خواطر الشعراوى| تطهير المال بالإنفاق

الشعراوى

الخميس، 02 أبريل 2026 - 08:08 م

ضياء أبوالصفا

يواصل الشعراوى خواطره حول سورة البقرة  بقوله: هذه الآيات الكريمة تعالج آفات الإنفاق سواءً آفة الشح أو آفة المن أو الأذى، أو الإنفاق من أجل التظاهر أمام الناس، أو الإنفاق من رديء المال. وبعد ذلك يقول سبحانه: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء ...﴾ إن الشيطان قد يوسوس لكم بأن الإنفاق إفقار لكم، ويحاول أن يصرفكم عن الإنفاق فى وجوه الخير، ويغريكم بالمعاصى والفحشاء، فالْغَنِيُّ حين يقبض يده عن المحتاج فإنه يُدْخِل فى قلب المحتاج الحقد. وأى مجتمع يدخل فى قلبه الحقد نجد كل المنكرات تنتشر فيه. ويعالج الحق هذه المسائل بقوله: ﴿إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ «محمد: ٣٦ - ٣٧». اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى| «وإذا سألك عبادى عنى» إن الحق سبحانه وتعالى لا يسألك أن ترد عطاءه لك من المال، إنما يطلب الحق تطهير المال بالإنفاق منه فى سبيل الله ليزيد ولينمو، وليخرج الضغن من المجتمع؛ لأن الضغن حين يدخل مجتمعا فعلى هذا المجتمع السلام. ولا يُفيق المجتمع من هذا الضغن إلا بأن تأتيه ضربة قوية تزلزله، فينتبه إلى ضرورة إخراج الضغن منه لذلك يحذرنا الله أن نسمع للشيطان: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ «البقرة: ٢٦٨». فالذى يسمع لقول الشيطان ووعده، ولا يستمع إلى وعد الله يصبح كمن رجّح عدو الله على الله أعاذنا الله وإياكم من مثل هذا الموقف إن الشيطان قد وسوس لكم بالفقر إذا أنفقتم، وخبرة الإنسان مع الشيطان تؤكد للإنسان أن الشيطان كاذب مضلل، وخبرة الإنسان مع الإيمان بالله تؤكد للإنسان أن الله واسع المغفرة، كثير العطاء لعباده. والحكمة تقتضى أن نعرف إلى أى الطرق نهتدى ونسير. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ...﴾ والحكمة هى وضع الشيء فى موضعه النافع. فكأن الحق يقول: كل ما أمرتكم به هو عين الحكمة؛ لأنى أريد أن أُؤَمِّنَ حياتكم الدنيا فيمن تتركون من الذرية الضعفاء، وأُؤَمِّنَ لكم سعادة الآخرة. فإن صنع العبد المؤمن ما يأمر به الله فهذا وضع الأشياء فى موضعها وهو أخذ بالحكمة. وقد أراد الحق أن يعلم الإنسان من خلال عاطفته على أولاده، لأن الإنسان قد تمر عليه فترة يهون فيها عنده أمر نفسه، ولا ينشغل إلا بأمر أولاده، فقد يجوع من أجل أن يشبع الأولاد، وقد يعرى من أجل أن يكسوهم. ولنا المثل الواضح فى سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، لقد ابتلاه ربه فى بداية حياته بالإحراق فى النار، ولأن إبراهيم قوى الإيمان فقد جعل الله النار بردًا وسلامًا. وابتلاه الله فى آخر حياته برؤيا ذبح ابنه، ولأن إبراهيم عظيم الإيمان فقد امتثل لأمر الرحمن الذى افتدى إسماعيل بكبش عظيم. اقرأ أيضًا| رئيس جامعة الأزهر الأسبق يفتتح أولى فعاليات درس التراويح بالجامع الأزهر والإنسان فى العمر المتأخر يكون تعلقه بأبنائه أكبر من تعلقه بنفسه. وهكذا كان الترقى فى ابتلاء الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام، ولذلك أراد الله أن يضرب للبشر على هذا الوتر وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ «النساء: ٩». إن الحق سبحانه يريد من عباده أن يؤمّنوا على أولادهم بالعمل الصالح والقول السديد. ومثال آخر حين أراد الحق أن يحمى مال اليتامى، وأعلمنا بدخول موسى عليه السلام مع العبد الصالح الذى أوتى العلم من الله، يقول سبحانه: ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ «الكهف: ٧٧». كان موسى عليه السلام لا يعلم علم العبد الصالح من أن الجدار كان تحته كنز ليتيمين، كان أبوهما رجلًا صالحًا، وأهل هذه القرية لئام، فقد رفضوا أن يطعموا العبد الصالح وموسى عليه السلام، لذلك كان من الضرورى إقامة الجدار حتى لا ينكشف الكنز فى قرية من اللئام ويستولوا عليه ولا يأخذ الغلامان كنز أبيهما الذى كان رجلًا صالحًا. إذن فالحق سبحانه يعلمنا أن نُؤَمِنَ على أبنائنا بالعمل الصالح، وهذه هى الحكمة عينها التى لا يصل إليها أصحاب العقول القادرة على الوصول إلى عمق التفكير السديد. وسيدنا الحسن البصرى يعطينا المثل فى العمل الصالح عندما يقول لمن يدخل عليه طالبا حاجة: مرحبًا بمن جاء يحمل زادى إلى الآخرة بغير أجرة. إن سيدنا الحسن البصرى قد أوتى من الحكمة ما يجعله لا ينظر إلى الخير بمقدار زمنه، ولكن بمقدار ما يعود عليه بعد الزمن.