دخول: تعرية وجوه الذكورية
الجمعة، 03 أبريل 2026 - 09:15 م
أخبار الأدب
إبراهيم أحمد أردش
«دخول» هى مجموعة من اللوحات الروائية للكاتب عبد الفتاح صبري، الصادرة عن دار ميتا بوك للطباعة والنشر، بالتعاون مع النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر.
وتشتمل على ستة عشر فصلًا، أو لوحة، تشكل كل لوحة جانبًا من ذاكرة الراوى الذاتى الممتد على طول العمل، وابتدأ انفتاح الذاكرة على الراوى الذاتى الحاضر فى أول لوحتين، ثم ارتدت بقية اللوحات إلى الماضي، حيث الطفولة والمراهقة والشباب، ذكريات المدرسة والجامعة والعمل، حضور الأماكن رغم التغيرات التى طرأت عليها، وطرأت على الراوي؛ ذكريات تستدعى الآمال والآلام، الشجاعة والخوف، الحب والبغض، الإقدام والتقهقر، الفرح والحزن، وقد كان الراوى – وربما يعد صدىً للمؤلف، حيث يمكن عد العمل من قبيل السيرة الذاتية لصانعه - معنيًا بتصوير وتعرية بعض مشاهد التسلط الذكورى على الأنثى، وفى غلاف العمل إشارات إلى ذلك، فنجد ظلين لرجل، يسيران باتجاهين مختلفين، أحدهما وهو صاحب الظل الأبيض محبوس فى قفص مقلوب، أما الثانى صاحب الظل الأسود فطليق، وهذا يشير إلى تقيد الأفكار الطيبة وحبسها، بينما ترتع الأفكار السوداء طليقة.
ومن الوجوه الذكورية التى قدمها العمل وكشف قهرها تجاه الأنثى، نمط المركزية الأبوية، ففى اللوحة التى حملت عنوان (لما دخلت) يروى السارد حكاية فتاة ابتليت بوالدٍ قاسٍ يعاملها معاملة لا تمس الإنسانية بصلة، يقول الراوى عن والد الفتاة: «لا يفتح لها بابًا للحديث والكلام والتعليق، هى فى أروقة السجن الأبوى الذى لا يراعى سوى سطوته ونفوذه وقوة قهره لامرأته وأولاده.. الرجل يستخدم الكرباج لضربهن إذا اقترفن ما يرى أنه شيء غير مرغوب، أو عمل لا يروق له» (ص31)
فهو والد لا يستحق لقب الأبوة، لا يعرف كيف يتعامل مع أولاده وزوجته، لقد ظن أنه يحسن تربيتهم، لكنه أفسدها ودمرها، فعن طريق تحولات السرد تنتقل الحكاية من الراوى الأصلى إلى الفتاة التى تقول: «أفكر كثيرًا فى الهروب ولكنى أخاف.. أعيش تناقض حياتي.. أنا طالبة فى الجامعة هناك بعيدًا عنه ألبى كل رغباتى وأمارس حريتى وأنفتح على علاقات كثيرة تعويضًا عن حالتى هنا فى هذا المنزل السجن الذى أعانى فيه القهر والضرب بطريقة وحشية ولا إنسانية يمزقنى الخوف بين من أنا ودواخلى المشتتة.. بين الرغبات والأمنيات والأحلام وبين عذابات التسلط الأبوى القهرى».. (ص31)
لقد أصبح البيت - الذى ينبغى أن يكون رمزًا للأمان والسكينة والطمأنينة - أداةً تدميرية للفتاة، وكانت نتيجة هذه المعاملة القاسية الانحلال الذى أصابها فى محاولة منها أن تجابه هذا التسلط الذكوري، ولو عوملت بالحسنى، لم تكن لتدخل نفسها فى تلك الدوامة الملتوية.
ومن الأنماط الذكورية السلطوية التى تعرض لها العمل نمط زوج الأم الظالم وحاجة الذات الأنثوية إلى الأب الحنون، يقول الراوى عن إحدى فتياته اللائى يعرفهن: «تحكى والدموع تتلالأ فى عينيها.. أنا بحاجة إلى الحنان والعطف وأنها محرومة منذ طفولتها وأنها تعرضت لكثير من القهر من قبل زوج أمها الذى عاشت فى حماه محرومة من أبيها الذى غيبه الموت باكرًا.. هى تحتاج إلى أب إلى حنان الأب.. إلى سؤاله وعاطفته» (ص39)
فبدلًا من أن يعوضها زوج الأم عن فقدان والدها ويصير أبًا لها، أصبح قاهرًا وظالمًا لها، وهذا ما جعل الفتاة تتظاهر وتدعى الصلابة والقوة؛ حتى تواجه العالم القاسى «تقول لدى مشكلة فى البكاء.. أنا لا أبكى بسهولة» (ص36) لقد أدت ذكريات الماضى إلى أن تصبح «عصية كون أعماقها تمتلك مخزوناً من الخوف والتردد، حاولت تبديده بموافقتها على رغبتى بالاختلاء بها.. ولكنها الآن تشهر أسلحة جبنها وخوفها من مواجهة لحظة تمت فى غفلة من يقينها» (ص38)
لقد كان الخوف كفيلًا لأن يفسد علاقة هذه الأنثى بالرجال؛ فهى تتوقع منهم الأسوأ، تقول عن طريق العودة إلى الماضى من خلال تقنية الاسترجاع «وأنا أصلًا فى حياتى لا أمتلك سوى كف الظلم والقهر من الإنسان الذكر.. مرة الأب الذى مات وتركنى لزوج أمى! ومرة زوج ظالم ترك لى الحياة وهرب..» (ص40) ثم تعود إلى لحظتها الراهنة، لكن ما زالت صورة زوج الأم وهذا الزوج المتنصل من مسؤولياته ماثلة أمامها تجعلها خائفة من أى رجل، تقول: «أنا الآن فى مواجهة الرجل مرة أخرى، لكنه مختلف وحقًا أحبه.. وأتعاطف معه أتدثر بدفئه وحنانه ويشعرنى بالأمان والطمأنينة.. ولكنى خائفة من لحظة النهاية.. قد تجهز على باقى عمرى وتسرقه» (ص41) إنها الأنثى التى لم تعد تطمئن لرجلٍ.
تعرض العمل أيضًا لنمط شديد الخطورة وهو نمط الأخ القاتل، حيث يحكى الراوى قصة صديق له مع فتاة قتلها أخوها واستطاع أن يتنصل من فعلته «أضرم النار فى أخته وادّعى أن «وابور الجاز» قد انفجر فيها» (ص110) فهذا الأخ بدل أن يعامل أخته معاملة حسنة من البداية ويربيها تربية صالحة تعصمها من الوقوع فى الخطأ، عاملها بقسوة، وحينما وقعت فى الخطأ بدلًا من أن يحتويها ويصلح هذا الخطأ، يقوم بقتلها، ثم يهرب من مسؤوليته الجنائية وكان عليه تقديم نفسه للعدالة، بل يدعى أن وابور الجاز هو من قتلها، ليلقى باللائمة على الجماد، لقد كان الميراث الذكورى متمثلًا فى الأب وزوج الأم والأخ وغيرهم، مدمرًا للأنثى، يقول الراوي: «وهى بجوارى من لحم ودم، ولكن بلا مشاعر.. ربما خوفها ربما عناؤها» (ص89) إن هذا القمع الذكورى لم يتوقف عند قهر الأنثى فقط، بل امتد أثره إلى الذكور أيضًا، حيث التربية القاسية جعلت الفتيان لا يسألون عمّا يطرأ عليهم من تغيرات: «فى زمن التكوّن الأول.. وإحساس التغيير يرجّنا.. وبدايات من جموح يعتلى المفاصل ويفكك أسئلة حارقة عن مجهول ينتعلنا ويفتح لنا طاقات ومساحات من ذهول.. وجنون ويمنحنا تخبطًا فى سلوكنا وعلاقتنا بالأشياء وبأجسادنا ورغبات لا ندرى كيف نحققها لأنها هى ذاتها مجهولة ولا نستطيع وصفها أو شرحها أو التعبير عنها». (ص51)
لقد أثر التسلط الذكورى بالسلب فى الذكورة نفسها؛ حيث يخاف المراهقون من مجرد طرح الأسئلة حول ما يحدث لهم فى تلك المرحلة من حياتهم.
إن لوحات «دخول» كانت معنية بكشف وتعرية أشكال التسلط الذكورى على الأنثى ويلاحظ أن التسلط كان صادرًا عن مراكز قريبة منها، أى من المفترض عليها أن تحميها، لكنها وجدت الأب القاسى وزوج الأم الظالم والزوج الهارب والأخ القاتل، إن العمل لم يقدم لنا حلًا لتلك المعضلة التى تواجه بعض الأناث، لكن يكفيه أنه اعترف بالمشكلة وقدمها والآثار المترتبة على وجودها والتى تعود بالضرر على من يقهر الأنثى نفسه.