سواء داخل مصر أو خارجها، لكن المقارنة تظل كاشفة.

ففي القاهرة، كان مترو مصر الجديدة – أو ترام هليوبوليس – يعمل لعقود طويلة كجزء من الحياة اليومية للحي، قبل أن يُزال نهائيًا في عام 2015 في إطار مشروعات التطوير العمراني وتوسيع الشوارع. ورغم مرور سنوات على هذا القرار، ما زال المترو القديم حاضرًا في مخيلة سكان مصر الجديدة؛ بعضهم لم يرَ حتى الآن فائدة حقيقية مما جرى، بينما يرى آخرون أن هذا المسار التغييري كان حتمية لا مفر منها، فرضها منطق السرعة والكثافة والمدينة الحديثة.

وعلى الجانب الآخر من المتوسط، تطرح تجربة باريس نفسها بقوة فقد كانت المدينة تمتلك شبكة ترام واسعة تشبه، إلى حد بعيد، ترام الرمل، قبل أن تُلغى تدريجيًا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، حتى اختفى آخر خط للترام القديم عام 1938.

لم يُطوَّر هذا الترام ولم يُستبدل، لكن أُزيل من جذوره لصالح الحافلات ومترو الأنفاق. ومع ذلك، لم تختفِ ذكراه من الوعي الجمعي؛ إذ ما زالت عشرات المقالات والدراسات الفرنسية تستعيد تلك اللحظة بوصفها نهاية عصر «التحديق من النافذة»، وبداية ما سماه البعض «السرعة العمياء»، بينما رأى آخرون أن الترام لم يكن يعيق الزمن، إنما كان ينظّمه ويمنحه إيقاعًا إنسانيًا.

هي أوصاف شاعرية تليق بمفكري فرنسا وصحفييها، الذين لم يحتفظوا من الترام إلا بالذاكرة والكتابة أما الترام نفسه، فقد غاب هناك، قبل أن يعود في شكل حديث بعد عقود طويلة. 

وفي الإسكندرية، ظل الترام حاضرًا، يسير في مساره القديم، لا ينافس الزمن ولا يخاصمه كأن المدينة اختارت أن تحتفظ بجزء من ذاكرتها حيًا، متحركًا، وملموسا.

ومن المفارقات المذهلة في هذا السياق أنه حين بدأت شبكة ترام كوبنهاجن، عاصمة الدنمارك، في التفكيك التدريجي خلال أواخر الستينيات، وكانت واحدة من أقدم شبكات الترام في أوروبا منذ عام 1863، تقرر بيع عدد كبير من عرباتها الحديثة آنذاك، بدلًا من إعدامها أو تفكيكها.

ومع اقتراب الإغلاق الكامل للشبكة، الذي تم رسميًا في 22 أبريل 1972، وجدت هذه العربات طريقها جنوبًا، إلى الإسكندرية. نُقلت عربات الترام بحرًا عبر المتوسط، لتستقر في مخازن ترام مصطفى كامل، حيث بدأت حياة جديدة تمامًا.

هناك، طُمست أرقامها وحروفها اللاتينية، واستُبدلت بحروف وأرقام عربية، وأُعيد طلاؤها بألوان ترام الإسكندرية المميزة، المستلهمة من زرقة البحر وصفاء السماء، لتذوب تدريجيًا في المشهد البصري للمدينة، وتكتسب ملامح هويتها في سلام وصبر وربما أمل جديد.

فلم تعد عربات وافدة وغريبة، لكنها صارت جزءًا أصيلًا من ذاكرة المكان، تخدم ركابه وتشاركهم يومياتهم كما لو كانت قد وُلدت على قضبان المدينة.  وبعد مرور سنوات طويلة، عاد الحنين ليطرق الباب من جديد.

ففي كوبنهاجن، ومع تنامي الاهتمام بالأرشفة الحضرية وتاريخ وسائل النقل، ظهرت مطالب بإعادة بعض هذه العربات بصفتها وثائق مادية تعود لزمن مضى وتراث لا يجب إهماله. 

واستجابت المدينة، فتم استرداد عدد محدود من العربات التي كانت قد خدمت سنوات طويلة في الإسكندرية، لتستقر في متاحف النقل الدنماركية، شاهدة على تاريخ مدينة، وعلى رحلة غير متوقعة عبر الجغرافيا والثقافة.

هكذا عبرت عربات الترام مرتين: مرة حين غادرت موطنها الأول لتعيش عمرًا ثانيًا في الإسكندرية، ومرة حين عادت إلى الشمال وقد صارت محمّلة بذاكرة مدينة أخرى.

وبين الرحلتين، يتأكد أن الترام كانت وسيطًا صامتًا لتبادل الذكريات بين المدن، وأن بعض وسائل النقل لا تكتفي بنقل البشر وحسب، وإنما تحمل معها تاريخهم، وحنينهم، وأثر المكان الذي مرّت به. اللافت في الأمر أن هذه التجربة ليست استثناءً سكندريًا، بل تتكرر بصور مختلفة في مدن كثيرة حول العالم؛ حيث يبدو التطوير قادمًا لا محالة، والتغيير والتحديث واقعًا مؤجلًا، مهما طال انتظاره. وحين ينطلق، ينطلق كالسهم، يصيب هدفه بسرعة، ولا يلتفت كثيرًا لما يتركه خلفه. 

لم يعد السؤال: هل نُطوّر أم لا؟ فذلك محسوم كما هو ظاهر للجميع. السؤال الأهم: كيف نُطوّر دون أن نفقد المعنى، وما الذي يستحق التغيير، وما الذي يجب أن يبقى شاهدًا على ما كنا عليه في الماضي؟

 وربما تلوح هنا بارقة أمل في أن خط الترام لن يُلغى بالكامل، ولكن سيُعاد تنظيم علاقته بالمدينة، عبر ضم بعض المحطات وفك الاشتباك المزمن بين خط الترام وحركة المرور، في محاولة للجمع بين متطلبات العصر وحق المدينة في الاحتفاظ بجزء من ذاكرتها الحيّة.

ومع ذلك، لا يخلو هذا المسار من عشرات التحفظات والملاحظات والأسئلة المفتوحة، التي لا تزال تبحث عن إجابات واضحة ومطمئنة بخصوص الشكل النهائي للمسار الجديد، ومصير الأشجار على جانبي خط الترام، وخصوصية الترام وطبيعتها التي تنبع من خصوصية المدينة ونسقها العمراني الفريد وكذلك مصير محطات الترام القديمة التي لبعضها شكل وطابع تراثي لا تخطئه العين.

يبقى التحدي هو تلك المساحة الرمادية بين الضرورة والوفاء، بين التحديث والحفظ، حيث لا يصبح الماضي عائقًا، ولا يتحول المستقبل إلى قطيعة جارحة. كل ما يتطلبه الأمر هو رغبة وإرادة وعقلية نبيلة، وفهمٌ دقيق للتوازن بين ما يجب تغييره وما يجب الحفاظ عليه.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة