وجهان مصريان ينافسان فى «البوكر»
وجهان مصريان ينافسان فى «البوكر»


وجهان مصريان ينافسان فى «البوكر»

سمر نور

الأحد، 05 أبريل 2026 - 08:13 م

خلال أيام، تحديدًا فى التاسع من أبريل، يُعلن الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية، المشهورة بالبوكر العربية، فى حفل يقام بأبو ظبى ويبث مباشرة، وسط أجواء عنيفة تمر بها المنطقة، لن تسمح بحضور الأدباء الستة الذين وصلت رواياتهم إلى القائمة القصيرة المعلنة فى فبراير الماضي. خلال دورات الجائزة الـ19، وصلت 31 رواية لمبدعين مصريين إلى القائمة الطويلة، ووصلت 21 رواية لأدباء مصريين إلى القائمة القصيرة، وفازت 3 روايات منها بالجائزة، وهى: «واحة الغروب» لـ «بهاء طاهر» فى دورتها الأولى عام 2008، و«عزازيل» لـ»يوسف زيدان» عام 2009، و«صلاة القلق» لـ«محمد سمير ندا» عام 2025، فى هذا العام وصلت روايتان لأديبين من مصر للقائمة القصيرة وهى «أصل الأنواع» لأحمد عبد اللطيف، و«فوق رأسى سحابة» لدعاء إبراهيم، وفى السطور القادمة، وهما قاب قوسين أو أدنى من اقتناص الجائزة، نحاورهما ونحاول تقصى ملامح عالمهما الروائى.

الأديبة دعاء إبراهيم:ودعت خوفى وأصبحت حرة

عاشت الروائية المصرية دعاء إبراهيم بين مصر واليابان وأمريكا، حيث تقيم الآن، بين الأدب والطب، فهى حاصلة على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة الإسكندرية، بين القصة والرواية حيث صدر لها مجموعتان قصصيتان، وثلاث روايات، عرفت طريقها إلى قوائم جوائز مثل قوائم جائزة ساويرس للشباب، وحصدت روايتها «ست أرواح تكفى للهو» جائزة غسان كنفانى للرواية العربية. فى روايتها الأخيرة «فوق رأسى سحابة»، الصادرة عن دار العين للنشر»، والتى صعدت إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية، تمزج الأديبة الجنون الذى تعيشه بطلتها بالأسطورة، ببراعة فى التكثيف والعمق الفلسفى والإيحاء الشعورى، نعيش الرحلة مع الممرضة الشابة التى قتلت والدتها فى بداية الرواية، فنعود إلى معاناة طفولتها ومراهقتها بل إلى بداية الإنسانية، وجذور نوازع القتل وهو ما تجده الروائية فى حوارنا معها اختيارًا بشريًا منذ اللحظة الأولى للوجود، نسألها:
 ■ البطلة قاتلة متسلسلة، وربما يحيل ذلك إلى أعمالٍ مؤسسة فى الأدب العالمى، فما الزاوية المختلفة التى قدمتِ من خلالها شخصية القاتل؟
- أعتقد أن «تيمة» القتل والقاتل المتسلسل قد قُدِّمت كثيرًا فى الأدب، سواء فى الأدب الرفيع أو فى الأدب الشعبى، وكذلك فى الأفلام والوثائقيات. قبل الشروع فى كتابة رواية «فوق رأسى سحابة»، كانت لديّ رغبة ملحّة فى الولوج إلى عالم القاتل، وجعله يمسك بزمام الحكى: ما الذى يفكر فيه؟ وكيف يفكر؟ ولماذا يفعل ما يفعله؟ وما الذى دفعه إلى ذلك؟ وكيف يتحول الإنسان إلى وحش؟ والسؤال الأهم بالنسبة لى هو سؤال العدالة: من هم القتلة الحقيقيون، إن جاز التعبير؟ وربط هذا العالم بعوالم أخرى وقضايا إنسانية معاصرة. أعتقد أن ثيمات الأدب واحدة، والأفكار على قارعة الطريق لكن التفاصيل وحدها هى القادرة على منح أى عمل خصوصيته وفرديته.
■ كيف ترين استدعاء القصص الدينى داخل نصك؟
- لم يكن هدفى أن أُعيد سرد الحكاية، بل أن أستدعى صداها؛ أن يشعر القارئ بأن هناك شيئًا مألوفًا وخطِرًا يتحرك تحت السطح. كنت أفكر كثيرًا فى الجريمة الأولى فى التاريخ الإنسانى، لا بوصفها حكاية دينية فحسب، بل باعتبارها سؤالًا وجوديًا عن فلسفة القتل والعنف البشرى الفطرى. حين استدعيت هذه الشخصيات التراثية، لم يكن الهدف إعادة سردها، بل دمجها داخل القصة الأساسية، وطرح أسئلتى من خلالها عن ارتباط الحب بالقتل، وعن احترافية الإنسان فى ممارسة العنف بأشكاله المختلفة. قابيل داخل الرواية لم يكن رمزًا بقدر ما كان إنسانًا من لحم ودم. فحين أكتب، أكون مخلصة للنفس البشرية، لأن الرمز بشكله الكلاسيكى يُجرِّد الإنسان من إنسانيته. إذا أخلصتُ للقصة، سأجد قابيل إنسانًا لديه كل المشاعر الإنسانية: من الغيرة والحب والندم والحسرة، ولديه القدرة على القيام بالخير والشر. وفى هذه النقطة تحديدًا، أود أن أستحضر كلام إرنست همنغواى عن الرمزية فى روايته «العجوز والبحر»، حين قال: «لا توجد أى رمزية» فى «العجوز والبحر». البحر بحر، والعجوز عجوز، والفتى فتى، والسمكة سمكة، وسمكة القرش مثل كل أسماك القرش، لا أفضل ولا أسوأ. وأعتقد أنه هنا لا يقصد أن يحجر على رؤية النقاد، بل يود أن يعبّر عن إخلاصه للحكاية دون التفكير فى الرمز وتأويله على الأقل أثناء عملية الكتابة وهو ما يتفق مع منهجى أثناء الكتابة.
■ لو وضعتِ «فوق رأسى سحابة» داخل مساركِ الأدبي، فهل ترينها امتدادًا لأسئلتكِ السابقة، أم أنها فتحت لكِ منطقة جديدة فى الكتابة؟
- رواية «فوق رأسى سحابة» امتداد لأسئلتى. ما زلت متأثرة بتفاصيل الطفولة وأزماتها التى تُشكِّل أقدار الأفراد، لكن ما أضافته لى هذه الرواية عن غيرها هى أنها جعلتنى أكثر جرأة فى اكتشاف أراضٍ جديدة. كنت متخوّفة جدًا وأنا أكتب عن نهى، لكن بعد أن فعلت، أعتقد أننى ودّعت خوفى، وأنا الآن فى منطقة أكثر حريةً ورحابة.
■ أنتِ على بعد خطوة من الفوز، ما مدى تأثير ذلك على كتابتك وعلى تفاعل القراء مع أعمالك؟
- الحصول على جوائز أو التواجد فى قوائمها بالتأكيد يزيد من مقروئية العمل ويضع على كتفى مسئولية أكبر أمام ما سأقدم فى المستقبل، أتمنى أن يتحقق مشروعى الإبداعى من خلال خطوات واضحة وثابتة دون أن أفقد نفسى خلال الطريق ذاته.

الروائى أحمد عبد اللطيف:لست نجمًا سينمائيًا

سلك الروائى المصرى أحمد عبد اللطيف مساره فى الأدب عبر جناحى الترجمة والتأليف، ترجم أكثر من 40 عملًا عن الإسبانية، وكان لروح الأدب اللاتينى تأثيره على أعماله المؤلفة، سبع روايات ومجموعة قصصية واحدة، حصدت معظمها جوائز مصرية وعربية، حيث فازت روايته «صانع المفاتيح» بجائزة الدولة التشجيعية، كما فاز بجائزة ساويرس مرتين، وصعد مرتين للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، لتكون لروايته الأخيرة «أصل الأنواع»، الصادرة عن منشورات حياة، الحظ الأوفر بوصولها للقائمة القصيرة، واقترابها من الفوز. ينشغل عبد اللطيف فى روايته الأخيرة بالمدينة، ويقترب أكثر من شخوص واقعية فى طبقات اجتماعية مختلفة، بين اختفاء شعر مهندس المساحة رام، وبين اختفاء أصابع يد بائع الفاكهة والحرامى السابق سيد بتشان، واختفاء قدم لاعب كرة القدم يحى الحافى، تتفجر مسارات داخل القاهرة المعاصرة المتشابكة، ليتمكن بانسيابية فى دمج حياة أبطاله اليومية بفانتازيا الواقع السوداء، نسأله:
■ القاهرة فى «أصل الأنواع» ليست مجرد خلفية للأحداث، بل مدينة تشارك أبطالها حالة من التحول؛ كيف تشكلت المدينة داخل هذا العالم الروائى؟
- يمكن أن نعيش فى مدينة لسنوات طويلة دون أن ننتبه لها، لأثرها فينا ولتحولاتها وتحولاتنا داخلها. لكننا لو تأملنا النظر فنحن أبناء مدننا، أكثر هدوءًا أو عنفًا، أكثر سعادة أو تعاسة، أكثر تيهًا أو أملًا أو يأسًا، بحسب المدينة التى نعيش فيها ونتحرك بداخلها. هكذا أرى القاهرة مدينتى، امتدادًا لجسدى، جامعةً لذكرياتى. ومع تحولاتها فى السنوات الأخيرة، ومع سفرى لسنوات وحياتى فى مدريد، وعودتى إليها، تشكّلت فى ذهنى بشكل مختلف، كأنها مدينة باتت مبتورة، كأنها طرقها لا تؤدى إلى قبلة. من هذا النوع من التيه تشكّل عالم الرواية.
■ لا تبدو الغرابة فى الرواية نقيضًا للواقع، بل طريقة لرؤيته من زاوية أكثر حدة، وأقرب إلى روح المدينة. كيف ترى ذلك؟
- لا أرى أن الغرابة فى الأدب نقيضة للواقع، بل هى الواقع الترميزى أو المجازى. وفى كتابتى أنطلق دائمًا من الواقع وأعود إليه. لأنى بالأساس مشغول بهذا العالم الأرضى وما يتصل به من مكان جغرافى وأناس يسكنون داخل هذه الجغرافيا. قارئى بالأساس هو القارئ المصرى، وما أعرفه وما يعنينى هو هذه المنطقة الجغرافية قبل أى شىء. وهكذا أنبش فى الواقع المصرى بمجتمعه وثقافته. مع ذلك، لا أميل لكتابة الواقع المباشر ولا أرى أن الرواية فيلم تسجيلى. الواقع موجود فى كتابتى، لكنه الواقع الذى يلمس لحظة معاصرة ويتطلع إلى تجاوزها جماليًا ليصلح للقراءة فى زمن آخر ومكان آخر.
■ وراء فكرة التحول فى «أصل الأنواع» هناك أيضًا إحساس واضح بالفقد؛ فقدان شىء من المعنى أو اليقين، أو حتى من صورة العالم القديمة. هل كنت تكتب رواية عن تحول المدينة أم عن فقدان أصلها؟
- تحول الشىء إلى شىء آخر يستدعى البحث عن الأصل. حين نفقد عزيزًا نظل نبحث عنه فى آخرين، خاصةً حين يستحيل نموذجًا. فى الحب مثلًا يظل يطاردنا الحب الأول لو كان مكتملًا، أو تعرض لموت فغدا أسطورة. يحدث الشىء نفسه فى البيوت والمدن. حين تغيرت القاهرة فقدت جزءًا أساسيًا من معالمها وهويتها، هذا الفقد استدعى البحث عن الأصل. غير أن الرواية، فى مجملها، تطرح سؤال الأصل، والعودة للأصل تضع الحداثة محل سؤال.
■ هل يمكن اعتبار «أصل الأنواع» خطوة مختلفة فى سياق منجزك الأدبى، خصوصًا على مستوى الكتابة وبناء العالم الروائى؟
- أحب التعامل مع كل كتاب باعتباره مشروعًا فى ذاته، لكن ذلك لا ينفى أن ثمة خطوطًا عريضة وأسئلة كبرى تنتقل من عمل إلى آخر. بطريقة ما، كانت «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج» و«عصور دانيال فى مدينة الخيوط» و«أصل الأنواع» مرثية لقاهرة القرن الواحد والعشرين، ربما فى «أصل الأنواع» يتجلى تداخل جسد المدينة بجسد سكانها بشكل أكبر.
 ■ أنت الآن على أعتاب الوصول إلى الجائزة العالمية للرواية العربية بعد الترشح فى قوائمها عدة مرات بأعمال سابقة؛ ما تأثير ذلك على كتابتك، وعلى تفاعل القراء مع أعمالك؟
- لا شىء يؤثر على كتابتى، أنا كاتب حر ومستقل وأكتب ما أريد كما أراه، مستسلمًا للإلهام ولتصوراتى عمّا يجب أن تكون عليه الكتابة، وأنطلق من ضميرى ووعيى بالعالم وأسئلتى الفردية. مع نشر الرواية أبدأ فى الاهتمام بآراء النقاد والقراء، ولو صادف أن ترشحت لجائزة أو فازت بها، لا بد أن ذلك يسعدنى. لكن على مستوى المقروئية والانتشار، أعتقد أن جائزة البوكر العربية تفتح أفقًا لذلك ومعها يكتسب العمل قراءً جددًا. وفى كل الأحوال أنا روائى ولست نجمًا سينمائيًا، وأحب أن أظل روائيًا.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة