العالم من خلال الأزرق
العالم من خلال الأزرق
الأحد، 12 أبريل 2026 - 11:29 ص
تعد مجموعة «كل الألوان أزرق» (دار العين 2026) للقاص والكاتب المصرى مجدى القشاوى محطة فنية لافتة فى أدب القصة القصيرة المعاصر، حيث يمزج فيها بين الواقعية الاجتماعية والنزعة الرمزية، مستخدماً «اللون» كخيط ناظم للرؤية الكلية للمجموعة.
فكرت طبعا حتى قبل فض غلاف المجموعة لبداية قراءة القصص (أربع عشرة قصة) وبعد القراءة استوعبت ما يرمى إليه العنوان «كل الألوان أزرق» ببعض التأمل نجده يحمل تناقضاً ظاهرياً يثير التساؤل، فالانصهار اللونى يشير إلى حالة من «التوحد» أو سيطرة حالة شعورية واحدة على شتات التجارب الإنسانية، من وجهة نظر الكاتب، عادة ما يرتبط الأزرق بالصفاء والاتساع (السماء والبحر)، الذى يعيشهما القشاوى فهو يعيش فى مدينة صغيرة يمكننا إطلاق وصف لها (مدينة السماء والماء) لكنه الأزرق هنا فى السياق الأدبى قد يرمز أيضاً إلى «البارد»، «البعيد»، أو حتى «الحزن النبيل» الذى يغلف مصائر الشخوص ..
من خلال تعاملنا مع نصوص المجموعة يمكننا أن نقول إن الكاتب يتمتع بلغة تميل إلى الاقتصاد والتركيز، بعيداً عن الثرثرة الإنشائية، فالتكثيف سمة لا تخطئها الذائقة القارئة، القصص تمتاز بقصرالنفس السردى، حيث يبدأ النص من نقطة قريبة جداً من اللحظة التنويرية، التى عادة يسعى نحوها الكاتب، حرصا على عدم الإلغاز، هنا واضحة جدا من خلال اللغة الشاعرة رغم واقعية الأحداث، إلا أن اللغة مشحونة بالصور البيانية التى تخدم الحالة النفسية للبطل، مما يجعل القصة تبدو كلوحة زيتية يعاد رسمها بالكلمات، كما تتحرك نصوص المجموعة فى فضاءات إنسانية رحبة، وتركز على الاغتراب الذاتى فشخوص القصص فى العادة ما يعانون من فجوة بين واقعهم وما يطمحون إليه، مما يخلق حالة من العزلة وسط الزحام، فالهامش والمركز للنصوص عامة يسلط الضوء على الشخصيات، ليس من منظور البؤس الفج، بل من منظور ملل جميل يتناسوه فى خلال ممارستهم لحياتهم، كل ذلك من خلال الذاكرة والزمن، ويا لهما من قطبان خطيران فى حياة البشر، شف بنفسك فى هذه النصوص كيف يحضر الماضى كعنصر ضاغط، أو كملجأ أخير أمام قسوة الراهن، وأنت تعرف كم ضغطهما واحتواءهما لنفس ووجدان الإنسان!
القشاوى متأثر بالفن التشكيلى - كما سوف نرى عند التحدث عن القصة الأولى بالمجموعة- وهذا التأثر واضح فى بقية النصوص عبر تقنية توزيع الإضاءة والظلال داخل المشهد السردى، وأيضا اعتماده المفارقة التى تنهى معظم النصوص، مع النهايات المفتوحة، وهى تشارك إيجابيا فى تمكن القارئ من إعادة صياغة النص وفهمه..
سوف نطالع أيضا حيلة ليست تقنية فقط، ولكنها مفهوم عام للتعامل قصصيا مع العالم من خلال أنسنة الأشياء، فالكاتب يعطى الجمادات حضورا- الستائر- الجدران- الألوان - و دورا حيويا فى تحريك الأحداث، أو استغلالها فى التعبير عن المشاعر، ينجح القشاوى فى تحويل الخاص إلى عام، فالحزن المرتدى للأزرق فى نصوصه ليس حزنا شخصيا فقط، بل هو انعكاس لحالة إنسانية عامة تبحث عن معنى وسط عالم مادى قاس..
فى قصة (طبيعة صامتة، وهى فاتحة النصوص) فى محاولة ناجحة لتوضيح علاقته بالعالم والأشياء، ومحاولة كسر الحدود بين فن الرسم وفن القصة، لذا فهذه القصة تعتبر بيانا خاصة للكاتب موجها لنا نحن القراء محددا فيه ما يحاول افهامنا إياه، ففى الفن التشكيلى تعتبر الطبيعة الصامتة هى رسم الأشياء غير الحية فى وضع سكون، من خلال نظر الفن، حيث لا يصبح اللون مجرد لون بل هو موقف من الحياة والوجود، والكاتب يستعير هذا الموقف أو المفهوم ليطبقه على الذات الإنسانية، هل نغالى فى القول؟ أبدا، فنحن نرى التطبيق عبر تقنية تجميد اللحظة، فالنص لدى القشاوى لا يهتم بالنمو الزمنى، بقدر ما يهتم بالنمو الشعورى والإحساس، وهو يمسك بتلابيب اللحظة التى يكتب عنها، أوقل: يكتبها، وهذا أفضل تعبيرا، ثم تأتى الشيئية فى منحها منحة قشاوية - كوب، مقعد، جدار- ثقلاً درامياً يوازى ثقل البطل، وكأن الأشياء هى التى تحكى قصة صاحبها الصامت، و المكان الضيق عادة يعكس انكماش الذات، وهربها من ضجيج العالم الخارجى إلى صمت «اللوحة» الخاصة.
تحدثنا عن المفارقة الملونة لنصوص المجموعة، وهى هنا فى هذه القصة «طبيعة صامتة» نرى أن الصمت فيها ليس عدماً، بل هو امتلاء، البطل صامت خارجياً، لكن النص مشحون بتوتر داخلى هائل، واللغة عندما تميل إلى الاقتصاد الشديد، فكل كلمة هى ضربة فرشاة، لا زيادة فيها ولا نقصان، مما يجعل الصمت بين الجمل أقوى من الكلمات نفسها، حيث تبدو الأشياء وكأنها تراقب البطل، عندها تشعر ببرودته، وتشارك فى تأثيث حزنه، كأنه تحول إلى عنصر ضمن الطبيعة الصامتة، يفقد القدرة على الفعل أو التغيير، ويصبح مجرد وجود ساكن فى فضاء الغرفة.
قصة طبيعة صامتة هى «قصة الحالة» التى تتخلى عن الحبكة التقليدية (صراع، عقدة، حل) لصالح «الحبكة البصرية». هى محاولة من مجدى القشاوى لقول إن ما نراه ساكناً فى حياتنا هو فى الحقيقة عالم ينفجر بالدلالات، وأن اللون والصمت، هما أصدق اللغات للتعبير عن الفقد والاغتراب.
تُعد قصة (أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة) من أبرز نصوص مجموعة «كل الألوان أزرق»، وهى تجسيد حى لأسلوب مجدى القشاوى الذى يمزج بين التشكيلى والسردى، لنتعرف أولا على مدلول العدد 40 فهو يحمل دلالات ثقافية احتماعية، ودينية - أربعين الميت، مدة التيه - سن النضج للإنسان- فى القصة الـ 40 ليس مجرد رقم، بل هو وحدة قياس للوجع، أو تراكم زمنى للغياب، أو السقوط فى التيه النفسى، واختيارالحجرة الواحدة يكرس لمفهوم الوحدة والاغتراب، الحجرة ليست مكاناً للسكن بقدر ما هى سجن اختيارى أو متحف للذكريات..
هل نتعامل مع النص من خلال التحليل النفسى؟ لا نتعامل، وإن يكن التعامل النفسى صحيحا، إننا نتعامل مع النص كتحليل فنى يدخل فيه كل المعارف، وعلينا مواصلة طريقنا كما هو ظاهر فيما تقدم ، نقول إن القشاوى يتعامل مع الحائط مثلا كشاشة عرض، أو المساحة التى يتم رسم اللوحة فوقها، كما أن الغائبين ليسوا أطيافا، بل هم كيانات محفورة على الحوائط ، والبطل لا يتذكرهم بعقله فقط، بل يراهم بحواسه، الحوائط هنا ذاكرة خرسانية توثق الفقد، وما النص القصصى إلا التذكر، وارتباطاً بعنوان المجموعة، نجد أن الزرقة أو البرودة تخيم على أجواء الحجرة، الغياب هنا بارد، والحوائط صلبة، لكن الانفعال الداخلى للبطل يمنح هذه الجمادات حرارة إنسانية.
القصة إذن هى مرثية للوحدة الإنسانية. نجح الكاتب فى تحويل «المكان الضيق» إلى فضاء كونى يسع أربعين تجربة فقد، النص لا يقدم حلولاً للمأساة، بل يدعو القارئ لمشاركة البطل فى تأمل الجدران، ليجد القارئ نفسه فى النهاية يبحث عن غياباته الشخصية على جدران غرفته هو.
تعد مجموعة «كل الألوان أزرق» لمجدى القشاوى وثيقة أدبية وبصرية بامتياز، يمكن تلخيص تجربتها فى أنها سرديات الانكسار الهادئ، هى مجموعة لا تبحث عن الضجيج، بل تنقب فى المسافات المتروكة بين الكلمات وبين الأشياء، إن (كل الألوان أزرق ) هى دعوة للقارئ ليتوقف قليلاً أمام صمت الأشياء، ويكتشف أن خلف كل زاوية معتمة فى غرفته، أو خلف كل لون باهت فى حياته، تكمن قصة تستحق أن تُروى بصدق وشاعرية..
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة
نجوجى وا ثيونجو والخيال المناهض للاستعمار
جائزة قائمة بوكر الدولية 2026: 6 روايات مدهشة عن الفقد والوحشية
عودة الضوء: التفاعلات النصية
عيون بيروت: حين تصبح المدينة بطلاً يرى ويُرى
هيولى الشعر
زُوَّار السماء