الممثلة السعودية أفنان الخضر فى مسرحية «مزاد عاطفي»
قراءة نسقية فى مونودراما «مزاد عاطفى» الهوية الثقافية من المعبد إلى السوق
الإثنين، 30 مارس 2026 - 09:33 م
محمد ربيع حماد
تقدم مونودراما «مزاد عاطفي» للكاتبة السعودية عهود القرشي نموذجاً متقدماً من النقد الثقافى الضمنى، حيث لا تكتفي بالسرد الشخصى بل تشتغل على مستويات نسقية عميقة تكشف عن تحولات جذرية فى علاقة الإنسان المعاصر بالمعرفة والثقافة والهوية.
المسرحية، فى جوهرها، ليست عن بيع كتب، بل عن كشف النسق الثقافى الذى يحكم تحول الثقافة من ممارسة روحية إلى سلعة استهلاكية، ومن فعل معرفى إلى استعراض اجتماعى.
إن المكتبة المنزلية التى تحتل مركز الديكور المسرحى تصبح، فى هذا السياق، أكثر من مجرد مجموعة من الكتب؛ إنها حقل نسقى متعدد الطبقات يعكس الصراعات الثقافية والنفسية والاجتماعية للذات المعاصرة.

يتجلى أحد أبرز هذه الأنساق فى تقديس المعرفة وتحويلها إلى طقس استهلاكى يبدأ النص بتقديم علاقة غير عادية بين الشخصية وكتبها، علاقة تتجاوز حدود القراءة لتصبح نوعاً من الطقس الروحى. فالشخصية لا تحب الكتب لمحتواها المعرفى فحسب، بل لـ«شكلها» و«لونها» و«رائحة غبارها».
هذا التركيز على الجوانب المادية للكتاب يكشف عن نسق ثقافى عميق يحوّل المعرفة من قيمة فكرية إلى موضوع استهلاك جمالى، حيث يصبح الكتاب أيقونة ورمزاً مادياً للثقافة بدلاً من كونه وسيلة للفهم هذا الطقس اليومى من تأمل الكتب وترتيبها وتصويرها يشبه الممارسات الدينية، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً: هل هذا تقديس حقيقى للمعرفة أم لصورتها؟ هذا السلوك يقودنا مباشرة إلى نسق ثقافى مرضي آخر، وهو الاستهلاك المعرفى المفرط.
حين تعترف الشخصية بأنها تشتري كتباً أكثر مما تستطيع قراءته، فإنها تكشف عن أعراض لمرض حضاري أعمق، حيث تعكس ظواهر مثل «الببليومانيا» (الهوس بجمع الكتب) و«التسوندوكو» (تكديس الكتب دون قراءتها) نسقاً ثقافياً يقوم على الرغبة في الامتلاك بدلاً من الفهم.
في عصر الإنتاج المفرط، أصبح الاستهلاك نفسه يحدد الهوية والقيمة الاجتماعية، وتحولت المعرفة إلى سلعة قابلة للتراكم، والقارئ إلى مستهلك ويتصل هذا السلوك بشكل وثيق بنسق الاستعراض الثقافي في العصر الرقمي فالشخصية تصور كتبها وتنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس بهدف المشاركة المعرفية، بل كجزء من بناء «الصورة الذاتية» الرقمية. هنا، تتحول الثقافة من ممارسة داخلية إلى عرض خارجي، وتصبح رأسمالاً ثقافياً، كما وصفه بيير بورديو، يمكن استثماره لكسب مكانة اجتماعية.
لقد حول النسق الثقافي المعاصر الثقافة إلى عملة يمكن تداولها في سوق الهوية الاجتماعية. على مستوى أعمق. ويكشف النص عن نسق «الأمومة البديلة» كاستعارة للفراغ الوجودي.
الشخصية التي تلمح إلى عدم قدرتها على الإنجاب تجد في الكتب بديلاً للأطفال، مما يكشف عن بحثها عن أشكال بديلة للخصوبة والإبداع في مجتمع لا يزال يربط قيمة المرأة بالإنجاب.
لكن هذا النسق يكشف أيضاً عن استبدال العلاقات الإنسانية الحقيقية بعلاقات مع الأشياء، حيث توفر الكتب استقراراً وحباً غير مشروط، لكنها في الوقت ذاته تحل محل الحب والصداقة والانتماء الإنساني.
ويأتي عنوان المسرحية «مزاد عاطفي» ليكون استعارة نسقية للنظام الرأسمالي نفسه، الذي يحول كل شيء، حتى المشاعر والذكريات، إلى سلع قابلة للبيع والشراء.
المزاد هنا ليس مجرد عملية بيع، بل هو مزاد على الهوية والتاريخ الشخصي، مما يكشف عن حقيقة مؤلمة وهي أن كل ما كان مقدساً أصبح قابلاً للتسليع في النظام المعاصر.
كما تتناول المسرحية هرمية القيمة داخل الحقل الثقافي، حيث تشبه الشخصية المبدعين بأنواع مختلفة من النباتات والأشجار، مما يعكس وجود فنون «عالية» وأخرى «منخفضة». لكن هذه الهرمية الثقافية سرعان ما تتحول إلى هرمية سعرية في السوق، حيث لا تُقيّم الثمار بقيمتها الجوهرية بل بسعرها.
وبهذا، يتحول الحقل الثقافي إلى سوق، والمبدعون إلى منتجين، والإبداع إلى سلعة استهلاكية في خضم هذا التحول، تبرز إشكالية الذاكرة والهوية، فعندما تقرر الشخصية بيع مكتبتها، فإنها لا تتخلى عن مقتنيات مادية فحسب، بل عن أجزاء من ذاكرتها وهويتها المرتبطة بهذه الكتب.
هذا يعكس نسقاً ثقافياً أصبحت فيه الهوية خارجية، مرتبطة بما نمتلكه لا بما نحن عليه. وفي النهاية، تجد الشخصية نفسها وحيدة على المسرح، تملأ الفراغ بصوتها الأحادي الذي لا ينتظر رداً، في مشهد يعكس حالة الإنسان المعاصر في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتحدث الجميع ولكن لا أحد يستمع حقاً.
في الختام، «مزاد عاطفي» ليست مجرد مسرحية عن امرأة تبيع كتبها، بل هي قراءة نسقية عميقة للأزمة الثقافية المعاصرة، ودعوة لإعادة التفكير في علاقتنا بالمعرفة والأشياء.
تطرح الكاتبة عهود القرشي أسئلة مقلقة حول قيمة الثقافة في زمن الاستهلاك، وإمكانية وجود هوية حقيقية في عالم يعرّفها بالامتلاك. ورغم أنها دعوة للاستيقاظ من الحلم الاستهلاكي، إلا أن النص يتركنا أمام حقيقة مقلقة، وهي أننا جميعاً قد نكون مشاركين في هذا المزاد العاطفي، نبيع أجزاء من أرواحنا يومياً دون أن ندري.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين
الصمت… حين تتراجع اللغة ويتقدم المعنى
فى محاضرة علمية بالقاهرة إعادة اكتشاف المصادر العربية لعلم المصريات
الروائى السورى هيثم حسين: الألم يسبق اللغة
د. خالد توفيق: التجربة اليابانية أفضل خطة للنهوض بالمركز القومى للترجمة
إيرينى باييخو: نحن مدينون للشرق
إيرينى باييخو: نحن مدينون للشرق









