خواطر الشعراوى| «وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ»
الخميس، 09 أبريل 2026 - 07:10 م
ضياء أبوالصفا
يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول قوله تعالى فى سورة البقرة ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ﴾ بقوله: ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية: ما فعلت لأحد خيرًا قط؟ فقيل له: أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا؟ فقال: إنما فعلته لنفسي.
فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه، ولقد قلنا سابقا: إن العارف بالله «الحسن البصري» كان إذا دخل عليه من يسأله هشّ فى وجهه وبشّ وقال له: مرحبًا بمن جاء يحمل زادى إلى الآخرة بغير أجرة.
إذن فقد نظر إلى أنه يعطيه وإن كان يأخذ منه، فالحق سبحانه وتعالى يعالج فى هذه القضية ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ﴾ أى إياكم أن تظنوا أننى أطلب منكم أن تعطوا غيركم، لقد طلبت منكم أن تنفقوا لأزيدكم أنا فى النفقة والعطاء، ثم يقول: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ومعنى التوفية: الأداء الكامل، ولا تظنوا أنكم تنفقون على من ينكر معروفكم؛ لأن ما أنفقتم من خير فالله به عليم، إذن فاجعل نفقتك عند من يجحد، ولا تجعل نفقتك عند من يحمد، لأنك بذلك قد أخذت جزاءك ممن يحمدك وليس لدى الله جزاء لك.
كنت أقول دائما للذين يشكون من الناس نكران الجميل ونسيان المعروف: أنتم المستحقون لذلك؛ لأنكم جعلتموهم فى بالكم ساعة أنفقتم عليهم، ولو جعلتم الله فى بالكم لما حدث ذلك منهم أبدًا. ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله﴾ أهذه الآية تزكية لعمل المؤمنين، أم خبر أريد به الأمر؟ إنها الاثنان معا، فهى تعنى أنفقوا ابتغاء وجه الله، ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أنتم لا تظلمون من الخلق، ولا تظلمون من الخالق، أما من الخلق فقد استبرأتم دينكم وعرضكم حين أديتم بعض حقوق الله فى أموالكم، فلن يعتدى أحد عليكم ليقول ما يقول، وأما عند الله فهو سبحانه يوفى الخير أضعاف أضعاف ما أنفقتم فيه.
وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن مصرف من مصارف النفقة كان فى صدر الإسلام: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض﴾. ساعة أن نسمع «جارًا ومجرورًا» قد استهلت به آية كريمة فنعلم أن هناك متعلقًا، ما هو الذى للفقراء؟ هو هنا النفقة، أى أن النفقة للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله، وإذا سألنا: ما معنى «أحصروا» فإننا نجد أن هناك «حَصر» وهناك «أحصر» وكلامهما فيه المنع، إلا أن المنع مرة يأتى بما لا تقدر أنت على دفعه، ومرة يأتى بما تقدر على دفعه.
فالذى مرض مثلًا وحُصِرَ على الضرب فى الأرض، أكانت له قدرة أن يفعل ذلك؟ لا، ولكن الذى أراد أن يضرب فى الأرض فمنعه إنسان مثله فإنه يكون ممنوعًا، إذن فيئول الأمر من الأمرين إلى المنع، فقد يكون المنع من النفس ذاتها أو منع من وجود فعل الغير، فهم أحصروا فى سبيل الله. حُصِرُوا لأن الكافرين يضيقون عليهم منافذ الحياة، أو حَصَرُوا أنفسهم على الجهاد، ولم يحبوا أن يشتغلوا بغيره؛ لأن الإسلام كان لا يزال فى حاجة إلى قوم يجاهدون. وهؤلاء هم أهل الصُّفة ﴿لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض﴾ وعدم استطاعتهم ناشئ من أمر خارج عن إرادتهم أو من أمر كان فى نيتهم وهو أن يرابطوا فى سبيل الله، هذا من الجائز وذاك من الجائز.
وكان الأنصار يأتون بالتمر ويتركونه فى سبائطه، ويعلقونه فى حبال مشدودة إلى صوارى المسجد، وكلما جاع واحد من أهل الصفة أخذ عصاه وضرب سباطة التمر، فينزل بعض التمر فيأكل، وكان البعض يأتى إلى الرديء من التمر والشيص ويضعه، وهذا هو ما قال الله فيه: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾.