السيدة ماجدة
السيدة ماجدة


حكاية السيدة ماجدة .. 25 ألف جنيه = مقابلة عشماوى

حبيبة جمال

الأحد، 05 أبريل 2026 - 11:27 ص

 حين يصبح الدم عند البعض أرخص من الماء، وتتحول صلة الرحم إلى غربة قاسية، وتذبل معاني العشرة لتستبدل بالجحود والنكران، يقف العقل عاجزًا أمام سؤال مؤلم: إلى أي مدى يمكن أن ينحدر الإنسان؟ وهل يمكن لضائقة مالية أو طريق مظلم كإدمان المخدرات أن يدفع صاحبه لارتكاب جريمة تسقط فيها كل القيم مهما كانت قسوتها؟، هل يمكن أن يغيب الوعي إلى الحد الذي يُقتل فيه إنسان بدم بارد.. امرأة كانت له بمثابة الأم؟؛ امرأة منحته من حنانها، وأحاطته بدعواتها الطيبة، فكان جزاؤها أن تُسلب حياتها في لحظة قسوة، فقط من أجل بضعة جرامات من الذهب، لا تتجاوز خاتمًا بسيطًا في إصبعها وحلقًا صغيرًا في أذنيها؟!

هذه ليست تساؤلات خيالية، بل واقعا صادما شهدته صغيرة بمنشأة مبارك التابعة لمركز منية النصر، حيث تحولت حكاية السيدة ماجدة، البالغة من العمر 61 عامًا، إلى مأساة إنسانية قاسية، بطلها لم يكن غريبًا بل نجل شقيقتها الكبرى قنديل؛ الذي قتلها بدم بارد وأخفى جثمانها بطريقة لا تقل بشاعة عن جريمته..،

لم يكن صباحًا مختلفًا في عزبة الكونت التابعة لمركز منية النصر بمحافظة الدقهلية؛ نفس الهدوء المعتاد، نفس الوجوه التي يعرفها الجميع، ونفس التفاصيل الصغيرة التي تمر دون أن يلتفت لها أحد، لكن في لحظة تغير كل شيء عندما اختفت الحاجة ماجدة، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها.

سيدة بسيطة، تبلغ من العمر 61 عامًا، ربة منزل، يعرفها أهل العزبة بهدوئها وسيرتها الطيبة، خرجت من منزلها كأي يوم عادي، لم تحمل سوى مفاتيحها وبعض ما ترتديه من مصوغات ذهبية بسيطة؛ خاتم وحلق.. لم يكن في المشهد ما ينذر بكارثة، ولا ما يلفت الانتباه.

مرت الساعات ولم تعد، في البداية، حاولت الأسرة طمأنة نفسها ربما تأخرت عند أحد الأقارب، ربما انشغلت في أمر ما، لكن مع مرور الوقت، بدأ القلق يتسلل لقلوبهم، ثم تحول إلى خوف حقيقي، البحث في كل الاتجاهات لم يسفر عن شيء، فقرروا إبلاغ الشرطة.

بلاغ

أبلغ زوجها وابنتها الشرطة بتغيبها في ظروف غامضة، لتبدأ الأجهزة الأمنية بمحافظة الدقهلية سباقًا مع الوقت لكشف ما حدث.. فريق بحث جنائي تم تشكيله، بالتنسيق بين مباحث منية النصر ودكرنس، وبدأت أولى خطواته من حيث انتهى كل شيء، الكاميرات.

كاميرات المراقبة، الشاهد الذي لا ينام، كانت مفتاح اللغز؛ تم تتبع خط سير ماجدة لحظة خروجها من منزلها، لتظهر وهي تسير بشكل طبيعي في شوارع العزبة، لم تبدو مرتبكة أو خائفة فقط تمضي في طريقها بشكل طبيعي.

ثم جاءت اللحظة الفاصلة، دخلت ماجدة إلى حارة جانبية ضيقة، مسدودة، تقيم بها شقيقتها، ومنذ تلك اللحظة لم تخرج.. اختفى أثرها تمامًا.

هنا بدأ الشك يتسلل إلى رجال المباحث، كيف تدخل ولا تخرج؟ ماذا حدث داخل هذه الحارة الهادئة؟ ومن كان آخر من رآها؟، الإجابة لم تأتِ مباشرة، لكن كاميرا أخرى التقطت خيطًا مهمًا خروج توك توك من نفس الحارة، في توقيت قريب من اختفائها، لم يكن الأمر غريبًا في حد ذاته، لكن وجود ستائر تحجب رؤية ما بداخله أثار الانتباه، تم تتبع المركبة خطوة بخطوة، النتيجة كانت مفاجئة.

سائق التوك توك لم يكن غريبًا، بل نجل شقيقة المجني عليها؛ يدعى قنديل، يبلغ من العمر 42 عاما، يعيش في نفس العزبة.

كشفت تحريات المباحث أن المتهم ظهر لاحقًا في كاميرات أخرى، أثناء دخوله أحد محال الذهب بمدينة منية النصر، التوقيت كان حساسا بعد اختفاء ماجدة مباشرة تقريبًا.. الربط بين المشهدين لم يكن صعبًا، تم استدعاؤه.

في البداية، أنكر كل شيء؛ قال إنه لم يكن في المنزل وقت اختفاء خالته، وادعى أنه ذهب إلى قرية ميت تمامة لإحضار زوجته من منزل أسرتها.. رواية بدت عادية لكنها لم تصمد طويلًا، إلى أن كذبت التحريات أقواله.

اعتراف

ومع تضييق الخناق عليه، وسؤاله عن تحركاته التي رصدتها الكاميرات، بدأ التوتر يظهر عليه، ثم انهار واعترف قائلا: إنه استدرج خالته أثناء سيرها في الشارع المواجه لمنزله، طلب منها الدخول معه، مستغلًا غياب والدته وزوجته، لم يكن هناك ما يدعوها للشك فهو ابن شقيقتها، دخلت معه، وهناك انتهى كل شيء.

اعترف أنه انقض عليها فجأة، واعتدى عليها بعنف، حيث رطم رأسها بالحائط بقوة، قبل أن يخنقها باستخدام «إيشارب» كانت ترتديه، لم يتركها إلا بعدما تأكد من أنها فارقت الحياة.

جريمة لم تستغرق سوى دقائق، لكنها أنهت حياة كاملة، لم يتوقف عند ذلك، بل قيد يديها وقدميها باستخدام لاصق، ثم وضع الجثمان داخل جوال بلاستيكي، بعدها استولى على ما كانت ترتديه من مصوغات ذهبية «خاتم وحلق»، ثم بدأ في تنفيذ الجزء الأصعب إخفاء الجريمة.

استقل توك توك خاص بشقيقه، وادعى أمام من حوله أنه يتوجه لإحضار زوجته من منزل أسرتها، لم يشك أحد في شيء، حمل الجثمان داخل المركبة، وانطلق به إلى منطقة نائية، وعند حافة مصرف بمنطقة البشمور، ألقى بالجثمان، ووضع عليه مخلفات وحجارة كبيرة، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة وضمان عدم اكتشافها، بعدها توجه إلى محل ذهب بمدينة منية النصر، وباع المصوغات التي سرقها مقابل 25 ألف جنيه فقط- مبلغ لم يكن يساوي شيئًا أمام الجريمة التي ارتكبها-.

وعندما سُئل عن الدافع، كانت الإجابة أنه يمر بأزمة مادية، وعليه ديون، وكان مطالبًا بالسداد.

بعد تحقيقات مستمرة مع المتهم على مدار ثلاثة أيام تم الوصول إلى مكان الجثمان، واستخراجه، كما ضبطت المصوغات الذهبية، وانتهى اللغز الذي شغل العزبة، وكانت الحقيقة التي ظهرت أثقل وأصعب من الغموض نفسه، لم يكن الأصعب والأكثر قسوة طريقة القتل، ولا محاولة الإخفاء، بل هوية القاتل.. لم يكن غريبًا تسلل من الخارج، ولا مجرمًا مجهولًا بل كان من العائلة، من الدائرة الأقرب، من الأشخاص الذين يفترض أنهم مصدر أمان.

القصاص

ظلت القضية متداولة داخل ساحة المحكمة، إلى أن أصدرت محكمة جنايات المنصورة الستار عنها، وقضت برئاسة المستشار شريف محمد إبراهيم قورة، وعضوية المستشارين سعد إبراهيم محمد إسماعيل، ومحمد صلاح حسن محمد البرعى، وأحمد محمد عبدالقادر على صبح، بإعدام المتهم؛ لتنتهي القضية بهذا الحكم العادل الذي يستحقه المتهم جزاء لما اقترفته يداه.

اقرأ  أيضا: 5 ذئاب بشرية يعتدون على طفلة ويسرقون قرطها الذهبي

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة