عمر فطين فى حوار تصحيح المفاهيم مع «الأخبار»
عمر فطين فى حوار تصحيح المفاهيم مع «الأخبار»


عمر فطين فى حوار تصحيح المفاهيم مع «الأخبار»:

الذكاء الاصطناعى لا يعرف الحقيقة وإنما يرجحها

حازم بدر

الثلاثاء، 07 أبريل 2026 - 09:26 م

الخطر الحقيقى ليس فى قوته بل غموض قراراته

على هامش مشاركته فى ندوة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة يوم 20 مارس الماضى حول الذكاء الاصطناعي، لم يكن خروج المهندس عمر فطين من القاعة نهاية الحديث، إذ نجح خلال محاضرته فى فتح شهية الحاضرين لمزيد من المعرفة بهذا العالم المتسارع.
وخلال نصف ساعة خص بها «الأخبار» عقب المحاضرة، حاولنا عبر مجموعة من الأسئلة التعمق فى هذا المجال، والاقتراب بشكل أكبر من رؤيته، التى تجمع بين خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود، ومسيرة بدأت مبكرا حين أسس أولى شركاته فى كاليفورنيا، وهو فى الثانية والعشرين من عمره.

فى مستهل الحوار، طرحنا عليه سؤالا مباشرا : ما أكثر ما يجهله الناس عن الذكاء الاصطناعى رغم حضوره المتزايد؟
توقف للحظة، وكأنه يزن كلماته، ثم قال بنبرة حاسمة إن المشكلة الأساسية تكمن فى تصور شائع بأن الذكاء الاصطناعى «يفهم»، بينما الحقيقة أنه «يتوقع».
وأوضح أن هذه الأنظمة لا تمتلك وعيا أو نية، بل تعتمد على اكتشاف الأنماط وترجيح الإجابات الأكثر احتمالًا، مضيفًا فى جملة بدت كأنها خلاصة الفكرة» الذكاء الاصطناعى لا يعرف الحقيقة… بل يرجحها».
كيف يتعلم 
ومن هذا المدخل، جاء السؤال التالى حول كيفية تعلم هذه الأنظمة؟ ابتسم قليلًا، وبدأ فى تبسيط الفكرة، مشيرا إلى أنها تقوم على رؤية كم هائل من الأمثلة، ثم الوقوع فى الخطأ وتصحيحه بشكل متكرر. ومع الوقت، تصبح أكثر دقة فى التنبؤ. واختصر ذلك بقوله: الذكاء الاصطناعى لا يُبرمج ليعرف.. بل يُدرب ليقترب من الإجابة».
ومع انتقال الحوار إلى المصطلحات الأكثر تداولًا، سألناه عن الفرق بين الذكاء الاصطناعى والتعلم الآلى والتعلم العميق، وهنا بدا حريصا على إزالة الالتباس، موضحا أن الذكاء الاصطناعى هو الإطار العام، وأن التعلم الآلى يمثل منهج التعلم من البيانات، بينما يأتى التعلم العميق كمرحلة أكثر تقدما تعتمد على شبكات عصبية كبيرة. ثم لخص الفكرة ببساطة: الذكاء الاصطناعى هو الفكرة، والتعلم الآلى هو الطريق، والتعلم العميق هو أقوى أدوات هذا الطريق.
شكل الحياة 
وعند سؤاله عن شكل الحياة خلال السنوات العشر المقبلة، لم يتجه إلى التصورات الخيالية، بل تحدث بهدوء عن تحول تدريجى سيجعل الذكاء الاصطناعى حاضرا فى الخلفية بشكل دائم، مؤثرا فى تفاصيل الحياة اليومية. 
وأكد أن التغيير الحقيقى لن يكون فى مستوى الراحة، بل فى جودة القرار وسرعته، مستندًا إلى مؤشرات متسارعة لاعتماد هذه التقنيات فى مختلف القطاعات. ثم أضاف: « المستقبل ليس لمن يملك معلومات أكثر.. بل لمن يملك قرارا أفضل».. هذا الطرح قاد بطبيعة الحال إلى سؤال حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعى بصدد التفوق على البشر. لم ينفِ ذلك فى بعض المهام، خاصة تلك القائمة على التكرار والبيانات، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين الأداء والفهم. . وقال إن الآلة قد تكون أكثر دقة وسرعة، لكنها لا تمتلك الفهم الإنساني، مضيفا: «قريبا، لن تكون المشكلة أن الذكاء الاصطناعى لا يستطيع العمل، بل إن البشر سيصرون على القيام بأعمال أصبح أفضل منهم فيها، ومع ذلك، أكد أن الإنسان يظل صاحب القرار فى تحديد الاتجاه».
مستقبل الوظائف
وفى سياق متصل، طرحنا عليه سؤالًا حول مستقبل الوظائف، فأوضح أن المشهد سيشهد فقدان بعض الوظائف وظهور أخرى، لكن التحدى الأكبر يكمن فى سرعة هذا التحول.
 وبحكم عمله مع شركات ناشئة وأخرى كبرى، أشار إلى أن القيمة الحقيقية للإنسان داخل سوق العمل ستعاد صياغتها، قائلا: « الذكاء الاصطناعى لا يلغى العمل، بل يعيد تعريف قيمة الإنسان داخله».
ومع تصاعد الأسئلة، اتجه الحوار إلى المخاطر المحتملة، حيث سُئل عن أخطر استخدامات الذكاء الاصطناعى إذا لم يتم تنظيمه، و هنا بدت نبرته أكثر جدية، محذرًا من «القرارات غير المرئية»، التى قد تؤثر فى حياة الأفراد دون وضوح أو شفافية، سواء فى التوظيف أو التمويل أو غيرهما. واختصر هذا القلق فى عبارة واضحة: «الخطر الحقيقى ليس فى ذكاء الآلة.. بل فى غموض قراراتها».
وفى سؤال آخر حول مدى إمكانية الوثوق بالأنظمة الذكية فى مجالات حساسة كالطب، أكد أن هذه الأنظمة يمكن أن تكون أدوات مساعدة فعالة، لكنها لا يمكن أن تحل محل الإنسان بشكل كامل، مشددًا على أن القرار الطبى يظل مسؤولية إنسانية فى جوهره. وأضاف: أفضل القرارات لا تأتى من الإنسان وحده، ولا من الآلة وحدها، بل من تكاملهما.
محاكاة لا وعى
وعندما طُرح عليه سؤال حول إمكانية امتلاك الذكاء الاصطناعى وعيا أو مشاعر، جاء رده حاسما، إذ أكد أن ما نراه اليوم هو محاكاة متقدمة للسلوك، لا وعيا حقيقيا ، وأن تطور هذه المحاكاة هو ما يخلق هذا الالتباس. وقال باختصار: «الذكاء الاصطناعى قد يبدو إنسانيا، لكنه لا يشعر بشيء» لكن الحوار بلغ ذروته مع السؤال عن مخاوفه الشخصية، حيث صمت للحظة قبل أن يشير إلى خطرين مترابطين: الأول يتعلق بتسارع الفجوة الاقتصادية، حيث يميل الذكاء الاصطناعى إلى مضاعفة القيمة لمن يمتلكه، والثانى يرتبط بتحسين الأنظمة بناء على مؤشرات خاطئة، ما قد يؤدى إلى نتائج «ناجحة» تقنيًا لكنها خاطئة فى الاتجاه. ثم قال بوضوح: «الخطر ليس فى قوة الذكاء»، مضيفا أن «هذه التقنيات لا تخلق فجوات جديدة بقدر ما تسرع الفجوات القائمة».
تقليل الفاقد
وعند الانتقال إلى تجربته الشخصية، سُئل عن كيفية استفادته من الذكاء الاصطناعى فى عمله، فأوضح أنه لم يستخدمه فقط لتسريع العمليات، بل لإعادة تصميمها بالكامل. واستشهد بمشروع تمكن فيه من تقليص دورة تشغيلية من 20 يوما إلى نحو 4.5 ساعة، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية لم تكن فى السرعة فقط، بل فى وضوح القرار وتقليل الفاقد، قائلاً: القيمة الحقيقية ليست فى السرعة… بل فى رؤية ما لم يكن ممكنا رؤيته.
هذا المنظور انعكس على إجابته عن موقعه فى هذا التحول، حيث أوضح أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعى كأداة، بل كوسيلة لإعادة تعريف العمل نفسه، مستفيدا من خبرته فى بناء الشركات والعمل عبر أسواق متعددة، للتركيز على ربط التكنولوجيا بالنتائج الفعلية، من خفض التكاليف إلى زيادة الإيرادات وتحسين جودة القرار».
 وفى ختام اللقاء، سُئل عما يميز رؤيته عن الطرح التقليدي، فابتسم مجددًا، وأوضح أن السؤال الشائع هو: ماذا يمكن أن يفعل الذكاء الاصطناعي؟ بينما يرى أن السؤال الأهم هو: ماذا يجب أن يتغير بسببه؟ مؤكداً أن الفارق بين السؤالين هو الفارق بين تحسين الأداء وإعادة تعريفه. ثم أنهى حديثه بجملة بدت كأنها خلاصة تجربته كلها: الذكاء الاصطناعى لا يخلق قيمة حقيقية عندما يحسن العمل، بل عندما يغير تعريفه».

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة