أسواق الطاقة العالمية
أسواق الطاقة العالمية


الطاقة النظيفة.. الدرع الواقية فى زمن الحروب

بوابة أخبار اليوم

الثلاثاء، 31 مارس 2026 - 06:39 م

لم تعد خياراً بيئياً فقط.. بل  مصر تستهدف الوصول الى 42% من الطاقة المتجددة بحلول 2030.. والحرب على إيران تؤكد أن التأخير ليس فى صالحنا. الأزمة تكشف هشاشة الاعتماد على مصادر طاقة خارجية .. والحل فى الشمس والرياح وبطاريات التخزين

شهدت أسواق الطاقة العالمية حالة من الارتباك غير المسبوق إثر بدء الحرب على إيران فى أواخر فبراير 2026. ولم يقتصر الأمر على تعطل ملايين البراميل نتيجة إغلاق طهران لمضيق هرمز الذى يمر من خلاله نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وكميات مماثلة من الغاز الطبيعى المسال، بل امتد التصعيد ليشمل هجمات على البنية التحتية للطاقة فى السعودية وجيرانها من دول الخليج.

اقرأ أيضًا| نزيف النفط يتواصل سحب تاريخى من احتياطى الدول.. وتوقعات يتجاوز سعر البرميل حاجز الـ 200 دولار

هذا المشهد المتفجر دفع بأسعار النفط إلى مستويات قياسية، حيث لامس برميل برنت عتبة 120 دولاراً فى غضون أيام قليلة، مسجلاً قفزة دراماتيكية عن سعره قبل الأزمة التى استقرت عند 70-80 دولاراً للبرميل.

هذا الاضطراب ليس مجرد صدمة أسعار مؤقتة، بل إنه يعيد تشكيل النظرة العالمية لأمن الطاقة. فقد أصبحت المخاوف من الاعتماد على الوقود الأحفورى المتمركز فى منطقة الشرق الأوسط التى تعانى من الحروب منذ فترة دافعاً قويًا لتسريع الاستثمار فى المصادر المتجددة. وكما لخص مدير الوكالة الدولية للطاقة، فاتح بيرول، هذا المشهد بقوله: 'أتوقع أن يكون أحد الردود على هذه الأزمة هو تسريع وتيرة الطاقة المتجددة، ليس فقط لخفض الانبعاثات، بل بصفتها مصدر طاقة محلى آمن».

عندما تصبح «الشمس والرياح» ملاذاً من حروب النفط تسبب الإغلاق الفعلى لمضيق هرمز فى شلل شبه تام للإمدادات العالمية، مع تعليق نحو 20 مليون برميل يومياً. وفى خطوة تعكس خطورة الموقف، أعلنت شركات كبرى مثل قطر للطاقة حالة «القوة القاهرة» فى توريد الغاز الطبيعى المسال الى عدة دول، مما رفع أسعار الغاز فى أوروبا إلى الضعف تقريباً. أثار ذلك تضخماً عالمياً قد يصل إلى 0.8%، وتهديداً بركود اقتصادى فى الدول المستوردة مثل الهند والصين واليابان، التى تعتمد على 60% من نفطها من الشرق الأوسط.

مكاسب تاريخية

انعكس ذلك فوراً على الأسواق المالية، حيث سجلت أسهم شركات الطاقة النظيفة الصينية  التى تسيطر على أكثر من 80% من الإنتاج العالمى للألواح الشمسية ونحو 86% من سوق البطاريات   مكاسب تاريخية. على سبيل المثال، ارتفع مؤشر سى إس آى جرين إلكتريسِتى (Electricity CSI Green) بنسبة 6% فى مارس، ومؤشر سى إس آى نيو إينيرجى (  CSI New Energy )بنسبة 2%، رغم انخفاض المؤشر العام بنسبة 8%.  تجسد هذا الصعود فى أداء بعض الشركات الرائدة، حيث قفز سهم سولار إيدج الأمريكية ( SolarEdge )، المتخصصة فى محولات الطاقة الشمسية، بنسبة 45%، وتبعته بلَج باوَر ( Plug Power )، المتخصصة فى خلايا الوقود بزيادة 27%.

اقرأ أيضًا| 30 مارس.. انطلاق معرض و مؤتمر مصر الدولي للطاقة 2026

 أما فى السوق الصينية، فقد حققت جى سى إل إنِرجى ( GCL Energy ) الرائدة فى انتاج الألواح الشمسية، نمواً هائلاً بنسبة 48%، بينما ارتفعت لونجى جرين إنِرجى (  Longi Green Energy )، المتخصصة فى الخلايا الشمسية عالية الكفاءة بنحو 19%. وفى قطاع البطاريات، سجلت الشركة العملاقة «سى إيه تى إل( CATL )أكبر منتج للبطاريات فى العالم مكاسب تراوحت بين 15% و29% فى بورصة هونج كونج، تلتها بى واى دى ( BYD ) بنمو وصل إلى 21.9%. وبشكل إجمالي، أضافت كبرى شركات البطاريات الصينية ما يتجاوز 70 مليار دولار إلى قيمتها السوقية فى غضون أسابيع قليلة!!

طفرة فى الطلب 

مع ارتفاع أسعار البنزين إلى أكثر من 4 دولارات للجالون فى بعض الأسواق، شهدت السيارات الكهربائية طفرة فى الطلب. فى أوروبا مثلا، تضاعفت مبيعات السيارات الكهربائية المستعملة فى فرنسا، وزادت الاستفسارات بنسبة 50% فى رومانيا و54% فى البرتغال. وفى بريطانيا ارتفع الاهتمام بالسيارات الكهربائية الجديدة بنسبة 28%، والمستعملة بنسبة 15%، لتستحوذ وحدها على نحو خُمس إجمالى الاستفسارات فى سوق المستعمل.

ولم تكن الولايات المتحدة بمعزل عن هذا الزخم، حيث سجلت المنصات الأمريكية قفزة فى الاهتمام بالسيارات الكهربائية والهجينة بنسبة 23.8%. أما فى الصين، التى تتربع على عرش سوق الكهرباء عالمياً، فقد انفجر الاقبال على زيارة صالات عرض «بى واى دي» الى أربعة أضعاف، حيث نجحت إحدى الصالات فى إتمام بيع 250 سيارة خلال ثلاثة أسابيع فقط. وبالتوازى مع هذا التوسع، تشير توقعات الخبراء إلى تحول جوهرى فى خارطة البطاريات الأمريكية لعام 2026، إذ يُنتظر أن يستحوذ قطاع تخزين الطاقة على 41% من إجمالى الطلب (مقارنة بـ 26% فقط قبل عامين)، لتأمين احتياجات مراكز البيانات والشبكات الكهربائية. 

هذا التحول المتسارع يرسم ملامح مستقبل جديد، حيث تشير البيانات إلى أن الاعتماد على المركبات الكهربائية كفيل بتقليل فاتورة النفط العالمية للدول المستوردة بنحو 600 مليار دولار سنويًا!!

إقبال شعبى

لم تكن الاستجابة شعبية فحسب، بل تحولت إلى استراتيجيات حكومية؛ حيث أطلقت المفوضية الأوروبية خطة طموحة بتمويل يتجاوز 75 مليار يورو لتسريع وتيرة الطاقة النظيفة وتحديث الشبكات. وفى آسيا، سارعت الهند ودول الجنوب الشرقى لتعزيز برامج الطاقة الشمسية المحلية، بينما استغلت الصين ريادتها لتكثيف صادراتها من المركبات الكهربائية والبطاريات. ونجحت باكستان فى تقليل الاعتماد على الغاز المستورد عبر استيراد 41 جيجاوات من تقنيات الطاقة الشمسية الصينية. 

وبالتوازى مع ذلك، شهدت الأسواق المنزلية فى أوروبا قفزة نوعية؛ حيث ارتفعت مبيعات الألواح الشمسية فى بريطانيا بنسبة 50%، وتضاعفت طلبات التركيب فى ألمانيا، مع تحول مضخات الحرارة والمواقد الكهربائية إلى خيارات اقتصادية مفضلة.

  فرصة استراتيجية

أما فى مصر، فإن الأزمة الحالية تكشف بوضوح مخاطر الاعتماد على مصادر طاقة خارجية غير مستقرة.  لذلك يجب على مصر أن تحول هذه الأزمة إلى فرصة استراتيجية حقيقية بتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة. إن امتلاكنا لواحد من أعلى معدلات السطوع الشمسى وسرعات الرياح عالمياً يجب أن يكون حافزا لنا لتحقيق أمن الطاقة فى أسرع وقت ممكن. قبل الحرب، كان الهدف المعلن من الحكومة هو إضافة 3 جيجاوات من الطاقة الشمسية و600 ميجاوات من بطاريات التخزين خلال عام 2026، ضمن هدف الوصول إلى 42% من مزيج الطاقة الكهربائية من المصادر المتجددة بحلول 2030. ولذلك أعتقد أن الاستثمار الجاد فى هذه المشاريع بات ضرورة وطنية ستوفرعلينا مليارات الدولارات من فاتورة الاستيراد، ويخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، ويضع مصر فى موقع الريادة الإقليمية فى الاقتصاد الأخضر بعيداً عن تقلبات الوقود الأحفورى الجيوسياسية.

التحول الأخضر

لقد حذرت مراراً فى هذه الصفحة العلمية من مخاطر الاعتماد المفرط على الوقود الأحفورى المستورد. ومن واقع خبرتى العملية الممتدة لنحو عشرين عاماً فى مجال البطاريات والطاقة المتجددة فى الولايات المتحدة، دعوت إلى الاستثمار الجاد فى الطاقة المتجددة وبطاريات التخزين والسيارات الكهربائية. اليوم، تحولت هذه التحذيرات إلى واقع ملموس مع الحروب المستمرة فى الشرق الأوسط، مما يفرض على صُناع القرار فى مصر اعتبار التحول الأخضر 'ضرورة سيادية عاجلة' لا تقبل التأجيل. فالعالم الذى أضاف 85% من قدراته الكهربائية الجديدة من مصادر نظيفة فى 2025 لم يفعل ذلك من أجل البيئة فحسب، بل لأن تكاليفها باتت الأقل فى 90% من المشاريع الجديدة. 

على مصر أن تقود هذا التحول بكل طموح؛ فالدول التى تبنى محطات الطاقة الشمسية ومصانع البطاريات اليوم، هى التى ستمتلك قرارها غداً. 
الفرصة أمامنا، والوقت لا ينتظر.

كاتب المقال : د. ماهر القاضي

أستاذ باحث بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس 

المدير التنفيذى للعلوم والتكنولوجيا فى شركة نانوتك انيرجى الامريكية

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة