د. آية الهنداوي
د. آية الهنداوي


الفن في معركة الوعي ... حين يصبح الإبداع درعًا للوطن

أخبار النجوم

الإثنين، 13 أبريل 2026 - 11:23 ص

د‭. ‬آية‭ ‬الهنداوي‭ ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأمم‭ ‬ترفًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬أو‭ ‬نشاطًا‭ ‬هامشيًا‭ ‬منفصلًا‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬المجتمع،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬دائمًا‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬ارتبط‭ ‬الفن‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬بفكرة‭ ‬الوطن؛‭ ‬فكان‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬نبض‭ ‬الشعب،‭ ‬والمرآة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬آماله‭ ‬وآلامه،‭ ‬والسلاح‭ ‬الناعم‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬الوجدان‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬التزييف‭ ‬أو‭ ‬التشويه‭.‬

فالفن‭ ‬المصري،‭ ‬منذ‭ ‬بداياته‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬لعب‭ ‬دورًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الترفيه‭ ‬ليصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬الوعي‭ ‬الوطني‭. ‬ففي‭ ‬لحظات‭ ‬الخطر‭ ‬أو‭ ‬التحديات‭ ‬الكبرى‭ ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬الفنانون‭ ‬على‭ ‬الهامش،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الصفوف،‭ ‬يكتبون‭ ‬ويغنون‭ ‬ويمثلون‭ ‬ويرسمون‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬الوطن‭. ‬لقد‭ ‬تحولت‭ ‬الأغنية‭ ‬إلى‭ ‬نشيد‭ ‬للكرامة،‭ ‬والمسرح‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬للتنوير،‭ ‬والسينما‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬حيّ‭ ‬يوثق‭ ‬صمود‭ ‬المصريين‭ ‬وإيمانهم‭ ‬ببلادهم‭.‬

ولعل‭ ‬التجربة‭ ‬المصرية‭ ‬تقدم‭ ‬مثالًا‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬تعبئة‭ ‬الشعور‭ ‬الوطني‭. ‬فقد‭ ‬شكّلت‭ ‬الأغاني‭ ‬الوطنية،‭ ‬والأعمال‭ ‬السينمائية،‭ ‬والدراما‭ ‬التلفزيونية،‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬ذاكرة‭ ‬وجدانية‭ ‬مشتركة‭ ‬للمصريين،‭ ‬رسّخت‭ ‬معاني‭ ‬الانتماء‭ ‬والتضحية‭ ‬والعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوطن‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصر‭ ‬مجرد‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬إحساسًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬عميقًا‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬القلوب‭ ‬والعقول‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد

إن‭ ‬رسالة‭ ‬الفن‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تصوير‭ ‬الواقع‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تشكيله‭ ‬وتوجيهه‭. ‬فالفن‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬وطنه‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬يزرع‭ ‬الأمل‭ ‬بدل‭ ‬اليأس،‭ ‬ويعزز‭ ‬الثقة‭ ‬بدل‭ ‬الإحباط،‭ ‬ويذكّر‭ ‬الناس‭ ‬بأن‭ ‬الأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالكلمات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بالإرادة‭ ‬والعمل‭ ‬والإيمان‭ ‬بالمستقبل

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتجلى‭ ‬أهمية‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬حملات‭ ‬التشويه‭ ‬والحروب‭ ‬المعنوية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تستهدف‭ ‬المجتمعات‭. ‬فالفنان،‭ ‬مثل‭ ‬الجندي‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬المعركة،‭ ‬يحمل‭ ‬مسؤوليته‭ ‬الخاصة؛‭ ‬سلاحه‭ ‬هو‭ ‬الكلمة‭ ‬والصورة‭ ‬واللحن،‭ ‬ومعركته‭ ‬هي‭ ‬معركة‭ ‬الوعي‭. ‬وعندما‭ ‬ينجح‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬صورة‭ ‬صادقة‭ ‬لوطنه،‭ ‬وفي‭ ‬ترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬الانتماء‭ ‬والكرامة،‭ ‬فإنه‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬جدار‭ ‬معنوي‭ ‬يحمي‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الانقسام‭ ‬أو‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬ذاته‭.‬

لقد‭ ‬أثبت‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬الأمم‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬قيمة‭ ‬ثقافتها‭ ‬وفنونها‭ ‬هي‭ ‬الأمم‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬هويتها‭. ‬ومصر،‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬حضاري‭ ‬عظيم‭ ‬وتاريخ‭ ‬فني‭ ‬عريق،‭ ‬تدرك‭ ‬جيدًا‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للتعبير،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬رسالة‭ ‬ومسؤولية‭. ‬رسالة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الوطن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬أرض‭ ‬نعيش‭ ‬عليها،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قصة‭ ‬نرويها،‭ ‬وأغنية‭ ‬نحفظها،‭ ‬وصورة‭ ‬نحملها‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬والوجدان‭.‬

ولهذا‭ ‬يبقى‭ ‬الفن‭ ‬المصري،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬أحد‭ ‬خطوط‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن؛‭ ‬لأنه‭ ‬يحمي‭ ‬الروح‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭. ‬فحين‭ ‬يبدع‭ ‬الفنان‭ ‬عملًا‭ ‬صادقًا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬مصر‭ ‬وتاريخها‭ ‬وأحلام‭ ‬شعبها،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬مجرد‭ ‬عمل‭ ‬فني،‭ ‬بل‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬فصل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬علّم‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬أن‭ ‬الحضارة‭ ‬تبدأ‭ ‬بالفكرة‭ ‬وتستمر‭ ‬بالإبداع‭. ‬

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة