خالد محمود
خالد محمود يكتب : اكتشاف الذات المصرية من جديد
الإثنين، 06 أبريل 2026 - 08:40 ص
في توقيت بالغ الأهمية، جاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بدراسة إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع» على غرار «دولة التلاوة»، ليعكس تحولًا نوعيًا في التفكير تجاه بناء الإنسان المصري، ليس فقط من زاوية التعليم أو الاقتصاد، بل من بوابة الإبداع باعتباره أحد أهم روافد الهوية الوطنية والقوة الناعمةً.
هذا التوجيه المستنير لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى تجربة ناجحةً نسبيًا تمثلت في برنامج «دولة التلاوة»، الذي نجح في اكتشاف أصوات متميزةً في مجال التلاوة والابتهال، وقدم نموذجًا قائمًا على التنافس الشريف والمعايير الموضوعيةً. ومن هنا، تبدو فكرة تعميم التجربة على مجالات الفنون والإبداع خطوةً استراتيجيةً تحمل أبعادًا ثقافيةً واجتماعيةً عميقةً.
لطالما كانت مصر مركزًا للإبداع الفني في العالم العربي، سواء في السينما أو المسرح أو الموسيقى أو الأدب. وقد لعبت هذه الفنون دورًا محوريًا في تشكيل الوجدان العربي، وتعزيز الحضور المصري إقليميًا ودوليًا. لكن هذا الدور تراجع نسبيًا في العقود الأخيرة، لأسباب متعددةً، منها غياب آليات مؤسسيةً واضحةً لاكتشاف المواهب، وترك الساحة أحيانًا لعوامل السوق وحدها.
من هنا، تكتسب «دولة الفنون والإبداع» أهميتها، باعتبارها مشروعًا يمكن أن يعيد تنظيم عملية اكتشاف المواهب، ويمنح الفرصة الحقيقيةً لمن يستحق، بعيدًا عن العشوائية أو العلاقات. فالفن، في جوهره، ليس ترفًا، بل أداةً لبناء الوعي، وتشكيل الذوق العام، والتعبير عن قضايا المجتمع.
أحد أبرز ما جاء في توجيهات السيد الرئيس هو ضرورة اكتشاف المواهب «بشكل متجرد»، وهي نقطةً مفصليةً في نجاح أي مشروع من هذا النوع. فالتجرد هنا يعني إتاحة الفرصة للجميع على قدم المساواة، دون تمييز جغرافي أو اجتماعي أو اقتصادي، ويعني أيضًا تحييد الأهواء الشخصيةً في التقييم.
هذه الفكرة، إذا ما تم تطبيقها بشكل حقيقي، يمكن أن تحدث نقلةً نوعيةً في المشهد الفني، وتعيد الثقة لدى الشباب بأن الموهبة وحدها كفيلةً بفتح الأبواب، وهو ما يشجع المزيد من الطاقات الكامنةً على الظهور.
من الفكرة إلى التطبيق .. خطة متكاملة
حتى لا تتحول «دولة الفنون والإبداع» إلى مجرد شعار، فإن نجاحها يتطلب خطةً تنفيذيةً واضحةً، تقوم على عدة محاور رئيسيةً:
1 - منصة وطنية لاكتشاف المواهب
إطلاق منصة رقميةً موحدةً، تتيح للمواهب من مختلف أنحاء الجمهورية التقدم بسهولة، عبر رفع نماذج من أعمالهم، سواء كانت مقاطع فيديو، تسجيلات صوتية، أو نماذج فنيةً. وتعد هذه الخطوة أساسيةً لضمان الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الموهوبين.
2 - مراحل تصفية عادلة ومتدرجة
تبدأ بمرحلة أولى على مستوى المحافظات، تليها تصفيات إقليميةً، ثم نهائيات على مستوى الجمهورية. ويجب أن تتم هذه المراحل وفق معايير واضحةً ومعلنةً، لضمان الشفافية.
3 - لجان تحكيم مستقلة ومتنوعة
تضم فنانين محترفين، وأكاديميين، ونقادًا، مع تغييرها دوريًا لضمان النزاهة. كما يجب أن تكون معايير التقييم محددةً، مثل الأداء، والابتكار، والحضور، والقدرة على التطور.
4 - برامج تدريب وتأهيل مستمرة
لا يكفي اكتشاف الموهبة، بل يجب صقلها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ورش تدريب، وأكاديميات متخصصةً، بالتعاون مع مؤسسات فنية وثقافيةً، بما يحول الموهبة إلى مشروع احترافي.
5 - دمج المواهب في سوق العمل
من خلال شراكات مع شركات الإنتاج، والمسارح، والمنصات الإعلامية، بحيث يحصل الفائزون والمتميزون على فرص حقيقيةً للعمل، وليس مجرد تكريم معنوي.
6 - دعم المواهب في الأقاليم
إنشاء مراكز إبداع في المحافظات، وتنظيم قوافل فنيةً لاكتشاف المواهب في القرى والمناطق النائية، بما يحقق العدالة الثقافيةً.
7 - شراكة بين الدولة والقطاع الخاص
يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دورًا مهمًا في التمويل والرعاية، مقابل الاستفادة من اكتشاف مواهب جديدةً، وهو ما يضمن استدامة المشروع.
8 - دور الإعلام في صناعة الحلم
من خلال إنتاج برامج توثق رحلة المواهب، وتسليط الضوء على قصص النجاح، بما يحول المشروع إلى حالةً مجتمعيةً ملهمةً.
لا يمكن فصل «دولة الفنون والإبداع» عن المنظومة التعليمية، حيث يجب أن يبدأ اكتشاف الموهبة من المدارس، عبر الأنشطة الفنية، وتدريب المعلمين على اكتشاف القدرات الإبداعيةً لدى الطلاب. كما يجب تفعيل دور قصور الثقافة والمراكز الفنية، لتكون حاضنات حقيقيةً للمواهب.
أي مشروع بهذا الحجم سيواجه تحديات، مثل البيروقراطية، أو نقص التمويل، أو ضعف التنسيق بين الجهات المختلفة. لكن يمكن تجاوز هذه العقبات من خلال إدارة مرنةً، واعتماد التكنولوجيا، وتحديد مسؤوليات واضحةً لكل جهة.
كما أن الحفاظ على مصداقية المشروع سيكون التحدي الأكبر، وهو ما يتطلب شفافيةً كاملةً في كل المراحل، وإتاحة الفرصة للمجتمع لمتابعة وتقييم الأداء.
مستقبل إبداعي مختلف
في النهاية، فإن «دولة الفنون والإبداع» ليست مجرد مبادرة ثقافيةً، بل رؤيةً لمستقبل مختلف، يمنح فيه الإبداع مكانته المستحقة، ويصبح فيه الفن أداةً للتنوير والتعبير والبناء. وإذا ما تم تنفيذ هذه الفكرة بشكل جاد ومدروس، فقد نشهد خلال سنوات قليلة ميلاد جيل جديد من الفنانين والمبدعين، القادرين على إعادة رسم ملامح القوة الناعمة المصرية.
إن الاستثمار في الموهبة هو استثمار في المستقبل، و«دولة الفنون والإبداع» قد تكون البداية الحقيقيةً لاستعادة مصر لدورها الريادي، ليس فقط كمنتج للفن، بل كصانعة للوعي والجمال.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة
خالد محمود يكتب : رحلة فى « عقل » فاتن حمامة
خالد محمود يكتب : فى عيد ميلاده الـ ٨٦ .. عادل إمام.. الفنان الذى صار ذاكرة المصريين
سيمفونية السيليكون
«Michael» .. حين تتحول الأسطورة إلى إنسـان
الواقعية الجديدة بروح عراقية ..« كعكة الرئيس » رحلة صغيرة تكشف مأزق العالم الكبير
هل انتهى زمن المطربين؟









