رهينة: الجسد بين المقاومة والانتهاك
الجمعة، 03 أبريل 2026 - 09:08 م
أخبار الأدب
د. هويدا صالح
ثمة روايات تراهن على الصدق العاطفى الذى يجعل القارئ يشعر وكأنه يقرأ سيرته الخاصة أو سيرة مَن يُحبّ رواية «رهينة» للكاتبة زيزيت سالم (دار أطياف 2026) واحدة من هذه الروايات التى تنجح فى تحويل المعاناة إلى نص أدبى متماسك، وتحول الخاص إلى عام، والذاتى إلى إنسانى شامل.
تحكى الرواية فى جوهرها عن «نبيلة»، امرأة شابة تجد نفسها أسيرة زواج مكبَّل بالعنف والإذلال والسلطة الذكورية الطاغية فى شخص زوجها «مجدي»، غير أن العنوان ينطوى على دلالة أعمق من مجرد وصف وضع اجتماعي، إذ تتكشّف الرواية عن أبعاد متعددة للأسر والرهان: الرهان على الحب الذى لم يأتِ، والرهان على توقعات المجتمع التى صِيغت فى قوالب لا تعرف الرحمة، والرهان على الذاكرة التى تُقيّد صاحبها بأثقال الماضى وجراحاته.
تبدأ الرواية باستراتيجية سردية لافتة: مقدمة مكتوبة بضمير المخاطب المؤنث «أنتِ»، وهو اختيار جمالى بالغ الأثر يُنشئ مسافة مزدوجة بين الكاتبة وشخصيتها من ناحية، وبين الشخصية وذاتها من ناحية أخرى. هذا الضمير لا يخاطب القارئة وحسب، بل يضع نبيلة فى موقف المتأمِّل لحياتها من الخارج، كأن الكاتبة تُرغمها على رؤية نفسها فى مرآة لا تكذب. تقول المقدمة بصوت هادئ موجَع:
«لا، لم تفقدى الذاكرة، إنما تتعمدين أن تُمحيِ من وعيك بعض مراحل حياتكِ كصفحات تنزعينها من كتاب لم يكتمل» (ص4).
ثم تنتقل الرواية إلى أسلوب السرد الاسترجاعى ذى الطبقات المتعددة. يُقسَّم النص بنيوياً إلى «حياة أولى» و«حياة ثانية»، وهذا التقسيم ليس مجرد ترتيب زمني، بل هو إعلان رمزى عن موت وبعث، عن انتهاء وجود وبداية آخر. تستعمل سالم داخل كل قسم عناوين فرعية مرقّمة تجعل الرواية تشبه فى بعض لحظاتها دفتر يوميات أو ملف قضائي، وكلاهما يُناسب طبيعة الحكاية التى هى فى عمقها وثيقة اتهام ضد منظومة الإذلال الزوجي.
لا تكتفى الرواية بصوت سردى واحد. فرغم أن السرد يدور أساساً من زاوية نبيلة، وبضمير الغائبة أحياناً والمخاطبة أحياناً أخرى، فإن ثمة لحظات تتسلل فيها أصوات أخرى تُعقّد الصورة: صوت الأخ محمود بحكمته المتزنة، وصوت الأم الحانية لكنها العاجزة، وصوت شريف الزوج الثانى الذى يكشف أن الخلاص ليس نهائياً.
هذا التعدد الصوتى يمنع الرواية من الانزلاق نحو الأحادية الاتهامية، ويمنحها بُعداً جدلياً يُثرى قراءتها، تقول: «قدماى تسيران تحت الخوف، يشطرهما الترقب نصفين وعيناى تختبيء خلف جفنين مغمضتين طغياناً...يطاردك إحساس بأن حياتك ما هى إلا كابوس، عندما تتأملين الحدود الضيقة التى حبست نفسك داخلها، وكيف تتبدد طاقتك فى سبيل الحصول على الكفاف من الضروريات الجسدية والنفسية التى لا غاية من ورائها سوى إطالة حياتك التعسة» (ص77).
ومن أبرز التقنيات السردية ما يمكن تسميته «الحلم الإطاري»، إذ تستهل كل وحدة سردية بمقطع شعرى مكثّف يمزج فيه الصوت الشعرى بالصوت الروائي، مثل:
أحاول عبثا أن أخلع عن رأسى الخوف، أرتدى ثوباً مُطرزاً بأمنيات الصبايا، والناى يعزف أنشودة البكاء وعلى الرف وجهى يبتسم» (ص7).
هذه المقاطع الشعرية تعمل كعتبات نصية تضبط الإيقاع الانفعالى للقارئ قبل الدخول إلى جسد الفصل، وتكشف عن رؤية شعرية تراهن فى المقام الأول على بلاغة اللغة.
لا تُوظِّف زيزيت سالم الأمكنة ديكوراً بل تُشحنها بالدلالة. البيت فى «رهينة» ليس مأوى بل يعد سجناً؛ فالجدران لا تحمى بل تُحاصر، والغرفة لا تُدفئ بل تقمع حين تصف نبيلة كيف تحوّل البيت الذى حلمت به إلى فضاء خانق، فإن الوصف يحمل كثافة رمزية:
كيف تحوّل البيت الذى حلمت به عشاً دافئاً إلى جدران خانقة؟ وكيف أصبح الرجل الذى أحبته سداً من جليد؟ هكذا تحولت العلاقة بين أمجد ونبيلة بعد أن تركت عزَّ أبيها وسافرت إليه فى الرياض، لتعيش معه فى شقة خانقة أقرب إلى البدروم منها إلى الشقة التى حلمت بها.
فى المقابل، تنفتح الرواية على فضاءاتٍ أخرى تحمل ولو وهم الحرية: الشارع الذى تستطيع نبيلة فى لحظات التنفس فيه، وبيت أهلها الذى يمثل خزان الطفولة وماء الذاكرة النقية. أما الفضاء الأرحب المتمثل فى «الحياة الثانية» مع شريف، فيُقدَّم ابتداءً وكأنه البعث من القبر، ثم يتكشّف عن تعقيداته ومساحات الألم الجديدة فيه.
تستخدم زيزيت سالم فى «رهينة» مستويين من مستويات اللغة: شعرية عالية حين يكون المقام مقام تأمل أو جرح داخلي”كالريح إذا أغضبها صمت السماء، أرسم عمراً مذبوحاً كمن يغمس فرشاته فى جثة، فتنتهى لوحة دموية الألوان» (ص82).
ولغة واقعية مباشرة حين يكون المقام مقام مواجهة أو حوار”علمت فيما بعد من أمك أن محمود أبلغهم بما حدث، فذهب والدك إلى قسم الشرطة وحكى لهم ما جرى يطلب نصيحتهم، فنصحوه أن يبلغ السفارة، ويخبرهم كل شئ بالتفصيل» (ص82). هذا التوتر بين المستويين اللغويين يضع القارئ فى موضع تأمل لعالم الحلم وعالم الواقع.
ولعل من أبرز ما يميز أسلوبها أيضاً توظيفها للجسد ليعبر عن أزمة الذات، فالجسد فى النص له وجود دلالي، وليس مجرد حضور فيزيائي. الجسد فى الرواية مشروخ ومُنتهَك، لكنه أيضاً موقع المقاومة الأخير.
حين تصف الكاتبة ردود فعل الجسد على الضرب والإهانة، فإنها تفعل ذلك بشعرية مُفرطة تتجنب الإيذاء الفيزيقى للجسد، وتلتقط بدلاً منه الطاقة الداخلية للصدمة، تأثير ممارسة العنف الذكورى ضد هذه الذات الأنثوية.
تُقدِّم رواية «رهينة» رؤية نقدية لمؤسسة الزواج، بوصفها، فى الواقع العربى الراهن، آلية اجتماعية لإعادة إنتاج السلطة الذكورية وترسيخها. فمجدى ليس شريراً بالمعنى الميلودرامى البسيط؛ بل هو، فى جوهره، نتاج منظومة ثقافية رسّخت فى وعيه أن الزوجة ملكية، وأن الضعف تهديد، وأن العنف حق مُكتسب تدرك الكاتبة هذه المعادلة جيداً، لذلك لا تكتفى بإدانة الفرد، بل تشير بوضوح إلى المنظومة التى صاغت هذا السلوك وأنتجته.
غير أن المشهد يزداد تعقيداً حين تبدأ نبيلة حياتها الثانية مع شريف فالرواية تُنبه إلى أن الخروج من سلطة مجدى لا يعنى بالضرورة بلوغ الحرية الكاملة، إذ سرعان ما تظهر صراعات جديدة وتوقعات مختلفة وأسوار أخرى، وإن اختلفت طبيعتها هذه الرؤية المركّبة تمنح العمل عمقاً فكرياً يتجاوز النبرة الوعظية المباشرة.
ويحتل موضوع الأمومة والإنجاب مساحة مركزية فى «رهينة» فعندما تحمل نبيلة ثم تُجهِض قسراً نتيجة العنف الذى تتعرض له، وحين تُفرض عليها لاحقاً ضغوط لمنعها من الإنجاب مرة أخرى، يتحول جسدها إلى ساحة صراع بالمعنى الحرفي ومن خلال هذا البعد تستدعى الكاتبة جدلاً نسوياً عالمياً حول سؤال جوهري: من يملك قرار الإنجاب، الجسد ذاته أم المؤسسة الاجتماعية والذكورية التى تحيط به؟
ومع بدء الحياة الجديدة مع شريف، يعود حلم الأمومة بوصفه حاجة وجودية لا بيولوجية فحسب؛ فالطفل المُرتقب يصبح رمزاً للحياة التى لم تُعش، وللسعادة التى تستحقها نبيلة بعد سنوات من الألم. لذلك، حين تتأزم الحالة الصحية المرتبطة بهذا الحمل الجديد، يبلغ التوتر الروائى ذروته الإنسانية الأكثر مساساً بالقلب.
كما يسكن الغياب بنية الرواية حضوراً عميقاً: غياب الحب الحقيقي، غياب الأمان، غياب الطفل، وغياب الذات التى كانت قبل تجربة الزواج القاسية، وحتى غياب الوطن بالنسبة للجارة الفلسطينية التى كانت تسكن بجوار فريدة فى الرياض وفى لحظاتها الكبرى تتحول الرواية إلى مرثية لما ضاع ولن يعود. هذا الإحساس بالخسارة الوجودية يمنح «رهينة» طابعاً مأساوياً حقيقياً يتجاوز مجرد الشكوى من واقع اجتماعى مرفوض.
ومع ذلك، لا تترك الكاتبة قارئها غارقاً فى العتمة؛ ففى ثنايا الفقد تلمع نقاط مقاومة صغيرة. تظهر فى صداقة نبيلة مع جارتها الفلسطينية ، التى تمثل صوت الحكمة والدعم، وفى علاقتها بأخيها محمود الذى يجسد نموذج الرجل القادر على الإنصاف والرحمة هذه الشخصيات المساندة ليست مجرد خلفية سردية، بل تمثل بعداً إنسانياً عميقاً: فالبشر يواجهون المحن ويصمدون بفضل الروابط الأفقية التى تجمعهم بالآخرين.